الصفحات

الثلاثاء، 3 أيلول، 2013

(التدخل في سورية: ما هي المصلحة؟)

صحيفة الفيغارو 2 أيلول 2013 بقلم الكاتب رولان هورو Roland Hureaux

     إذا كانت الأزمة الدولية المتعلقة بسورية ستتفاقم بعد التدخل المتوقع حالياً من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، فإننا نبحث عبثاً عن المصالح الرئيسية التي تدفعهم لهذه المخاطرة المرعبة في هذه القضية، ولاسيما من قبل بلدنا. النفط؟ لا يوجد نفط في سورية. مصالحنا التاريخية؟ إن المقصود فيها بشكل خاص هو حماية المسيحيين، وهذا سيقودهم إلى دعم نظام الأسد الذي يقوم بذلك بشكل أفضل من أي طرف آخر. الدفاع عن إسرائيل؟ من المعلوم للجميع أن زعماءها منقسمون حول المسألة السورية: لا يتمنى جزء منهم، في حال سقوط الأسد، رؤية الإسلاميين أو تركيا على مسافة مئة كيلومتر من القدس. وهذا أمر مفهوم. من جهة أخرى، هل سبق أن قامت سورية بتهديد إسرائيل منذ أربعين عاماً أثناء حكم عائلة الأسد؟
     هل الهدف تدمير حزب الله الذي يتحالف مع إيران، ويُهدد إسرائيل؟ ولكن اتساع النزاع إلى جميع أنحاء سورية وخارجها بلا شك، ألا يمثل تحولاً كاملاً لا يتناسب مع مثل هذا الهدف؟ هل الهدف تحطيم الهلال الشيعي الذي يُحيط اليوم بالشرق الأوسط من لبنان إلى إيران؟ ولكن لم يكن بإمكان هذا الهلال أن يظهر إلى الوجود لولا حرب العراق ووصول الشيعة إلى الحكم: ألم يكن هناك ما يكفي من مراكز الدراسات الأمريكية لكي تتوقع بأن تطبيق قاعدة الأغلبية في هذا البلد سيؤدي إلى هذه النتيجة؟ من جهة أخرى، هل يجب علينا التعصب للمصالح السنية؟
     هل الهدف هو احتواء روسيا؟ ولكنها هي أيضاً في موقع دفاعي. لقد اضطرت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى التخلي عن أغلب مواقعها في أوروبا والعالم: أنغولا وموزانبيق والصومال واليمن والخ. من الناحية الجغرافية، تخشى روسيا بشكل مشروع من اتساع الإسلاموية (ولهذا السبب دعمت التدخل الأمريكي في أفغانستان)، وحددت بوضوح خطاً أحمراً في سورية: إنها لن تتسامح بإسقاط نظام الأسد دون أن تتحرك. إنه تحذير واضح، ومن المقلق جداً أننا لا نسمعه.
     يجب الحذر أيضاً من دبلوماسية حقوق الإنسان. لم يعد هناك إلا هذا الدافع لتفسير التصعيد الذي تمارسه الدول الغربية، بسبب عدم وجود مصلحة واضحة تتناسب مع حجم الخطر. إن الخطاب الإعلامي الذي يروجه الحزب الإشتراكي في فرنسا، يقارن يوماً بعد يوم الأسد مع هتلر. ولكن هذه المقارنة لا معنى لها. كان هتلر يريد غزو العالم، ولا يريد الأسد غزو أي شيء، بل يريد فقط أن نتركه بسلام. كانت لديه في السابق نزعة لامتصاص لبنان ضد مصالحنا، ولكن هذه النزعة انتهت، ولم نغضب منه كثيراً، وكان ضيف الشرف في العرض العسكري بتاريخ 14 تموز 2008. بدأ هتلر حملة لتصفية الأقليات جسدياً، ولاسيما اليهود في أوروبا. ولكن على العكس في سورية، يحمي نظام الأسد منذ أربعين عاماً الأقليات في سورية بشكل أفضل من أي طرف آخر، والمعارضين الأكثر راديكالية على الأقل هم الذين يريدون تصفية الأقليات.
     إن نظام الأسد بعيد جداً عن أن يكون نظاماً مثالياً: إنه يواجه حرباً أهلية مدعومة من الخارج، ولجأ إلى وسائل وحشية للدفاع عن نفسه (دون التأكد من مسؤوليته عن استخدام الغازات السامة)، ولجأ أعداؤه للوسائل نفسها أيضاً. ولكن هذا النظام لم يكن في الأساس إلا دكتاتورية عسكرية تقليدية مثل الأنظمة التي تسامح معها الغرب خلال عدة سنوات في جميع أنحاء العالم تقريباً، كما قام الغرب بإنشاء بعض الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية قبل فترة ليست بعيدة. انهارت أوهام "الربيع العربي" منذ عدة أيام، إنه نفس نوع النظام الذي عبّر الكثيرون عن ارتياحهم لعودته في مصر.
     لا شك أنه من طبيعة دبلوماسية حقوق الإنسان، لأنها هستيرية وغير ناضجة، أن تعتمد على تحليل متحيز للحقائق وتقترح تصحيحها. ولكن حتى لو كان هذا التحليل غير متحيز، فإن هذه الدبلوماسية تبقى خاطئة في مبدئها. إن الدبلوماسية الناضجة يجب أن تكون دبلوماسية تقودها مصالحنا فقط. كان التدخل الأخير في مالي ضمن هذا الإطار. يبدو على هذه الدبلوماسية أنها أنانية، ولكنها في الحقيقة الدبلوماسية الأخلاقية الوحيدة. أولاً، لأننا انتخبنا قادتنا من أجل الدفاع عن مصالحنا. ثم لأنها الوسيلة الأفضل للحد من المخاطر: من الممكن التوصل دوماً إلى تسوية انطلاقاً من المصالح المفهومة جيداً، ولا يمكن التوصل إطلاقاً إلى تسوية انطلاقاً من المبادىء والإيديولوجيات.
     تقود دبلوماسية المبادىء بشكل مباشر إلى الهلاك وراء مظاهر التفوق الأخلاقي، "من يصنع الملاك، يصنع الوحش". إن الانخراط في قضية خطيرة مثل الحرب، ولاسيما في أرض محفوفة بالمخاطر مثل الشرق الأوسط، دون إمكانية الاستفادة من مصلحة واضحة، يُمثل مؤشراً على خلل خطير في العقول.