الصفحات

الثلاثاء، 3 أيلول، 2013

(مسؤولية مجزرة الغوطة لا يمكن نسبها إلى الجهاديين)

صحيفة اللوموند 30 آب 2013 بقلم الباحثة في قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دوفرانس نور بنكوريش Nora Benkorich

     إذا كان خبراء التسليح والمتابعين لسورية يعتبرون أن نظام بشار الأسد يتحمل مسؤولية مجزرة السلاح الكيميائي في الغوطة بشكل لا يقبل النقاش، فإن بعض الشكوك ما زالت مستمرة وتدخل العقول ببطء عبر العديد من إدعاءات المراقبين و"المحللين" ورجال السياسة الذين يتساءلون حول المسؤولية المزعومة للمجموعات الجهادية. هذا هو موقف النائب الفرنسي نيكولا دوبون آينان Nicolas Dupont-Aignan الذي سارع إلى اتهام "المجموعات الإسلامية" كرد على نزعة الحكومة الفرنسية بالمشاركة في الرد الانتقامي ضد نظام دمشق. في البداية، تبدو هذه الشكوك مشروعة بسبب الدعاية الإعلامية المضللة للنظام الذي ينفي أية مسؤولية بسبب خطورة هذه الأحداث والحملة الوشيكة والمحتملة جداً لمعاقبة دمشق، ولكن هذه الشكوك غير مشروعة لأنها غير مبررة ومفككة وخطيرة.
     ما هو الأساس الذي تعتمد عليه هذه الإدعاءات؟ على صور الأقمار الصناعية التي تدعي موسكو امتلاكها، ومن المفترض أنها تبرهن على أن الصاروخين المحملين بالعناصر الكيميائية جاءا من المناطق التي يُسيطر عليها الجيش السوري الحر. ولكن أياً من هذه الصور التي كان بإمكان روسيا إرسالها للأمم المتحدة، لم يتم الكشف عنها علناً. تشير هذه الصور إلى إطلاق صاروخين، في حين أن الناشطين على الأرض يتحدثون عن  العثور على 23 صاروخ في سبعة أماكن. بالنظر إلى عدد الضحايا والأشخاص المصابين وحجم الصواريخ المستخدمة التي لم يستطع خبراء الصواريخ البالستيكية التحقق منها، يبدو من غير المحتمل أن تكون كمية العناصر الكيميائية الموجودة في الصاروخين كافية لإحداث مثل هذه الأضرار. أخيراً، روسيا ليست طرفاً محايداً في النزاع السوري، نظراً لأنها تدعم نظام دمشق.
     ترتكز هذه الإدعاءات أيضاً على الفارق الزمني بين الساعة التي تم فيها إرسال صور الفيديو إلى اليوتوب (20 آب) والساعة الحقيقية للمجزرة (اعتباراً من الساعة الثالثة إلا ربع صباح يوم الأربعاء 21 آب)، ولهذا السبب ادعى البعض ومنهم روسيا أن الهجوم الكيميائي لم يكن إلا تمثيلية من قبل المتمردين. ولكن هذا التأكيد ينسى الأخذ بعين الاعتبار الفارق الزمني بين مكان جهاز الخادم الذي يقدم خدمات اليوتوب في الولايات المتحدة، وبين التوقيت في سورية، وقدره سبع ساعات. بعبارة أخرى، إن جميع صور الفيديو التي تم إرسالها الساعة السابعة صباحاً كانت مؤرخة بتاريخ اليوم السابق.
     ترتكز هذه الإدعاءات أيضاً على بعض "البراهين" مع الصور التي قامت بجمعها وحدة تابعة للنظام السوري أثناء "دورية" لها في بعض الأنفاق المزعومة التي يُسيطر عليها المتمردون، وعثورها على مخزون من الأسلحة وعلب من المساحيق التي كتب عليها باللون الأسود "صنع في السعودية" وأقنعة ضد الغاز وقفازات، وهي تُشكل برهاناً "قاطعاً" بأن الجماعات الإسلامية المتمردة هي التي خططت لهذا الهجوم. لا حاجة لأن نكون خبراء بالأسلحة البالستيكية لملاحظة أن هذه الأسلحة لا تشبه الأسلحة الموجودة على الأرض، ولا تملك القدرة على التسبب بمجزرة بهذه الحجم.
     من جهة أخرى، إذا كان النظام يمتلك براهين قاطعة حول مسؤولة الجماعات الإسلامية، فلماذا انتظر خمسة أيام قبل السماح لبعثة خبراء الأمم المتحدة بالذهاب إلى الأمكنة المعنية، ولاسيما أنها وصلت في اليوم نفسه لمجزرة الغوطة للتحقيق حول أماكن أخرى؟ أخيراً، لماذا الإصرار على قصف المناطق التي تعرضت للهجمات الكيميائية خلال خمسة أيام؟
     بالإضافة إلى هذه العناصر الحقيقية، من الصعب فهم مصلحة الجهاديين في القيام بعملية من هذا النوع. هل من أجل إلقاء مسؤولية المجزرة على النظام والتسبب بتدخل خارجي؟ إن هذا يخالف المنطق. أولاً، يعتبر الجهاديون أن الجمود الغربي كان حتى الآن حجة لتحسين إمكانيتهم في تجنيد المقاتلين، نظراً لأن هذا الجمود يُمثل برأيهم برهاناً على التواطؤ بين الغرب ـ وبشكل خاص "محور الشر" بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ـ ونظام بشار الأسد الذي يقتل شعبه مع لامبالاة كاملة من قبل الدول الغربية. من جهة أخرى، يؤكد العديد من الجهاديين الجدد على الأرض أن العامل الحاسم الذي دفعهم إلى الانضمام لصفوف جبهة النصرة ومثيلاتها هو الشعور بأن الديموقراطيات الغربية تخلت عنهم. ثم كيف يمكن إعطاء هذا "المحور للشر" الذي يمثل أول أعداء الجهاديين، الحجة لـ "غزو" سورية؟ أخيراً، إذا كان الجهاديون يملكون الوسائل للقيام بمثل هذه العملية، لماذا لم يستخدموا هذه الأسلحة الكيميائية ضد قوات النظام، وضد المدنيين "النصيريين"، أي العلويين الذين يعتبرونهم كالشياطين، أو ضد قادة السلطة؟ لنتذكر أن الجهاديين في الثمانينيات كانوا في طليعة المقاتلين الذين لم يترددوا في قتل مئات المدنيين العلويين في القرى الساحلية.
     لا معنى لأية حجة من الحجج المستخدمة من قبل المدافعين عن فرضية ارتكاب الجهاديين للمجزرة. إن ما يجعل هذا الكلام محفوفاً بالمخاطر هو أنه يهدف إلى إقناع المجتمع الدولي، عبر بث الشك لدى الرأي العام، بالتهرب من مسؤولياته أمام جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري منذ أكثر من سنتين. لقد تم تجاوز "الخط الأحمر" بموجب الاتفاقيات الدولية حول استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين، وذلك مهما كان هذا الخط جزئياً باعتبار أنه يخفي المجازر العديدة المرتكبة من قبل النظام السوري.
     تُظهر مجازر 21 آب أن النظام تجاوز عتبة جديدة في استخدام العنف، إنه يعتمد على التدرج في استخدام العنف من أجل امتحان ردود فعل المجتمع الدولي. إن الرد القوي من قبل المجتمع الدولي يمكن أن يأخذ شكل الضربات المحددة ضد المنشآت العسكرية وترسانة الأسلحة الكيميائية للنظام. تفرض هذه الضربات نفسها باعتبارها واجباً إنسانياً، وإلا ستتحول هذه العتبة الجديدة من العنف إلى قاعدة عامة في سورية إذا بقيت بلا عقاب.