الصفحات

الاثنين، ٢١ تشرين الأول ٢٠١٣

(المفوضية العليا للاجئين تطلب من الدول الأوروبية زيادة مساعدتها)

صحيفة اللوموند 19 تشرين الأول 2013 بقلم شارلوت بوزونيه Charlotte Bozonnet

     حذر رئيس المفوضية العليا للاجئين أنطونيو غيتريس Antonio Guterres أثناء زيارته إلى باريس يوم الأربعاء 16 تشرين الأول قائلاً: "نحن نواجه أزمة إنسانية هي الأكثر مأساوية في العالم منذ عشرين عاماً". إلتقى رئيس المفوضية العليا للاجئين مع الرئيس الفرنسي، ودعا المجتمع الدولي ولاسيما الاتحاد الاوروبي في حديث مع صحيفة اللوموند إلى زيادة مساعداته إلى ضحايا الحرب في سورية.
     وصل عدد اللاجئين السوريين إلى 2.2 مليون لاجىء تقريباً بعد عامين ونصف من بداية التمرد ضد نظام بشار الأسد، إن ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال. أشارت المفوضية العليا للاجئين إلى أن الدول المجاورة أو القريبة من سورية تتحمل 97 % من عبء هؤلاء اللاجئين. يبلغ عدد اللاجئين السوريين نصف مليون لاجىء في تركيا و550.000 لاجىء في الأردن و125.000 لاجىء في مصر و200.000 لاجىء في العراق، ويتحمل لبنان العبء الأكبر مع 800.000 لاجىء. أشارت المفوضية العليا للاجئين إلى أن هذه الأرقام لا تشمل مئات آلاف السوريين غير المسجلين أو أولئك الذين كانوا يعيشون في هذه الدول قبل النزاع. أشار أنطونيو غيتريس إلى تزايد العنف في العراق والمواجهات في لبنان قائلاً: "أثرت الأزمة بشكل كبير على الاقتصاد والمجتمع والأمن في هذه الدول".
     أشارت دراسة صادرة عن المصرف الدولي في شهر أيلول إلى أن كلفة الأزمة السورية في هذا البلد ستبلغ حوالي 7.5 مليار دولار مع نهاية عام 2014، وأكدت الدراسة أن "الدول المجاورة والقريبة من سورية تواجه ضغوطاً أكبر بكثير من مواردها وقدراتها. هناك خطر حقيقي بانفجار هذه المنطقة الهامة بالنسبة للسلام والأمن العالمي في حال عدم توفر تضامن دولي واسع". فيما يتعلق بالدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، اعترف رئيس المفوضية العليا للاجئين بالمساهمة الهامة للاتحاد الأوروبي في العمل الإنساني على الأرض، وأشار إلى تسجيل 46000 لاجىء سوري في أوروبا منذ بداية النزاع عام 2011. يبقى هذا الرقم ضئيلاً بالمقارنة  مع تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة لسورية.
     دعت المفوضية العليا للاجئين الدول الأوروبية إلى استقبال عشرة آلاف لاجىء سوري إضافي عام 2013 وثلاثين ألفاً عام 2014. أشارت وزارة الخارجية الفرنسية إلى أن فرنسا استقبلت ثلاثة آلاف سوري منذ بداية النزاع، وتعهدت باستقبال خمسائة لاجىء آخر خلال الأشهر القادمة. أعلنت النمسا الأمر نفسه، ومنحت ألمانيا خمسة آلاف مكان للاجئين. في الوقت الحالي، إنها الدول الأوروبية الوحيدة التي أعلنت بدقة عن مساهماتها تلبية لنداء الأمم المتحدة.


الجمعة، ١١ تشرين الأول ٢٠١٣

ملاحظة

تتوقف المدونة عن العمل اعتباراً من يوم السبت 12 تشرين الأول ولغاية يوم الأحد 20 تشرين الأول 2013 ضمناً، وكل عام وأنتم بخير.

(حق الكلام للسوريين بدون اسم)

صحيفة الليبراسيون 11 تشرين الأول 2013 بقلم تجمع للسينمائيين السوريين باسم أبو نظارة (Abounaddara)

     عبّر بشار الأسد عن رأيه مطولاً خلال شهر أيلول في سبعة من كبرى وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية والآسيوية. لقد قدّم نفسه فارساً للحضارة في وجه المتمردين السوريين الذين وصفهم بالجهاديين أو العدميين، ووصفهم تارة بمحمد المراح الذي قتل الأبرياء باسم تنظيم القاعدة، وتارة أخرى بمرتكبي أعمال التمرد العرقي في لوس أنجلوس عام 1992. باختصار، استطاع الحديث بحرية إلى الرجال الشرفاء الذين طلب دعمهم متسائلاً: "هل تستطيعون دعم التطرف والإرهاب؟".
     نحن لا نريد معرفة لماذا تقوم وسائل الإعلام الدولية بنشر الإستراتيجية الإعلامية لمجرم حرب مُفترض بعد أن استخدم مؤخراً الغاز ضد مئات المدنيين السوريين أمام العالم. نحن نريد المطالبة بحق الجواب الذي يضمن للمجتمع السوري إمكانية الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات الموجهة إليه بالتطرف أو الإرهاب. ولكن حق جواب المجتمع السوري لا يمكن أن يقتصر على إعطاء الكلام إلى أحد ممثليه المفترضين، نظراً لأن هؤلاء الممثلين لا يمكنهم الإدعاء بحصولهم على أصوات الناخبين السوريين. يجب السماح برؤية هذا المجتمع بشكل لا يستطيع فيه الرجال الشرفاء أن يخلطوا بين هذا المجتمع وأصحاب اللحى الذين يزعقون أو يرتكبون الفظاعات باسمه.
     ولكن لا يجب أن يقال لنا أن مثل هذا الحق بالجواب من المستحيل تنفيذه! لأن وسائل الإعلام الأوروبية تعرف كيف تجد الحلول المناسبة لإعطاء الكلام إلى المجتمعات الواقعة رهينة مجرم حرب بثياب رئيس. لقد برهنت على ذلك خلال حصار سيراجيفو عندما قامت عدة محطات أوروبية بانتاج أفلام قصيرة تحكي الحياة اليومية للمدينة باسم "دقيقة من أجل سيراجيفو". كان المقصود في ذلك الوقت التخلص من اللامبالاة الناجمة عن روتين الأحداث الراهنة من خلال دعوة المشاهد إلى المشاركة ببعض لحظات الحياة اليومية لأشخاص يشبهونه ولكنهم محاصرون. بهذه الطريقة، استطاع المشاهد الفرنسي والبريطاني والألماني خلال أشهر طويلة اكتشاف مجتمع يشبه مجتمعه، ولكنه محاصر بجنود يشبهون أولئك الذين عرفهم في أحلك لحظات تاريخه. لم يكن هناك أية نظرة بائسة في هذا المسعى، بل انخراطاً من أجل أن تكون الخدمة العامة للمعلومات على مستوى الرهانات.
     لماذا لا نتصور إجراءاً مشابهاً في سورية التي يوجد فيها صحفيون وسينمائيون قادرون على التعاون مع وسائل الإعلام الأوروبية وإظهار مجتمعهم ضمن نظرة إنسانية مشتركة؟ لماذا لا نغتنم هذه الفرصة لكي نجسد أخيراً المشروع الأورو ـ متوسطي الذي يحدثوننا عنه منذ عدة سنوات. هذا المشروع الذي اقترحه رئيس فرنسي في الماضي على بشار الأسد وحسني مبارك ومعمر القذافي؟

     باعتبارنا سينمائيون سوريون، قمنا بواجبنا في العمل عبر إخراج فيلم وثائقي قصير جداً أسبوعياً منذ شهر نيسان 2011. عملنا في ظروف طارئة وبدون مساعدة من أي طرف، وقمنا بإخراج عشرات الأفلام ونشرها على الأنترنت. حصلت هذه الأفلام على اعتراف المهرجانات السينمائية الدولية. إذاً، لماذا لا يحق للمشاهدين في العالم أن يشاهدوا السوريين بدون اسم الذين نصورهم، بدلاً من بشار الأسد وأصحاب اللحى الذين تتهافت عليهم وسائل الإعلام؟ مهما كان الأمر، يستحق المجتمع السوري صورة أخرى في وسائل الإعلام. لأن التمثيل الحالي له لا يتطابق  مع الواقع الاجتماعي والسكاني الذي درسه الباحثون قبل الثورة. إن  الصورة الحالية تتطابق مع القصص التي يرويها بشار الأسد، هذه الصورة التي تقول أنه لا يوجد في سورية إلا الجهاديين والعصابات المسلحة التي تتحدى سلطة الدولة. إذا لم تعالج وسائل الإعلام فوراً هذا الظلم عبر إعطاء صورة أفضل للمجتمع السوري الذي يكافح باسم القيم الديموقراطية العالمية، فإنها ستجعل نفسها شريكة مع بشار الأسد وأصحاب اللحى الذين خلقهم على صورته من أجل القضاء على مجتمعنا.

(إيران تريد "تخفيف المخاوف الغربية")

صحيفة اللوموند 10 تشرين الأول 2013 ـ مقابلة مع رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني ـ أجرى المقابلة في جنيف سيرج ميشيل Serges Michel

     علي لاريجاني (55 عاماً) هو رئيس البرلمان الإيراني منذ عام 2008، إنه من أولئك الذين يطلق عليهم "المحافظون الواقعيون" المقربون من المرشد  الأعلى علي خامنئي. يتحدر من عائلة هامة، ويُطلق عليها أحياناً "عائلة كينيدي الإيرانية". يقوم شقيقه صادق بإدارة الجهاز القضائي. كان علي لاريجاني بين عامي 2005 و2007 على الخط الأول في المفاوضات حول الملف النووي. إلتقت به صحيفة اللوموند أثناء زيارته إلى جنيف للمشاركة في اجتماع الجمعية البرلمانية يومي الثلاثاء والأربعاء 8 و9 تشرين الأول، وانتقد في هذه الاجتماعات الولايات المتحدة التي "تواصل تكرار القول بأن الخيار العسكري مطروح على الطاولة، حتى ولو كانت لا تملك الشجاعة على غزو إيران".
سؤال: كيف تنظرون إلى المفاوضات حول الملف النووي الإيراني التي ستستأنف في جنيف بتاريخ 15 تشرين الأول؟
علي لاريجاني: بشكل إيجابي جداً. نحن نعتقد أن هذه الأسئلة يمكن حلها، بشرط أن يكون سلوك مختلف الأطراف سليماً. على سبيل المثال، عدم القول إلى الصحافة أشياء مختلفة عما تمت مناقشته. عندما كنت أقوم بالمفاوضات النووية، سمعت غالباً مايلي: نحن متفقون، أنتم لا تبحثون عن السلاح النووي، ولكن إذا امتلكتم التكنولوجيا النووية المدنية، فإن ذلك سيغير التوازن في المنطقة. إذا كان الغرب يشعر بالقلق فعلاً، نحن نستطيع تهدئة هذا القلق، وهذا ليس أمراً معقداً.
سؤال: هل تفكرون بمفاوضات تقنية جداً، موقع بعد الآخر، أو بنقاش أوسع؟
علي لاريجاني: هناك القليل من المواقع. تملك الوكالة الدولية للطاقة الذرية قائمة بالمواقع النووية، وتخضع هذه المواقع للمراقبة، وليس هناك شيء لإخفائه. ربما يجب النظر إلى الأمور من زاوية أخرى هي انعدام الأمن في العالم، ولاسيما التطرف والإرهاب. انتشرت هذه الظاهرة في أفغانستان وسورية واليمن والكثير من الدول الأخرى. في عام 2001، هاجم الأمريكيون أفغانستان للقضاء على الإرهاب ومكافحة المخدرات. انظروا إلى الوضع الآن بعد مضي 11 عاماً: نجح الإرهابيون الطالبان الذين يسيطرون على 14 محافظة. فيما يتعلق بالمخدرات، كان حجم انتاجها عام 2001 يبلغ 200 كغ من الأفيون (Opium)، ووصل حجمه اليوم إلى ثمانية ألاف طن! كيف تصل برأيكم هذه المخدرات إلى أوروبا؟ يصل جزء منها عن طريق البر، ولكن الجزء الأكبر منها يصل عبر الجو انطلاقاً من مطارات باغرام وكابول وقندهار التي يُسيطر عليها الحلف الأطلسي.
سؤال: إذاً، أنتم ترغبون بطرح كل شيء على الطاولة؟
علي لاريجاني: المفاوضات في جنيف هي مفاوضات نووية، ولكن من المنطقي أن تكون هناك نظرة أكثر اتساعاً. أنا لا أقول بإمكانية حل كل شيء، ولكن المناخ تغير. أولاً، إن المفاوضين الإيرانيين الذين سيكونون هناك يتمتعون بخبرة كبيرة، ويعرف الرئيس روحاني شخصياً هذه المسألة بشكل جيد جداً. من جهة أخرى، لاحظ الغربيون أنه لا يمكن حل المسألة عبر استخدام القوة.
سؤال: فيما يتعلق بفريق الرئيس السابق أحمدي نجاد، هل كان يريد حل المشكلة؟
علي لاريجاني: نعم، ولكن تكتيكهم بالتفاوض ربما كان مختلفاً. انظروا إلى العقوبات التي تم فرضها. ولكن الحياة مستمرة، ونحن نواصل برنامجنا النووي السلمي.
سؤال: ما هو الأمر الذي أنتم مستعدون لتقديمه من أجل أن يكون التقدم ممكناً؟
علي لاريجاني: الأمر الأكثر أهمية هو بناء الثقة. يجب أن يكون لدينا ثقة في مواقفهم، ويجب أن يكونوا متأكدين من أننا لسنا في طور انتاج السلاح النووي.
سؤال: هل أنتم مستعدون لعمليات تفتيش أكثر تدخلاً من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
علي لاريجاني: إنهم يقومون حالياً بعمليات تفتيش. الأمر المهم هو ألا تخضع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للضغوط من قبل الأمريكيين. عندما كنت أتحدث مع الدكتور البرادعي في ذلك الوقت، كان يقول لي: "إذا قمتم بتسوية مشكلتكم مع الأمريكيين، ستتم تسوية كل شيء"، وأجبته قائلاً: "ولكن ما هي الفائدة من هذه الوكالة في هذه الحالة؟". تم استخدام الوكالة كوسيلة لغايات أخرى.
سؤال: لو كنتم في السيارة بنيويورك بتاريخ 27 أيلول بدلاً من الرئيس روحاني، هل ستردون على الاتصال الهاتفي من باراك أوباما؟
علي لاريجاني: العالم السياسي له منطقه الخاص، إنه ليس عالماً رومانسياً، وليس عالم للفن. لسنا بحاجة إلى رقصة دبلوماسية، نحن بحاجة إلى إلى دبلوماسية منطقية وعقلانية: ما هي المشكلة وكيف يمكن حلها؟ إذا تصافح الطرفان عشر مرات بدون حل المشكلة، فإن ذلك لا فائدة منه. إذا كان يجب أن يكون هناك مباراة، فلا يجب أن تكون حول مسألة المصافحة، بل حول احترام قواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لا يجب أن تكون واجهة لإخفاء النزعة الحربية لبعض الدول العظمى.
سؤال: من أجل إستعادة الثقة، هل من المحبذ أن يجد بعض رجال السياسية الإيرانيين تحت الإقامة الجبرية مثل المير حسين موسوي أو مهدي خروبي القليل من الحرية؟
علي لاريجاني: هذا لا علاقة له بالمفاوضات النووية. ولكن لا يوجد في إيران إصرار على وضع الناس في السجن. حصلت بعض التصرفات السيئة بعد انتخابات عام 2009، وأعتقد أننا نتجه نحو التهدئة.
سؤال: يملك الرئيس السابق محمد خاتمي مؤسسة ثقافية في جنيف، ولكن لا يحق له مغادرة إيران...
علي لاريجاني: أعتقد أن الإدارة السابقة ـ إدارة محمود أحمدي نجاد ـ لديها بعض العادات السيئة. ولكن يمكن تسوية ذلك بسهولة.
سؤال: هل تشعرون أن إيران عادت إلى الحركة بعد فترة صعبة؟
علي لاريجاني: نحن نتجه نحو النضوج. هناك هذا النوع من الرهانات في النظام الديموقراطي. يستطيع عدة أشخاص الفوز بالانتخابات. عندما أنظر إلى البرلمان، أرى أنه أكثر قوة من السابق. إن المستوى التعليمي أكثر ارتفاعاً. هناك مئة نائب يحملون شهادة الدكتوراه، ومئة آخرون يحملون الشهادة الجامعية (متريز) وثمانون آخرون يحملون دبلوماً جامعياً. نحن قريبون من النضوج.
سؤال: هل ما زالت وجهات نظر الرئيس روحاني والمرشد الأعلى خامنئي متقاربة؟
علي لاريجاني: حول المسائل الهامة مثل أنه يجب أن تمتلك إيران التكنولوجيا النووية المدنية والسلمية، هناك تقارب ليس فقط بين المرشد الأعلى والرئيس، بل أيضاً مع جميع السلطات في البلد. تختلف وجهات النظر حول الطريقة الواجب اتباعها. هناك تقارب أيضاً فيما يتعلق بتحرير الاقتصاد وضرورة المنافسة في السوق.
سؤال: إذا كنتم تفكرون باقتصاد السوق، ألا يمثل الوزن الاقتصادي لحرس الثورة مشكلة؟
علي لاريجاني: هناك مبالغة بعض الشيء حول هذا الموضوع. إن حرس الثورة مؤهل لحفر الأنفاق أو بناء أنابيب النفط. ولكن هناك الصناعات البتروكيميائية وصناعة الصلب والحديد وبقية القطاعات التي لا علاقة لها بحرس الثورة. نحن نحرص على ألا يهددوا المنافسة.
سؤال: إن حجمهم هام أيضاً من وجهة النظر السياسية...
علي لاريجاني: لا أعتقد بأنهم يتدخلون. إنهم يكتفون بإعطاء النصائح.
سؤال: انتقد قائد حرس الثورة المكالمة الهاتفية بين روحاني وأوباما قبل أن يُعبر المرشد الأعلى عن رأيه حول هذا الموضوع.
علي لاريجاني: كانت نظرة تتصف بالإرادة الحسنة على أعمال الرئيس. ربما يكون ذلك وجهة نظرنا الشرقية. عندما يتدخل الأب عندنا في شؤون ابنه، فإن هذا لا يعني أنه يحتقره، إنها بادرة من أجل مصلحة الطفل.




الخميس، ١٠ تشرين الأول ٢٠١٣

(تركيبة التمرد السوري)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 10 تشرين الأول 2013 بقلم كريستوف بولتانسكي Christophe Boltanski

     يشعر الدبلوماسيون والعناصر الأمنية الفرنسية المكلفون بالملف السوري باليأس منذ عدة أشهر. تتمثل إحدى مهماتهم بإحصاء مختلف المجموعات المتمردة وتصنيفها حسب إتجاهاتها السياسية ومعرفة حجمها الحقيقي والتمييز بين المعتدلين والعلمانيين الذين من المناسب مساعدتهم وبين المتطرفين المتدينين. اعترف أحدهم قائلاً: "إن إعداد خارطة لهم أمر معقد جداً". لإظهار صعوبة مهمته، روى هذا الرجل الحادثة التالية: تفاجأ خلال إحدى زياراته الأخيرة إلى سورية باكتشاف رزمة من الدولارات على طاولة رئيس المتمردين الذي قال له: "طلب مني السعوديون عدم الذهاب لرؤية القطريين". هناك معلومة هامة: تدعم قطر الإخوان المسلمين الذين يمثلون العدو اللدود للملكة الوهابية التي تدعم السلفيين والقوميين. ثم أضاف رئيس المتمردين مقهقهاً: "أخذت المال، وأرسلت مساعدي إلى الدوحة". تحصل عصابته المسلحة على التمويل من الدولتين المتنافستين في الخليج.
     هل يكافح المتمردون من أجل دولة ديموقراطية منفتحة على جميع  الطوائف، أم من أجل عودة الخلافة الإسلامية القائمة على الشريعة؟ هل يخضعون لسلطة أم أنهم يفعلون ما يريدون؟ كم هو عدد الجهاديين الأجانب الذين يقاتلون في صفوفهم؟ ما هو النفوذ الذي يتمتع به تنظيم القاعدة على الأرض؟ هناك الكثير من الأسئلة المشابهة لدى الحكومات الغربية والرأي العام الغربي. من الصعب أو حتى من المستحيل معرفة جميع الكتائب التي تدعي الانتماء إلى الثورة ويبلغ عددها ما بين 1500 و2000 كتيبة. تواجه هذه الكتائب انشقاقات وإعادة تجمع مستمرة، ويتغير عددها باستمرار وكذلك الأمر بالنسبة لولاءاتها. وحتى مظاهرها الخارجية يمكن أن تكون خادعة. كتبت الباحثة بسمة قضماني والباحث فيليكس لوغراند Félix Legrand في تقرير صدر في شهر أيلول بعنوان: (تعزيز المقاومة الديموقراطية في سورية): تختار المجموعات الإسلامية أسماء إسلامية أكثر فأكثر، وتتبنى مصطلحات دينية من أجل إرضاء الجهات العربية الغنية التي تمولهم.
     بدأ الجيش السوري الحر بالإزدهار في خريف عام 2011 بعد عدة أشهر من المظاهرات السلمية التي تم قمعها بشكل دامي. إن أول من حمل السلاح هم الجنود والضباط المنشقون والشباب المحتجون الذين يريدون الانتقام من مقتل أحد أقاربهم برصاص النظام. تجمعوا حسب العائلات والقبائل والقرى. إنهم في أغلب الأحيان من سكان القرى المحافظين والسنة كما هو الحال بالنسبة لثمانين بالمئة من السكان. تأسست بعض هذه المجموعات على أساس متعدد الطوائف، وتضم كتائب الوحدة الوطنية في إدلب بعض العلويين. في عام 2012،  قامت العديد من الدول الراعية للجيش السوري الحر وفي مقدمتها الدول الغربية بتأسيس مجلس عسكري أعلى برئاسة جنرال سابق هو سليم إدريس الذي كان يجب عليه الإشراف على الحرب ومراقبة توزيع المال والسلاح.
     انهار هذا الأساس بكامله بعد مضي عام واحد. قال ضابط سابق في الخارج متأسفاً: "تعمل الكتائب داخل الجيش السوري الحر بشكل مستقل عن بعضها البعض. لا توجد قيادة موحدة ولا إستراتيجية". لم ينجح سليم إدريس في فرض نفسه، وهو لا يُدير إلا جزءاً ضئيلاً من التمرد المنقسم أكثر فأكثر، واعترف الناطق  الرسمي باسم الجيش السوري الحر في باريس فهد المصري قائلاً: "إنه لا يسيطر على أكثر من 5 %". تم تهميش المعسكر العلماني في المناطق المحررة، وهيمن الإسلاميون بمختلف انتماءاتهم. أعلن الإسلاميون مؤخراً عن قطع علاقاتهم مع الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة التي تمثل المعارضة في الخارج. والأمر الأكثر خطورة هو أن الجهاديين التابعين لتنظيم القاعدة يتقدمون على الأرض باستمرار. تأسست جبهة النصرة من قبل بعض المعتقلين السابقين الذين أفرج عنهم بشار الأسد عمداً، ثم نشرت نفوذها إلى المناطق الحدودية مع تركيا والحقول النفطية في دير الزور التي تستثمرها بالتعاون مع النظام أحياناً. ثم أزاحتها مجموعة أخرى أكثر راديكالية منذ فصل الربيع هي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي تضم المنشقين والمقاتلين العراقيين. حذر فهد المصري قائلاً: "إن ثورتنا مهددة بخطر الغرق بالفوضى".
     إن خطأ الغرب هو عدم تقديم المساعدات الموعودة إلى حلفائه إلا بالقطارة. قال أحد الخبراء الفرنسيين غاضباً: "قمنا بتعميد سليم إدريس، ولكن لم نقم بأي شيء آخر بعد ذلك. إن دعمنا هو ذر للرماد في العيون! نعطي بعض الأشياء، ثم نشاهد". قال الباحث السياسي في جامعة باريس الأولى جيل دورونسورو Gilles Dorronsoro الذي أجرى تحقيقاً في منطقة حلب مؤخراً (أعده بالتعاون مع أرتور كيسني Arthur Quesnay وآدام بازكو Adam Baczko لصالح مؤسسة كارنيجي): "إن بروز أو انحطاط أية مجموعة إسلامية أو علمانية يتعلق بالدعم الخارجي الذي تحصل عليه. حالما تحصل بعض المجموعات المتطرفة على دعم أكثر من غيرها، فإنها تقوم بتجنيد عدد أكبر من الرجال". من جهته، بذل الدكتاتور السوري كل ما بوسعه لزيادة راديكالية النزاع "لكي يكون الخيار في اللحظة المناسبة بينه وبين تنظيم القاعدة" كما يقول جيل دورونسورو. تستهدف قواته المعتدلين وتتساهل مع الجهاديين، ولاسيما في الرقة التي أصبحت معقل الجهاديين. قال أحد الضباط المنشقين: "كأنها جاءت بالصدفة: إنها آخر مدينة تمردت، وأول مدينة سقطت".
     تعمل السلطة أيضاً بنجاح على الإيقاع بين الطوائف. إن المجزرة التي ارتكبها الشبيحة ضد مئات السنة في بانياس ـ يتحدث البعض عن 1500 قتيل ـ ، أو قصف الغوطة بغاز الساران بتاريخ 21 آب، يدفع بالمتطرفين في الجهة الأخرى إلى إرتكاب أعمال انتقامية تقوم الدعاية الرسمية باستغلالها والترويج لها. عندما عادت الانتقادات تتسع ضد بشار الأسد داخل الطائفة العلوية في بداية شهر آب، قام الجيش النظامي فجأة بإزالة حواجزه في شمال اللاذقية وسمح للمتمردين بالاستيلاء على 11 قرية علوية. ربما تعرض 300 شخص من سكانها للقتل، وهم من الرجال وليسوا نساء أو أطفالاً كما تدعي دمشق. قالت إحدى الشخصيات في الخارج، وهي كانت تنتمي إلى الدائرة الأولى في النظام: "وقع سليم إدريس بالفخ عندما ذهب إلى هناك للإشادة بهذا الانتصار. استطاع بشار بهذه الطريقة توجيه تحذير إلى طائفته وبقية العالم بأن الجيش السوري الحر يشن حرباً طائفية".
     ولكن تنظيم القاعدة لا يُسيطر على التمرد. أشار تشارلز ليستر Charles Lister الذي أعد تحقيقاً لصالح المعهد البريطاني IHS Jane’s، الذي يُستشهد به غالباً لتأكيد انحراف التمرد السوري نحو التطرف، إلى أن عدد عناصر جبهة النصرة والدولة الإسلامية معاً "يتراوح بين سبعة آلاف وعشرة آلاف رجل". أي أقل من 10 % من اجمالي عدد المتمردين. إذا أضفنا إلى هاتين المجموعتين شريحة واسعة من الكتائب السلفية مثل لواء الإسلام، فسوف يصل عددهم إلى الثلث أو حتى 40 % من عدد المتمردين. ولكن العديد من هذه المجموعات مثل أحرار الشام أو صقور الشام ما زالت تتعاون مع الجيش السوري الحر وسليم إدريس. أكد أحد الدبلوماسيين قائلاً: "إن الصورة ليس لها قيمة كبيرة. إنها عملية ديناميكية. يذهب المقاتلون إلى الأكثر عطاء وإلى الذين لديهم السلاح والمال. تجدون داخل الجهة نفسها بعض الراديكاليين والمعتدلين. يتأرجح موقف كل شخص حسب الأمكنة والزعماء".

     هناك نقطة هامة أخرى: لم تغرق المناطق التي يُسيطر عليها التمرد في الفوضى على الرغم من التصرفات السيئة لبعض العصابات المجرمة، وأكد جيل دورونسورو قائلاً: "يقوم الناس بتنظيم أنفسهم، وتعمل البلدية في حلب بشكل جيد، نحن أيضاً في مرحلة إعادة الأمور إلى طبيعتها". يُشاركه في هذا الرأي الأستاذ في معهد العلوم السياسية جان بيير فيليو Jean-Pierre Filiu الذي أقام بدوره في شمال سورية خلال شهر تموز، وعاد منها بكتاب سيصدر قريباً عن دار نشر Denoël بعنوان: (أكتب لكم من حلب). يقول جان بيير فيليو: "وصل الجهاديون إلى ذروتهم خلال فصل الربيع. إنهم يعانون منذ ذلك الوقت بسبب القذائف التي أطلقوها على السكان. تفاجأت في حلب من شدة الرفض الذي يواجهه الجهاديون".

(باريس في مواجهة تحدي خطف الرهائن)

صحيفة الليبراسيون 10 تشرين الأول 2013 بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     قررت عائلتا الصحفيين الفرنسيين المختطفين في سورية والحكومة الفرنسية التوقف عن الصمت والإعلان عن خطف صحفيين اثنين آخرين بعد أكثر من مئة يوم من الانتظار وعدم التوصل إلى حل سريع. إنهما الصحفي نيكولا هينان Nicolas Hénin (37 عاماً) والمصور بيير توريز Pierre Torrès (29 عاماً)، لقد اختفيا بتاريخ 22 حزيران في الرقة، ولكن أقاربهما أكد في بيان لهم أنه لم يتم تبني اختطافهما حتى الآن.
     أصبح عدد الصحفيين الفرنسيين المختطفين في سورية أربعة صحفيين، فقد تعرض للاختطاف قبلهما الصحفي ديدييه فرانسوا Didier François من إذاعة أوروبا الأولى والمصور المستقل إدوار إلياس Edouard Elias بتاريخ 6 حزيران بالقرب من الحدود التركية. تشير تقديرات صحيفة الليبراسيون إلى وجود ما بين 20 و25 رهينة غربية في سورية، وهناك بعض عمليات الخطف التي لم يتم الإعلان عنها.
     إن أغلب الرهائن الغربيين هم من الصحفيين، ولكن يوجد بينهم أيضاً العديد من العاملين في المجال الإنساني ورجل الدين اليسوعي الإيطالي باولو دالوغليو الذي اختفى في منطقة الرقة في نهاية شهر تموز. بالإضافة إلى الصحفيين الفرنسيين الأربعة، هناك أربعة إيطاليين وثلاثة إسبانيين والعديد من الأمريكيين، مثل أوستن تايس Austin Tice وجيمس فولي James Foly اللذين اختفيا في شهر آب وتشرين الثاني 2012 على التوالي، وعدد مجهول من البريطانيين وعدة ألمان ومصور بولوني. من بين هؤلاء الصحفيين، هناك صحفيون جدد ومراسلو حرب متمرسون مثل ديدييه فرانسوا، وبعض الخبراء بالعالم العربي مثل نيكولا هينان الذي زار سورية خمس مرات منذ بداية النزاع عام 2011.
     قال أقارب الصحفيين الفرنسيين: "نحن نعرف فقط أن نيكولا وبيير على قيد الحياة" بناء على المعلومات التي حصلوا عليها من السلطات الفرنسية، وأضافوا قائلين: "لا يوجد شيء يدل على مكان وجودهما وظروف اعتقالهما. ومن غير المؤكد فيما إذا كانا ما في الرقة حتى الآن". كان من المفترض أن يتوقف صمت العائلات الفرنسية يوم السبت 12 تشرين الأول بمناسبة اللقاء بين المراسلين الحربيين في مدينة Bayeux الفرنسية، ولكن رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك إيرولت كشف عن اختطاف الصحفيين الفرنسيين البارحة 9 تشرين الأول في مقابلة مع إذاعة أوروبا الأولى، ويبدو أنه قام بذلك بشكل سابق لأوانه. تحدث رئيس الحكومة في هذه المقابلة عن "براهين حديثة" تدل على أن ديدييه فرانسوا وإدوار إلياس ما زالا على قيد الحياة.
     نادراً ما يتم تحديد هوية مرتكبي عمليات الخطف بشكل أكيد. ولكن يبدو أن أغلب الرهائن هم بأيدي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ـ الجناح العراقي لتنظيم القاعدة، التي لم تكتف بخطف الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني بل "حصلت" على بعض الرهائن المعتقلين من قبل المجموعات المافيوية. حصلت عملية نقل الرهائن عندما قامت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بإقصاء هذه المجموعات من بعض المناطق في شمال سورية. ولكن بالإضافة إلى العصابات التي تلاحق الأجانب في سورية بدافع السرقة، هناك أيضاً الأجهزة السرية للنظام، ولا يمكن استبعاد أنها تتلاعب ببعض المجموعات الإسلامية الراديكالية، وربما وقع الأمريكي جيمس فولي بأيدي هذه المجموعات. من جهة أخرى، أصبحت عمليات خطف الرهائن مستفحلة. فقد أشار الصحفي الإيطالي دومينيكو كويريكو Domennico Quirico الذي تم الإفراج عنه في شهر أيلول بعد خمسة أشهر من الاعتقال إلى أن خاطفيه كانوا من أعضاء كتيبة الفاروق التي تمثل إحدى الوحدات الرئيسية في الجيش السوري الحر الذي يُعتبر كمؤيد للغرب. وصف الصحفي الإيطالي في صحيفته Stampa شروط اعتقاله بأنها غير إنسانية إطلاقاً، وقارن سورية بـ "بلد الشر".
     في نهاية شهر تموز، ذهب الأب باولو دالوغليو الذي انخرط بحماس من أجل خدمة التمرد إلى الرقة بشكل سري من أجل القيام بوساطة في النزاع المفتوح بين الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام والقوات الكردية السورية. يبدو أنه كان يتمنى أيضاً الحصول على الإفراج عن العديد من الرهائن الغربيين أو السوريين بأيدي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. ليست هناك أية معلومات عنه منذ ذلك التاريخ.




(الأخطاء المستمرة للدبلوماسية الفرنسية)

صحيفة الفيغارو 10 تشرين الأول 2013 بقلم بيير روسلان Pierre Rousselin

     هل ستكون القضية السورية والتقارب المعلن بين الولايات المتحدة وإيران علامة على تراجع الدبلوماسية الفرنسية بعد تراجع الاقتصاد الفرنسي؟ إن الأمرين مرتبطان. أخذت العلاقات الاقتصادية طابعاً متميزاً في العولمة، ولن تتمكن فرنسا من الحفاظ على "مكانتها" في العالم إلا عن طريق إيقاف تراجع تنافسيتها الاقتصادية. أعطت فرنسا نفسها دوماً دوراً أكبر من وزنها الحقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون تكون هناك عقيدة محددة بشكل جيد. ولكن مثل هذه العقيدة لم تعد موجودة الآن.
     كانت الأمور تسير بشكل جيد خلال الحرب الباردة، وكانت نظرة الجنرال ديغول واضحة جداً للمصالح الفرنسية، وبالتالي حدد هدفاً يتمثل بالقيام بدور الحكم بين المعسكرين. تفاجأ فرانسوا ميتران بإنهيار الاتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا وانفجار يوغسلافيا، وذلك كما هو الحال عندما فاجأتنا حركات التمرد العربية. تتصرف فرنسا دوماً كقوة للحفاظ على الوضع القائم بسبب المصاعب الكبيرة في التأقلم مع تغير كان حتمياً.
     كانت فرنسا في مقدمة الذين تبنوا مواقف حازمة في القضية الإيرانية وفي الملف السوري، بسبب مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل في حال امتلاك إيران للسلاح النووي، ولكن أيضاً لأسباب لا تتعلق كثيراً بمصالحنا الوطنية. أراد البعض إزالة الانطباع السلبي لدى الأمريكيين بعد معارضتنا للحرب في العراق. جرّنا هذا التفكير إلى أفغانستان في حرب لا يمكن الانتصار بها، والتي قمنا بها بدون أن نتمكن من السيطرة على مجرياتها وبدون أن نتساءل عن مصلحتنا فيها، باستثناء أن نكون إلى جانب حلفائنا.
     إذا كان اللقاء بين فرانسوا هولاند وحسن روحاني في نيويورك يمثل منعطفاً في معالجة المسألة الإيرانية، فإن النظرة إلى سورية ما زال يحكمها العامل الأخلاقي أكثر من الدبلوماسية الواقعية. إن المبدأ الذي يُعتمد عليه هو مبدأ "مسؤولية حماية" السكان المدنيين، هذا المفهوم الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2005 لتجنب مآسي جديدة كما حصل في رواندا. تم تطبيق هذا الحق في التدخل الإنساني في ليبيا بتفويض من الأمم المتحدة. ولكنه اصطدم فيما يتعلق بسورية بالفيتو الروسي والصيني، وتعتبر موسكو وبكين بحق أن هذا الحق تم استخدامه في ليبيا لتبرير تغيير النظام.
     تريد الدبلوماسية الفرنسية منذ بداية حركات التمرد العربية التعويض عن الدعم الذي قدمته إلى الأنظمة المتسلطة في المنطقة خلال فترة طويلة. بالتأكيد، يجب دعم نشر الديموقراطية. ولكن دون أن يفرض تأنيب الضمير مواعظ "حقوق الإنسان" التي تغلبت على جميع الاعتبارات الأخرى. إن فرانسوا هولاند هو الوحيد الذي يريد حقاً "معاقبة" بشار الأسد بعد المجزرة الكيميائية بتاريخ 21 آب، ولكنه اضطر إلى التراجع عندما استبعد الاتفاق الروسي ـ الأمريكي أي "عقاب" وقام بأمر معاكس تماماً أي: ترقية الزعيم السوري إلى مستوى الشريك المعترف به في عملية إزالة ترسانته الكيميائية.
     هناك حدود لـ "مسؤولية الحماية". إنها عنصر في شرعية الأمم المتحدة، ولكن لا يمكنها الحلول مكانها. إن اللجوء إلى القوة ليس مشروعاً إلا إذا تطابق مع القانون الدولي، وإلا سيتعرض نظام الأمم المتحدة بأكمله للمساءلة، هذا النظام الذي تتمسك به فرنسا بسبب مقعدها كعضو دائم. يريد لوران فابيوس الخروج من هذا التناقض عن طريق اقتراحه في مجلس الأمن بالتخلي عن حق الفيتو في حالة "الجرائم الواسعة النطاق". ليست هناك فرصة لقبول فكرته، وسيكون من الأفضل العودة إلى أسس عقيدة التدخل الفرنسية. إن ذلك سيُجنبنا الضياع والظهور بمظهر الشرطي الذي لا يحظى بالمصداقية على المسرح الدولي.

     في الوقت الذي تخلت فيه واشنطن عن النزعة التدخلية لجورج بوش الابن، وتسعى إلى التخلص من الشرق الأوسط، تتمسك فرنسا بنزعة متطرفة تجاوزها الزمن. إن العودة إلى الدبلوماسية الروسية في الملف السوري، وآفاق المفاوضات الجوهرية مع إيران، يجب أن تكون فرصة لفرنسا من أجل مراجعة مواقفها تحت طائلة خطر تهميشها. إن القيام بدور المحامي عن حقوق الإنسان هو جزء أساسي من العمل الفرنسي. ولكن هذا الأمر الضروري لا يجب أن يدفعنا إلى دعم أية معارضة للأنظمة الدكتاتورية. تفرض الواقعية أن نشر قيمنا لا يجب أن يكون بديلاً عن الدفاع عن مصالحنا الوطنية التي يبدو فجأة أننا نجد صعوبة كبيرة في تحديدها في الشرق الأوسط.