الصفحات

الثلاثاء، 14 نيسان، 2015

(صحيفة اللوموند: "لماذا نحن مع السنة؟")


صحيفة اللوموند 3 نيسان 2015 بقلم آلان فراشون Alain Franchon
 
     طرح أحد رؤساء هيئة التحرير في صحيفة اللوموند السؤال التالي: لماذا نحن مع السنة؟ لماذا تقف الدول الغربية إلى جانب معسكر العرب السنة ضد إيران الشيعية في المعركة الإستراتيجية ـ الدينية الكبيرة  التي تعصف بالشرق الأوسط؟ إن هذا السؤال هو محور المفاوضات الجارية حول الملف النووي في لوزان. نطمئن رئيس أحد أقسام هيئة التحرير الذي طرح هذا السؤال أن خيار تحالفاتنا لا يحكمه أي تحيز ديني. إن الدول الغربية حيادية في هذا النزاع المعقد، ولم تعبر الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن موقفها تجاه الخلاف الذي يعيشه الإسلام: أي قضية خلافة النبي محمد. إن خيارهم لا تحكمه فقط حقيقة ان السنة يشكلون تسعين بالمئة من المسلمين ولاسيما العرب منهم. كانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية يحبون الجميع قبل الثورة الإيرانية عام 1979 لأن هذه المنطقة غنية بالموارد النفطية.
      أقامت الثورة الإيرانية نظاماً دينياً متسلطاً يمزج بين النزعة القومية والنزعة المعادية للإمبريالية والتبشير بالشيعية. بدأت الثورة الإيرانية ضد الغرب الذي كان يدعم النظام السابق، وتسعى إلى زعزعة استقرار جيرانها العرب الذين خافوا منها. هاجمها عراق صدام حسين فور ولادتها بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وجزء كبير من العالم العربي. عززت الثورة الإيرانية نفسها خلال الحرب مع العراق (1980 ـ 1988)، وأصبحت راديكالية، وخطفت بعض الدبلوماسيين الأمريكيين في طهران، واستخدمت بعض الميليشيات لخطف بعض الفرنسيين والأمريكيين في لبنان، وطورت بعض الشبكات الإرهابية التي كانت فرنسا إحدى ضحاياها، وتدعو إلى اختفاء إسرائيل، واستهانت بالحريات العامة داخل إيران.
     استأنفت إيران العمل في البرنامج النووي في منتصف سنوات الثمانينيات بعد تعرضها للهجمات الكيميائية من قبل العراق. أحس النظام بأن موقعه تعزز عام 2003 عندما خلصه جورج بوش الابن من عدوه اللدود صدام حسين. ترتكز طهران على الشيعة في العالم العربي، وحولتهم إلى ميليشيات مسلحة في لبنان والعراق. تهيمن إيران على حليفها القديم في سورية. تستطيع إيران الاعتماد على رغبة الانتقام لدى العرب الشيعة الذي عذبهم السنة لفترة طويلة. يعيش الشرق الأوسط حالياً ساعة الانتقام الشيعي.
     هذه هي الخطوط العريضة لكون إيران "عدونا". لهذه الأسباب وطدت الولايات المتحدة تحالفاتها التقليدية في العالم العربي ولاسيما مع السعودية. لهذا الأسباب أرادت بعض الأنظمة العربية والخليجية مواجهة التوسع الإيراني الذي يستغل أحد أمراض الإسلاموية السنية الراديكالية: أي الجهادية التي تهدد اليوم بالانقلاب عليهم. كيف يمكن الخروج من هذه الفوضى الدامية؟ يعتبر باراك أوباما أن ذلك يتم عبر تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. لماذا؟ لأنه لا يمكن اختزال إيران بنظامها، ولأنها ليست أحادية البعد كبقية الدكتاتوريات التقليدية. إنها توفر بعض المجال للحريات السياسية، ويوجد فيها تيار إصلاحي يؤيد توثيق العلاقات مع الغرب، وهذا التيار يتوافق مع جزء كبير من الرأي العام الإيراني الذي يؤيد الغرب.
     إن المقارنة بين نظامين دينيين لا يحترما الحريات العامة كثيراً ليست في مصلحة السنة. في إيران، الكنائس مفتوحة، والنساء يعملن، ووصلن إلى المناصب في الحكومة والبرلمان. تؤهل الجامعات الإيرانية نوعية عالية من الخريجين، ولاسيما المهندسين، ولن يسمح أي شيء ولا حتى العقوبات والقصف بالقضاء على المعرفة النووية فيها. في طهران، هناك مهندسين معماريين ومثقفيين وسينمائيين مشهورين عالمياً. إن إيران مجتمع مدني متنوع ومُطلع وفخور بنفسه.
     وجه باراك أوباما رسالة تلفزيونية إلى الإيرانيين بمناسبة السنة الفارسية الجديدة بتاريخ 20 آذار، وقال ما يلي: سيكون التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي فرصة تاريخية لاستئناف العلاقات الوثيقة بين البلدين. إنه يراهن بكل منطقي على اعتدال النظام الإيراني تحت صدمة الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي. ولكن تحالفاً غريباً يضم السعوديين والمصريين والإسرائيليين والجمهوريين الأمريكيين يعتبرونه ساذجاً. يراهن باراك أوباما على أن الاتفاق حول الملف النووي سيُطلق ديناميكية التهدئة التي ستطمئن الدول العربية، وتخفف من حدة المواجهة بين السنة والشيعة. يكافح باراك أوباما ضد الجهادية السنية، ويريد استئناف العلاقة مع إيران الشيعية. ولكن هذا التحالف الغريب الذي يعارضه يعتقد على العكس أن مثل هذا الاتفاق سيحرر إيران من العقوبات المفروضة عليه، وسيعزز ميوله التوسعية. إن هذا التحالف لا يقترح شيئاً آخراً غير معركة طويلة وغير مضمونة. على الأقل، أوباما له الفضل بأنه لديه سياسة.