الصفحات

الثلاثاء، 17 أيلول، 2013

(ما هي قوة الجيش الفرنسي الفعلية؟)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 12 أيلول 2013 بقلم جان غينيل Jean Guisnel

     ساهمت مبادرة فلاديمير بوتين بتاريخ 9 أيلول حول وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الوصاية الدولية بإبعاد فرضية التدخل العسكري الأمريكي والفرنسي... ولكن بشكل مؤقت. في الكواليس، لم يتخل قادة الجيش الأمريكي إطلاقاً عن هذه الفرضية، ويواصلون العمل ودراسة الخرائط وصور الأقمار الصناعية ومراقبة تحركات القوات السورية على الأرض، ويقولون أنهم مستعدون في حال اختار رئيسهم تنفيذ تهديداته.
     بعد الهجوم المأساوي بغاز الساران بتاريخ 21 آب، اختار فرانسوا هولاند الانضمام إلى موقف باراك أوباما. استعد قادة الجيش الفرنسي بسرعة لتنفيذ أوامر قائدهم عندما تحدث عن "مشاركة" فرنسا في الضربات الأمريكية المحتملة ضد نظام بشار الأسد. أشاد باراك أوباما فوراً بشجاعة فرانسوا هولاند، لأن الرئيس الأمريكي بحاجة إلى الدعم الفرنسي من الناحية الدبلوماسية. ولكنه هل هو بحاجة حقاً إلى فرنسا على الصعيد العسكري؟ إنه أمر غير مؤكد.
     في حال حصول تدخل عسكري أمريكي في سورية، ما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به فرنسا؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب رفع الغطاء عن الاستعدادات العسكرية للتدخل في سورية. تُشير هذه الاستعدادات إلى الضعف الكامن في الإمكانيات العسكرية الفرنسية. فيما يتعلق بالاستخبارات، تملك فرنسا إمكانيات كبيرة. إذا كان هناك مجال يتفوق فيه الفرنسيون بامتياز، فهو الاستخبارات العسكرية ولاسيما على الأرض السورية: تتحدث النخبة السورية اللغة الفرنسية، وما زالت الإدارة العامة  للاستخبارات الخارجية DGSE إحدى الأجهزة الأكثر معرفة بكل التحركات في دمشق. إن التقرير الذي نشره قصر الإليزيه بتاريخ 2 أيلول لا يمثل إلا صورة جزئية جداً من العمل اليومي للاستخبارات الفرنسية. إن جميع تقارير الاستخبارات الفرنسية توفر معلومات تفصيلية حول أية حركة يقوم بها القادة السوريون، وحول مواقع جميع الحركات المتمردة، وحول خطوط الجبهة المتحركة بين المتمردين والقوات الحكومية، وحول الدعم الفرنسي إلى بشار الأسد أو إلى خصومه.
     بالمقابل، هناك نقاط ضعف عديدة على صعيد التدخل على الأرض. إن فرنسا والولايات المتحدة وبقية الدول عاجزون تماماً تجاه هذا الخيار الذي لم يتم التطرق إليه. صحيح أن تدخل الجيش الفرنسي في مالي تكلل بالنجاح، ولكن لا يجب المبالغة في الصعوبات التي واجهها الجيش الفرنسي هناك. قال أحد الضباط الذين تابعوا الحرب في مالي عن كثب: "كانت عملية غير متوازنة إطلاقاً، وكان الخطر محدود جداً، وظهر أن المصاعب الأساسية كانت لوجستية. لنكن صريحين: هذا هو نموذج قدرات التدخل الفرنسي". بعبارة أوضح، سيواجه الجيش الفرنسي الكثير من المصاعب في القيام لوحده بعمليات عسكرية أكثر تعقيداً. والسبب في ذلك هو أن العمليات اللوجستية في مالي حصلت على دعم واسع عبر الطائرات المستأجرة من روسيا أو المُعارة من حلفائها. فيما يتعلق بسلاح الطيران الأمريكي، لقد ساهم بشكل كبير في تموين الطائرات بالجو وبالمعلومات التكتيكية بفضل الطائرات الأمريكية بدون طيار. إذا تم احترام قانون البرمجة العسكرية الفرنسية الذي يجري إعداده حالياً، من الممكن أن يحصل الجيش الفرنسي للمرة الأولى منذ عدة عقود على حفنة من طائرات النقل Airbus A400 M وبعض الطائرات بدون طيار Reaper التي اشترتها من الولايات المتحدة وبعض طائرات التموين. ولكنها غير قادرة لوحدها على شن حرب حقيقية طويلة ومحفوفة بالمخاطر ضد عدو منتشر على نطاق واسع.
     هناك بعض الميزات الأخرى لدى فرنسا. فيما يتعلق بالحالة السورية، يؤكد مستشارو وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان أن فرنسا قادرة على القيام بالعملية لوحدها، وقال أحدهم: "إن وسائلنا في التخطيط والاستخبارات والقصف خاضعة لسيادتنا بشكل كامل. أدى الرحيل المتسرع للبريطانيين إلى أن يفتح الأمريكيين أوراقهم بالكامل أمامنا. ولكننا لسنا أسياد الجدول الزمني".
     يمتلك الفرنسيون منذ عدة سنوات خططاً لقصف المنشآت العسكرية وأماكن السلطة السورية التي يعرفونها بشكل ممتاز. تم تصنيف هذه الأهداف في الملفات إلى حين الحاجة، ثم تم إخراجها من جديد خلال الأسابيع الماضية من قبل المركز الوطني الفرنسي لتحديد الأهداف ومقره في مدينة Creil الفرنسية. يتم تحديد إحداثيات الأهداف المعرضة للقصف (الطول والعرض والارتفاع) وتحميلها على خارطة إلكترونية، اعتماداً على صور القمر الصناعي الفرنسي Helios ورادارات الأقمار الصناعية الألمانية SAR-Lupe والإيطالية Cosmo SkyMed.
     يتم جمع العناصر الأخيرة حول الوضع السوري في شرق المتوسط عبر جهاز فرنسي متواضع ولكنه فعال وهو: سفينة Dupuy du Lôme (DRM) التي تسمح راداراتها بإلتقاط كل ما يقال على أجهزة الاستقبال (Radio) في سورية وشبكات الهاتف GSM. يقوم بمساعدة هذه السفينة وسائل متطورة للتنصت موجودة في الغواصة النووية الهجومية التي لم يتم الكشف عن اسمها، بالإضافة إلى فرقاطة الفارس بول Chevalier Paul للدفاع الجوي، وهي  أحدث فرقاطة في أوروبا. تقوم طائرات أتلانتيك 2 (Atlantique2) بالتنصت من خارج المجال الجوي السوري لالتقاط ترددات الرادرات في الدفاع الجوي السوري. إن هذه المعلومات والمعلومات التي يرسل الأمريكيون جزءاً منها عن طريق إسرائيل، يتم إرسالها فيما بعد إلى قسم البرمجة وإعداد الحرب الإلكترونية في القاعدة الجوية في المدينة الفرنسية Mont-de-Marcan. ثم يتم دمج هذه المعلومات في أجهزة طائرات رافال بشكل يسمح للطائرات الفرنسية بالبقاء خارج مجال الرادارات والصواريخ السورية.
     هناك خياران أمام الفرنسيين لحماية أنفسهم بشكل فعال: إطلاق الصواريخ بعيدة المدى Scalp-EG من المياه الدولية، أو المخاطرة بشكل أكبر عبر استخدام القنابل الموجهة A2 SM التي يبلغ مداها أقل من ستين كيلومتراً. تستطيع طائرات رافال أو ميراج 2000 حمل الصواريخ بعيدة المدى Scalp-EG التي يبلغ مداها الرسمي 250 كم، ولكنها تستطيع قصف أهداف على بعد 400 كم في حال توفر الظروف الملائمة.
     في حال توجيه الضربات ضد سورية، تستطيع الطائرات الفرنسية بلا شك إطلاق صواريخها على ارتفاع منخفض نسبياً بشكل يحميها من الرادارات السورية. يجب على فرنسا الاعتماد على طائرات التموين الأمريكية، نظراً لأن طائراتها من طراز C-135 FR اشترتها من الولايات المتحدة في الستينيات. في هذه الحالة، لن تكون طائرات رافال وميراج 2000 بحاجة إلى التواجد في إحدى قواعد الحلف الأطلسي في جزيرة كريت Crète اليونانية أو في قبرص أو حتى في تركيا. بإمكانها قيادة مهماتها بسهولة انطلاقاً من الأراضي الفرنسية.
     تم استخدام صواريخ  Scalp-EG للمرة الأولى ضد ليبيا عام 2011. تتميز هذه الصواريخ بالدقة الشديدة بفضل نظام التوجيه النهائي القادر على إصابة الهدف النهائي بدقة متناهية بواسطة كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وتقارن الصورة التي تستقبلها مع الصورة الموجودة في جهاز الكمبيوتر على الطائرة. تم تقدير قيمة هذا الصاروخ عام 2003 بـ 1.54 مليون يورو، وطلبت فرنسا الحصول على 500 صاروخ. يجب تحديث أغلب الصواريخ المخزنة، ولكن يبدو أن الموازنة لا تسمح بتحديث أكثر من مئة صاروخ. على أي حال، هناك أكثر من 350 صاروخ جاهز للاستخدام بسرعة.

     بعد المبادرة التي أطلقها بوتين، ربما لن تسنح الفرصة أمام الجيش الفرنسي لاستخدام ترسانته العسكرية في سورية. ولكن النقاش حول الإمكانيات العسكرية الفرنسية لم ينته... إنها بداية النقاش فقط.