الصفحات

الخميس، 27 كانون الأول، 2012

(الطاغية بشار الأسد)


مجلة اللوموند الأسبوعية 22/11/2012  بقلم كريستوف عياد Christophe Ayad

     هل سيسقط أم لن يسقط؟ كان الجواب على هذا السؤال غامضاً قبل حوالي العام. ولكن سقوط الدكتاتور يبدو أنه أصبح قريباً. إنه شخصية عام 2012، على الأقل إذا أخذنا بعين الاعتبار معايير الصلافة والوحشية. سنتذكره لفترة طويلة حتى ولو لم يصمد في عام 2013. سنتذكره على الأقل حتى يتم تجاوز هذا الرقم المستحيل: أكثر من أربعين ألف قتيل خلال ثمانية عشر شهراً من التمرد، ولن ينتهي ذلك قريباً. كنّا نتساءل قبل حوالي العام فيما إذا كان قادراً على تكرار ما فعله والده حافظ الذي قتل ما بين عشرة وعشرين ألف نسمة عام 1982 في حماة التي تجرأت على التمرد. لقد قام بشار، طبيب العيون ذو الرقبة الطويلة واللثغة البسيطة، بما هو أفضل، دون أن ينجح في إطفاء الحريق الذي وصل إلى جبل قاسيون وقصره المبني عليه. إن الرئيس السوري ليس فقط الأكثر دموية في بداية القرن الواحد والعشرين، بل اخترع أيضاً نمطاً غير مسبوق للدكتاتورية. من النادر أن نشاهد مثل هذا التجرّد والإنكار في الوحشية. لم يتخل بشار الأسد إطلاقاً عن هدوئه المُتصنّع قليلاً مثل هدوء الطالب الأول في صفه، على الرغم من تباعد مرات ظهوره العلنية والتلفزيونية النادرة أصلاً. ما زال مستمراً في الحديث عن بلده، كما لو أنه يتحدث عن منطقة نائية بعيدة. ويتحدث عن ممارسة السلطة كما لو أنها موضوع إنشاء. كما لو أنه غير معني بالأمر، كما لو أنه شخص آخر.
     لم يكن مهيئاً للسلطة. كان من المفترض أن يكون الوريث شقيقه الأكبر باسل الذي قُتل في حادث على طريق المطار عام 1994، لقد كان لدى باسل ميل فطري للسلطة. تم استدعاء بشار من لندن عندما كان يتابع تخصصه الطبي، وأطاع بشار أمر والده. كان يتمزق باستمرار بين الرغبة بأن يكون محبوباً لشخصيته التي يتخيلها وبين الخوف من اعتباره ضعيفاً. كان يقول دوماً أشياء متناقضة. عندما وصل إلى الرئاسة في حزيران 2000، أطلق نداء من أجل الانفتاح والتحديث. أخذ "ربيع دمشق" منحى مُقلقاً، وهدد مستشارو والده بالعودة إلى السلطة بذريعة عدم خبرته. تخلى عن الانفتاح وبقي التحديث. قام بتعميم الأنترنت والهاتف الجوال، وهاتان الوسيلتان ستكونان الضربة القاضية. لقد اغتنى ابن خالته وأقربائه بشكل فاحش، واحتكروا هذه النافذة الصغيرة إلى الحرية التي يتلهف لها السوريون.
     بمقدار ما كان ينجح في التخلص من الحرس القديم الموروث من والده، بمقدار ما كانت العائلة تستمر في ممارسة وصاية لا تُحتمل. وبقي بشار الأسد رهينة عصابة عائلية وطائفية، على الرغم من وصول زوجته الجميلة أسماء الأخرس التي تتحدر من عائلة حمصية كبيرة. لقد أدرك منذ بداية الأزمة في آذار 2011 أنه إذا تفككت العائلة، فإن سلطته ستنتهي. ولهذا السبب قام بالتغطية على تجاوزات ابن خالته عاطف نجيب في درعا، وسلّم مقاليد السلطة في الجيش إلى شقيقه ماهر. لم ينجح بشار في بداية عام 2012 بإخماد الاحتجاج الذي أخذ طابعاً مسلحاً أكثر فأكثر، ولكنه يأمل بتحقيق النصر النهائي. إن روسيا والصين تحميانه في الأمم المتحدة من أي تدخل خارجي، واستخدمتا حق النقض ثلاث مرات. كما لم تدّخر إيران جهداً في مساعدته بالنفط والسلاح والمستشارين. أرسلت الجامعة العربية بعثة لا أمل منها لمراقبة وقف إطلاق النار الذي لم يتحقق إلا على الورق. إن المعارضة متواجدة في كل مكان، وضعيفة التجهيز، ومشتتة ويتآكلها التنافس. لقد اختار تسريع الأمور في شهر شباط من خلال سحق رمز الاحتجاج المسلح في حي باب عمرو بحمص، وتنظيم انتخابات وإصلاح دستوري صوري.
     ولكن لا شيء يوقف التمرد، إنه في كل مكان، ووصل حتى إلى قصره. تتزايد الانشقاقات المدنية والعسكرية. ظهرت مراسلات الرئيس إلى العلن. يبدو أنه محاط بمستشارتين شابتين لا تتمتعان بالكفاءة وتتنافسان بالدلال، هما: شهرزاد الجعفري وهديل العلي. خلال هذا الوقت،  كانت زوجته التي تسميه بـ "البطة"، تستمر بشراء الأثاث والديكورات الفاخرة من الخارج على الرغم من العقوبات التجارية ضد البلد والعائلة الحاكمة. خلال هذا الوقت، تزايدت عمليات التفجير التي لا أحد يعرف من هو المسؤول عنها في سورية. بتاريخ 18 تموز 2012، أصابت هذه العمليات جزءاً من الجهاز الأمني، وقتلت صهره آصف شوكت. ثم غادرت أخته إلى الإمارات العربية المتحدة. لقد انتقل الخوف إلى الجانب الآخر.
     انتهى وقت الضحك. في بداية الصيف، لم يكن النظام الذي يعيش في وهم انتصاراته الزائفة (لم ينجح في استعادة السيطرة على مدينة حماة)، يرى وصول التمرد المسلح إلى المدن الكبيرة في دمشق وحلب ودير الزور. بدأ المتمردون، الذين يستولون على الأسلحة الخفيفة من الجيش أو يحصلون عليها من الدول الداعمة لهم (تركيا وقطر والسعودية)، بشن حرب عصابات داخل المدن، مما أدى إلى زعزعة السلطة. إنها الحرب الشاملة هذه المرة، بدون قفازات ولا خطط إعلامية. تمت استعادة السيطرة على أحياء دمشق لفترة مؤقتة، وبدأ النظام مجازره وأعمال الترهيب على نطاق واسع. ولكن الجيش لم يعد يملك الإمكانيات لاستعادة السيطرة على حلب، العاصمة الاقتصادية للبلد. لقد تحررت الأرياف في شمال سورية، وقلب المتمردون موازين القوى على الرغم من ضعف عتادهم، ولكنهم أكثر عدداً، وازدادت قوتهم مع وصول الجهاديين. إن المتمردين هم الذين يحاصرون النظام حالياً، ولم يبق أمام النظام إلا الطائرات للمحافظة على تفوقه. حتى روسيا، لم تعد تعتقد بانتصار تلميذها. هل سيموت بشار الأسد في بلده، أم سيهرب؟ هذا هو السؤال الوحيد المطروح عليه حالياً.