الصفحات

الجمعة، 20 أيلول، 2013

(باريس تواصل الضغط العسكري تجاه سورية)

صحيفة اللوموند 19 أيلول 2013 بقلم ناتالي غيبير Nathalie Gibert

     أعلنت القوات البحرية الفرنسية يوم الثلاثاء 17 أيلول عن مناورة واسعة ستضم 11 سفينة حربية في البحر المتوسط الأسبوع القادم، من ضمنها ستة فرقاطات وسفينة قيادة من طراز ميسترال. تمت تسمية هذا التدريب بـ (Gabian)، وتم تقديمه على أنه تدريباً روتينياً، باعتبار أنه يجري عدة مرات سنوياً بالنسبة للأسطول الموجود في مدينة تولون الفرنسية. ولكن ليست هناك رسالة بلا معنى في سياق المناقشات الصعبة حول سورية حالياً.
     إن الحفاظ على خيار عسكري يحظى بالمصداقية هو عنصر تعتبره باريس وواشنطن ضرورياً في المفاوضات الدبلوماسية الجارية في الأمم المتحدة حول تفكيك الترسانة الكيميائية السورية. في هذا الإطار، تحتل السفن الحربية مكاناً بارزاً لأنه مرئي ودائم. ما زال الأسطول البحري ـ  الجوي الأمريكي متمركزاً في البحر الأحمر، بالإضافة إلى خمس سفن حربية مزودة بصواريخ توماهوك وعدد غير محدود من الغواصات في البحر المتوسط. انضمت حوالي عشرة سفن حربية روسية إلى الشاطىء السوري. بالنسبة للجانب الفرنسي، إن الرسالة التي يريد توجيهها هي أن الأسطول البحري الذي يضم حالياً غواصة وفرقاطة مضادة للطيران يمكن تعزيزه بأية لحظة. وتؤكد باريس أن حاملة الطائرات شارل ديغول "جاهزة تماماً".
     هذه هي سياسة المدافع التقليدية جداً، وتم إكمالها بالجانب الجوي. كان يبدو محتملاً في نهاية شهر آب في حال القيام بالضربات أن تقوم طائرات رافال الفرنسية بالإقلاع من الأراضي الفرنسية وأن تطلق صواريخها على المنشآت العسكرية لبشار الأسد بدون الحاجة لاختراق المجال الجوي السوري. في بداية شهر أيلول، تمت تعبئة طائرات المراقبة والتنصت من طراز أتلانتيك 2 (Atlantique 2) التي كانت موجودة في إفريقيا، ووصلت إلى قبرص التي انتشرت فيها أيضاً طائرات التجسس الأمريكية والبريطانية. قال مصدر عسكري في باريس: "يجب أن يلاحظ العدو أن وسائلنا مسلحة، وأنها متمركزة في أماكن مناسبة للتحرك. يجب أن تُحلق طائراتنا، وأن تُبحر سفننا من أجل تحويل الضغوط الحالية إلى واقع ملموس. إن هذا الرهان التكتيكي هو المؤشر الفعلي للإرادة السياسية الحقيقية التي يتم التعبير عنها".
     هناك رسالة أخرى إضافية هي أن فرنسا تملك وسائل مناسبة للمعلومات من أجل التحرك "في كل لحظة، وخلال فترة قصيرة". لم يتوان وزير الدفاع جان إيف لودريان عن التصريح بذلك يوم الجمعة 13 أيلول خلال زيارته التي رافقتها تغطية إعلامية جزئية إلى إدارة الاستخبارات العسكرية في مدينة Creil الفرنسية. ولكن من الناحية الرسمية،  "لم يتغير شيء" في التدابير التي كانت مرتقبة في نهاية شهر آب. اجتمع المجلس العسكري المصغر برئاسة فرانسوا هولاند بتاريخ 11 أيلول، وتوصل إلى الحفاظ على الوضع القائم بالاستعداد للحرب. أكد مصدر في وزارة الدفاع الفرنسية أن خطة الضربات لم تتغير.
     ماذا سيحصل في حال ملاحظة وجود عرقلة في الأمم المتحدة؟ كتبت نيويورك تايمز يوم الثلاثاء 17 أيلول العنوان التالي: "بالنسبة لأوباما، ليست هناك خطة بديلة واضحة". نقلت الصحيفة عن الخبير في الشرق الأوسط دينيس روس الذي يقوم بتقديم المشورة إلى الرئيس الأمريكي قوله: "من المفترض أن تتضمن الخطة البديلة بعض الضربات، ومن المحتمل تجنب التصويت في الكونغرس. سيكون من الصعب إقناع أياً كان بأن كلامنا له معنى في حال فشل المبادرة الدبلوماسية بدون الاستعداد لتوجيه الضربات".
     إذا اعتبرنا أن الخيار العسكري ما زال مطروحاً على الطاولة، فإن مسألة حجم الهجوم ما زالت تثير النقاشات لدى الخبراء. قال المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) في تقرير نشره يوم الثلاثاء 17 أيلول: "يوجد طريق وسط ضيق بين ضربات محدودة غير فعالة وحملة واسعة قد تجر معها خطر تصعيد لا يمكن السيطرة عليه". تطرق وزير الدفاع الفرنسي إلى هدف "تخريب نظام القيادة وإنتاج المواد الكيميائية السورية". تعني هذه الكلمات أن الضربات لن تكون محدودة، وستضرب نظام بشار الأسد، باعتبار أن الأسلحة الكيميائية موجودة داخل الجهاز العسكري والسياسي للنظام. إذاً، إن المقصود هو ضربات إستراتيجية.

     في هذا الإطار، لا تستطيع الصواريخ بعيدة المدى القيام بكل شيء. أكد الباحث إيلي تينينبوم Elie Tenenbaum في تقرير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: "إن ثمن ودقة الصواريخ المرسلة من هذه المسافة لا يمكن مقارنتها مع ثمن ودقة حملة جوية يتم القيام بها عن قرب عبر الطائرات. إذا اقتصر الهجوم على مثل هذه الوسائل، فمن غير المحتل التوصل إلى نتيجة عسكرية هامة". أضاف زميله إيتيين دو دوراند Etienne de Durand قائلاً: "لا يجب الاكتفاء إطلاقاً باستهداف القوات العسكرية للنظام. هذا ما أكدته العمليات في ليبيا في بداية الأيام الأولى: إن ضربات المنع أو الدعم القريب تفترض تنسيقاً حقيقياً مع بعض العناصر الصديقة على الأرض، ويتعلق نجاحها بمدى تواجد هذه القوات الصديقة على الأرض". إن الوسيلة الحاسمة للتأثير ستكون المساعدة العسكرية المرسلة إلى المعارضة السورية المسلحة. لم تخف باريس إرادتها في إرسال وسائل أكثر أهمية إلى الفصائل المعتدلة، ولاسيما مع مساعدة السعودية.