الصفحات

الاثنين، 31 كانون الأول، 2012

(حرب القناصين في شوارع حلب)


صحيفة الليبراسيون 29/12/2012:  بقلم مراسلها الخاص في حلب جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     كان القناص الشاب (رضوان ـ 21 عاماً) في الطابق الثاني لأحد الأبنية المهدمة في حي صلاح الدين بحلب، منزوياً في إحدى الغرف ومعه بندقية M16 بمنظار. يقوم القناص (رضوان) أيضاً بصناعة بعض القنابل البدائية في علب عصير Spot التي يملؤها بالرمل والملح والنترات. ولكنه يعترف بأن هذه القنابل غير فعالة، والهدف منها هو إحداث بعض الضجيج. كان العلم السوري مُعلّقاً على واجهة البناء المقابل، مما يعني أنه تحت سيطرة الجيش النظامي.
     تتداخل خطوط المواجهة في حي صلاح الدين لدرجة أن مدفعية وطائرات الجيش النظامي لم  تعد تستطيع التدخل، كما أن الدبابات لم تعد تقوم بمحاولات التوغل إلا بين فترة وأخرى. أصبحت الحرب مواجهة بين القناصين المترصدين، يُحاول كل واحد منهم العثور على الآخر، ومراقبته واصطياده. يعترف المتمردون أن قناصي الجيش النظامي أفضل تجهيزاً وذخيرة.
     يقود هذه الوحدة الصغيرة أبو عدي المريقاني (27 عاماً) الذي كان عريفاً في الجيش النظامي قبل أن ينشق  عنه. يشعر أبو عدي المريقاني بالشك من وجودنا، وقال: "ربما ستنقلون ما تشاهدونه هنا إلى النظام. ولكن ذلك غير مهم، إننا أقوياء بما فيه الكفاية لمقاومته". كما أشار إلى أن القناص المُعادي في هذا الحي هو "قناص جيد" أي أنه لا يطلق النار على السكان عندما يأتون باحثين عن بعض الحاجيات.
     لم يبق في حي صلاح الدين إلا المتمردين الموجودين في الشوارع، ونُشِرت بعض الأغطية القماشية الكبيرة بين الأبنية في الشوارع الأكثر تعرضاً للنيران من أجل تجنب نيران قناصة الجيش النظامي.
     تتواجد قاعدة عمليات إحدى الوحدات المتمردة للجيش السوري الحر في الطابق الأول لأحد الأبنية المجاورة، وتؤكد هذه الوحدة أنها الأقدم في حي صلاح الدين. إن هذه الشقة في حالة جيدة، ويخلع المتمردون أحذيتهم قبل الدخول إليها. قال أحد المتمردين: "استأجرنا هذه الشقة من أحد المالكين الأغنياء، وهو يعيش في حي آخر"، وكانت هناك صورة كبيرة للمالك في هذه الشقة.
     (عبد الله رحال) هو قناص هذه المجموعة. إنه يتحدر من هذا الحي، ولديه بندقية نمساوية دقيقة التصويب من طراز Steyr Daimler (هذه البندقية هي سلاح الوحدات الخاصة السعودية). أشار هذا القناص أن البندقية سمحت له بقتل ثلاثة قناصين مُعادين، منهم اثنين في حي صلاح الدين. أشار زميله جمال المغربي (21 عاماً) إلى أن انشقاقه عن الجيش قبل أربعة أشهر كان "أفضل قرار اتخذه بحياته". ولكن الخسائر في صفوفهم كبيرة، فقد قُتِل عشرة مقاتلين من أصل ثمانين مقاتلاً في هذا الحي، ومنهم قائدهم (أبو عبيدة) الذي قُتِل قبل أربعة أشهر.
     جاء (أبو عبد الرحمن) ومسبحته بيده، إنه يتمتع بنفوذ أكيد على المجموعة، ولكنه يتجنب إصدار الأوامر. كان والده عضواً في حزب الإخوان المسلمين، وكان ذلك مُعاقباً عليه بالإعدام أثناء حكم حافظ الأسد، وما زال ذلك مستمراً تحت حكم ابنه بشار. لقد  اضطر للهروب من سورية مع والديه عندما كان عمره ست سنوات. ثم عاد إلى بلده عام 2006، وحُكِم عليه بالسجن المؤبد لأنه رفض الانضمام إلى النظام. خرج من سجن الزبداني بموجب قانون عفو عام 2010، ثم انضم إلى التمرد بعد سنة. لم يعد يُشارك في القتال لأنه جُرح في ظهره بسبب قنبلة. إنه أكثر اهتماماً بالسياسة من الآخرين، قال (أبو عبد الرحمن): "نحن نتقدم بسرعة السلحفاة، لأننا لا نملك الأسلحة ولا الذخيرة الكافية. نحن نشتري السلاح بأموالنا لأنه لا أحد يريد مساعدتنا. هل تعرفون أن القنبلة سعرها دولارين. إن ما ينقصنا بشكل أساسي هو راجمة قذائف، وقذائف خاصة لتدمير الدبابات الروسية T72 وT82".
     من المفترض أن تستعيد القوات النظامية السيطرة بسهولة على حي صلاح الدين، لأنها تواجه تمرداً ضعيف التسليح. كما أنها تتمركز بالقرب من الملعب الكبير الذي تُقلع منه الطائرات المروحية، وبالقرب من القلعة التي تُطل على حي المدينة القديمة الإستراتيجي. ولكن جيش بشار يعاني من ضعف كبير أيضاً، فقد اعتبر المحللون أن دباباته تصبح هدفاً سهلاً في الشوارع الصغيرة والضيقة، ويجب على الجيش استخدام سلاح المشاة في هذا الحي، ولكن هذا هو ما ينقصه. لهذه الأسباب، يبدو أنه لا يمكن لأي معسكر أن يحقق الانتصار على الآخر.
     عند سماع صوت محرك إحدى المدرعات يقترب من نقطة التقاطع بين الجانبين، قام أحد المقاتلين بإطلاق قنبلة يدوية بشكل عشوائي باتجاه هذا الصوت، وقال: "هذا من أجل إخافته. إن الانفجار سيجعله يعتقد بأنه إذا اقترب، فإن لدينا راجمة قذائف ستُطلق النار عليه". وأضاف (أبو عبد الرحمن) قائلاً: "إن أعدائنا لا يتمتعون بالإيمان. إنهم يهربون كلما استطاعوا ذلك".