الصفحات

الأربعاء، 11 أيلول، 2013

(دمشق تنوي المراهنة على الوقت)

صحيفة الفيغارو 11 أيلول 2013 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     اكتفت السلطة السورية في البداية بـ "الترحيب" بالمبادرة الروسية، ثم سارعت يوم الثلاثاء 10 أيلول إلى "قبولها" بعد يوم  واحد من الإعلان عن المبادرة الروسية. ولكن وكالة الأنباء الروسية أنترفاكس هي التي أعلنت عن الضوء الأخضر الرسمي من قبل دمشق، لأن وكالة الأنباء الروسية تعتبر أن ذلك "يجعل أي تبرير للاعتداء باطلاً". ونقلت الوكالة الروسية أنترفاكس تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي وصل إلى موسكو يوم الاثنين 9 أيلول لوضع اللمسات النهائية على العرض الروسي.
     قال أحد المراقبين في دمشق: "عندما رأيت وزير الخارجية يغادر إلى موسكو برفقة نوابه الثلاث ومستشارة الرئيس بثينة شعبان، شعرت بأنه ستكون هناك مفاوضات مع الروس"، وأكد أن هذا الوفد نفسه ذهب إلى موسكو صيف عام 2012 لقبول جنيف 1، هذا المؤتمر الدولي الذي ولد ميتاً، وكان من المفترض به الإعداد لمخرج من الأزمة. في الحقيقة، تم إبلاغ القيادة السورية بعد فترة قصيرة من قمة العشرين في بطرسبورغ يوم الجمعة 6 أيلول بالنقاشات التي جرت سرّاً بين فلاديمير بوتين وباراك أوباما حول هذا الموضوع.
     لا شك أن النظام حقق نجاحاً على الرغم من أنه لا يعبر عن الفرح. قال مصدر مقرب من دمشق معبراً عن سروره: "إن هذه المبادرة ليس فقط أعادت النظام إلى الرهان الدبلوماسي، بل استعاد أيضاً بعض الشرعية. يجب التفاوض معه من أجل تنفيذ اتفاق القضاء على ترسانته الكيميائية"، وتحدث هذا المصدر عن ثلاث مراحل: "توفر الثقة وإحصاء المواقع والتفكيك"، وأضاف مبتسماً: "سيحتاج ذلك للوقت" بشكل يُمكّن من استنتاج التكتيك الرسمي الذي قد يتضمن العمل على إطالة العملية. بالمقابل، إن القبول السريع لدمشق بالخطة الروسية يُظهر أن المتشددين داخل السلطة لم يمارسوا ضغوطاً معاكسة. لا أحد يخشى ذلك هنا، وذلك بعد أن كشفت صحيفة بيلد Bild الألمانية المعلومات القائلة بأن الجيش الذي يقف في خط المواجهة الأول ضد المتمردين، حاول دفع الأسد خلال عدة أشهر نحو اللجوء إلى الأسلحة الكيميائية ضد المعارضين.
     إذاً، ليس هناك هجوم أمريكي مقابل تفكيك الترسانة الكيميائية السورية، وليس هناك أي شيء آخر يشبه خارطة طريق لإخراج البلد من الحرب الأهلية التي أدت إلى مقتل 120.000 شخص خلال ثلاثين شهراً. وعلى الصعيد الميداني، ستستمر أعمال العنف أو حتى ستتفاقم، إذا لم تتضمن المبادرة الروسية إتخاذ أي إجراء لتخفيف التصعيد. تلقت المعارضة ضربة قوية، فقد أدان المكون الرئيسي لها في الخارج الإئتلاف الوطني السوري فوراً "مناورة سياسية لن تحمل معها إلا المزيد من القتلى والدمار للشعب السوري". كما يشعر عرّابا المعارضة السعودي والتركي بالمرارة بعد أن كانا يدعوان إلى توجيه ضربات قوية لتغيير النظام. في الوقت الذي أحس فيه سكان دمشق بالارتياح لتراجع شبح الضربات على سورية، كانت المجموعات المتمردة تنتظر بفارغ الصبر هذه الضربات من  أجل التقدم على الأرض. إن الوضع على الأرض بين المتمردين والجيش لم يتغير بشكل عام منذ حوالي السنة. إن الفصائل الأكثر راديكالية داخل المجموعات المسلحة، ولاسيما الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي عارضت القصف الأمريكي، يمكن أن تستفيد من تراجع شبح الضربات من خلال الاعتماد على مشاعر الحقد التي يشعر بها الكثير من المقاتلين حالياً.

     من الصعب على النظام تبرير هذا التغير المفاجىء في موقفه، على الرغم من أن الرأي العام ليس الهم الأساسي بالنسبة له. قالت إحدى المعارضات: "كرروا علينا خلال ثلاثين عاماً أن أسلحتنا الأكثر تطوراً كانت مخصصة للمقاومة ضد إسرائيل وخلق نوع من توازن القوى مع عدونا. لقد أفقروا الشعب لتمويل هذه الترسانة الكيميائية، لكي يقولوا لنا في النهاية أنها فقط من أجل إنقاذ النظام. أين ذهبت مقاومة إسرائيل؟". على العكس من ذلك، قال أحد المقربين من النظام: "إن هذا العرض لا يمكن إلا أن يُرضي الأمريكيين الذين يُمثل أمن إسرائيل بالنسبة لهم إحدى أولوياتهم في الشرق الأوسط. لم يعد هناك أي سبب لدى إسرائيل للانزعاج منا بعد تفكيك الترسانة الكيميائية. وتعرفون أن الإسرائيليين غير مبالين بالثورات العربية، وما يهمهم هو إضعاف أي تهديد محتمل قادم من دمشق".