الصفحات

الأحد، 29 أيلول، 2013

(الجهاد يبتلع التمرد السوري)

صحيفة الليبراسيون 28 أيلول 2013 بقلم لوك ماتيو Luc Mathieu وجان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     هل ستتلخص الحرب في سورية قريباً بالمواجهة بين المجموعات الإسلامية الراديكالية ونظام بشار الأسد؟ بعد سنتين ونصف من بداية الثورة، أخذ الانحراف الإسلامي حجماً كبيراً لدرجة أن رئيس الإئتلاف الوطني السوري أحمد الجربا حذر يوم الجمعة 27 أيلول من هذا الانحراف، متهماً الجهاديين الأجانب أنهم "سرقوا الثورة".
     حصل التحول خلال شتاء عام 2012 في حمص التي كانت محاصرة منذ سبعة أشهر، وتقوم بالدفاع عنها كتائب الجيش السوري الحر التي لم تكن لديها أهداف إسلامية. ولكن القصف العنيف الذي دمر أحياء بأكملها مثل حي باب عمرو، وأعمال الترهيب المرعبة للشبيحة، وعجز المعارضة عن تقديم المساعدة للسكان، أدى إلى راديكالية بعض المجموعات، وازدادت هذه الراديكالية مع لا مبالاة الدول العربية والغربية خلال فترة الاحتضار الطويلة للمدينة. في تلك الفترة، ظهر بيان موقع باسم (أبو الحمصي) يدعو إلى قتل الطائفة العلوية في المدينة. وهكذا بدأت الأزمة السورية تتحول من ثورة إلى حرب أهلية.
     حققت الحركة الإسلامية تقدماً مستمراً منذ ذلك الوقت، وأخذت عدة أشكال. إنها موجودة أولاً إلى جانب الكتائب الأقل تدينا داخل الجيش السوري الحر الذي أسسه بعض الضباط المنشقين عن القوات النظامية. هناك أيضاً العديد من الكتائب المسلحة خارج الجيش السوري الحر، ولكنها تهدف إلى إسقاط نظام الأسد وإقامة جمهورية إسلامية متشددة. ثم انضم إليها آلاف المقاتلين العرب والغربيين، منمهم 130 فرنسي. أكد أحمد الجربا في أحد البيانات: "ظهرت ظاهرة التطرف بدعم وتخطيط من النظام الذي راهن على تحويل ثورة الحرية إلى حرب أهلية وطائفية". هذا صحيح، ولكنه نسي أن يقول بأن الجيش السوري الحر عاجز عن أي تفكير إستراتيجي، وفتح ذراعيه في البداية لجميع هذه المجموعات الراديكالية والجهادية الأفضل تسليحاً وتمرساً في الحرب والمستعدة للقتال حتى الموت. ولكن الجيش السوري الحر غيّر لهجته، وأصبح في حال عداء مع المجموعات الأكثر راديكالية.
     تتأكد الانحرافات المتطرفة للمتمردين يوماً بعد يوماً. أشارت صحيفة الحياة المقربة من السعودية يوم الجمعة 27 أيلول إلى أن قادة العديد من المجموعات المسلحة ورجال الدين في شمال سورية يدرسون احتمال توحيد صفوفهم ضمن إطار "جيش محمد" الذي يضم خمسين ألف رجل "من أبناء الطائفة السنية فقط". تأتي هذه المعلومات بعد عدة أيام من إعلان ثلاث عشرة مجموعة متمردة، بعضهم من الجيش السوري الحر، عن قطع علاقاتهم مع المعارضة السياسية في الخارج، وتشكيل تحالف جديد مع مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة. من بين المجموعات التي وقعت على هذا البيان، نجد المجموعات الأكثر قوة في حلب مثل لواء التوحيد المرتبط بالجيش السوري الحر والسلفيين في أحرار الشام والجهاديين في جبهة النصرة. أكدت هذه المجموعات على أن القانون الإسلامي يجب أن يكون "المصدر الوحيد للتشريع"، وأعلنت عن قطع جميع علاقاتها مع الإئتلاف الوطني في الخارج. لقد ظهر هذا الرفض على الأرض منذ عدة أشهر من قبل أغلب المقاتلين وقادتهم، وأصبح رسمياً من الآن فصاعداً.
     لا شك أن هذه الإنقسامات تصب في مصلحة النظام، ولاسيما في الشمال الذي تجمدت الجبهات فيه منذ عدة أشهر باستثناء شمال اللاذقية. تُسيطر المعارضة على ثلاثة أرباع حلب التي ما زال المتمردون والجنود يتواجهون فيها حتى في المدينة القديمة. ولكن المتمردين خففوا من هجماتهم بسبب نقص الذخيرة، واحتاجوا إلى أكثر من ثلاثة أشهر للتقدم مئة متر في حي صلاح الدين الذي اجتاحته المعارك والقصف. لم ينجحوا أيضاً بإبعاد القناصين المتواجدين في بستان القصر الذي يمثل نقطة العبور الوحيدة بين المنطقة المتمردة والمنطقة التي يسيطر عليها النظام. يتعرض المدنيون للنيران دوماً عندما يعبرون حواجز التفتيش التي تحولت إلى خط فاصل.
     حقق المتمردون نجاحاً خارج حلب خلال شهر آب مع الاستيلاء على مطار المنغ. قامت كتيبتان، إحداهما تابعة للجيش السوري الحر والأخرى تتألف من المقاتلين الشيشان بشكل أساسي، بمحاصرة المطار عدة أشهر مع إطلاق هجمات منتظمة. ولكن موجة الهجمات الأكثر قوة شنها الجهاديون في الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام وجبهة النصرة المرتبطتان بتنظيم القاعدة ضد شمال اللاذقية في بداية آب. لقد سيطروا على عشرات القرى العلوية، وبدؤوا بالتقدم باتجاه القرداحة. ولكن النظام شن هجوماً مضاداً بعد أسبوعين، واستعاد هذه القرى بسرعة. إن الدليل على الانقسامات داخل التمرد هو أن كتائب الجيش السوري الحر لم تقاتل إلى جانب الجهاديين أثناء الهجوم المعاكس للقوات النظامية، قال أحد المقاتلين الناشطين في منطقة اللاذقية: "قالوا أنهم لا يريدون مساعدتنا لتجنب إرتكاب المجازر ضد العلويين".
     وصل التوتر بين الجهاديين ومقاتلي الجيش السوري الحر إلى ذروته بتاريخ 18 أيلول في إعزاز. تذرعت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بوجود طبيب ألماني يعمل في أحد المستشفيات الميدانية، واعتبرته جاسوساً، لمهاجمة كتيبة "عاصفة الشمال" التابعة للجيش السوري الحر. سيطر الجهاديون بسرعة على المدينة، واضطرت تركيا إلى إغلاق المركز الحدودي المجاور للمدينة. في النهاية، تم التوقيع على هدنة، ولكنها ما زالت هشة، ولا تمثل حلاً لمسألة من سيسيطر على إعزاز. كان يمكن أن يبقى هذا الحادث معزولاً، إلا أنه انتشر إلى مدن أخرى مثل الرقة ودير الزور. تتركز كتائب الجيش السوري الحر الأكثر "اعتدالاً" في الغوطة الشرقية، ولكن يجب عليهم الاعتماد هنا أيضاً على جبهة النصرة. أكد حذيفة إدريس، طبيب من حمص لجأ إلى لبنان، أنه "بعد الثورة، لا بد من ثورة ثانية لطرد المجموعات الجهادية في سورية". ولكن ألن يكون ذلك بعد فوات الأوان؟