الصفحات

الاثنين، 30 أيلول، 2013

(الغرب يبحث عن إستراتيجية في الشرق الأوسط)

صحيفة الفيغارو 26 أيلول 2013 بقلم المدير العام للمعهد الفرنسي للعلاقات الإستراتيجية (IFRI) تييري دو مونبريال Thierry de Montbrial

     لا يعود تاريخ الأخطاء الغربية في الشرق الأوسط إلى التفكك البطيء للنظام العلوي. لقد فقدنا نقاط العلام الأساسية في هذه المنطقة مع سقوط الإمبراطورية السوفييتية. كانت فترة التخلص من الاستعمار مضطربة، ولكن النزاعات الإقليمية في هذه الفترة بقيت تحت السيطرة لأنها كانت تدور في ظل المواجهة بين الغرب والشرق التي كانت تحدد معالم الخصومات الإيديولوجية.
     عندما كانت فرنسا تقدمية في سنوات السبعينيات، كنا حينها معجبين بصدام حسين أو حافظ الأسد وحزب البعث بصيغتيه المختلفتين قليلاً. كان يفترض أن يكون هذا الحزب ديموقراطياً وإشتراكياً وعلمانياً، وبالتالي عصرياً! إن إحدى تناقضات الحرب الباردة خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينيات، كانت الاتفاق الضمني بين الشرق والغرب لتطبيق مبدأ التوازن: حالما يميل ميزان القوى لصالح أحد الطرفين، تتحرك القوى العظمى لإعادة التوازن. وهكذا انتهت هذه الحرب بالتعادل.
     تخلت الدول الأنغلوساكسونية (جورج بوش الأب بتحريض من مارغريت تاتشر، ثم جورج بوش الابن) عن مبدأ التوازن عامي 1990 ـ 1991 بعد غزو الكويت من قبل صدام حسين، وفي عام 2003 عندما دمرت نظام الدكتاتور العراقي، ثم أسقطته. من جهة أخرى، كان الخبراء الأمريكيون يؤكدون دوماً منذ سقوط شاه إيران أن نظام رجال الدين على وشك السقوط. ولكن بدلاً من سقوطه، تم تعزيزه وتدمير التوازن الدقيق بين الشيعة والسنة في المنطقة لصالح الشيعة، وتم تحريض المتطرفين لدى جميع الأطراف. قام المحافظون الجدد الأمريكيون ببناء إستراتيجيتهم على قناعة مفادها أن إسقاط الطالبان والنظام البعثي في العراق، سيسفح المجال واسعاً وبشكل فوري أمام الديموقراطية في "الشرق الأوسط الكبير".
     ساهمت هذه الأخطاء بقوة في رفض الغرب وعودة روسيا السوفييتية. ولكنها عودة نسبية، لأن إمكانيات روسيا اليوم أضعف بكثير بالمقارنة مع الدول الغربية التي لم تتردد في تبذير إمكانيات هائلة مع سياسات سيئة. تشعر الدول الغربية بالحيرة مع الربيع العربي، وبدأت بالاضطراب. تم التخلي بسرعة عن الأنظمة المتسلطة للتعويض عن دعمها لها لفترة طويلة، مع احتمال زعزعة ثقة القادة المحافظين الذين ما زالوا موجودين. تم إسقاط العقيد القذافي، دون أي تردد في الذهاب إلى ما هو أبعد من قرارات مجلس الأمن. كانت هناك قناعة بأن الأسد سيسقط بدوره سريعاً، وأنه سيكون ممكناً تشكيل حكومة حقيقية بديلة. تم اعتبار أنه يكفي الوقوف ضده للانضمام إلى جانب "الأخيار"، بإلإضافة إلى أن بعض الدول "الصديقة" التقدمية مثل السعودية وقطر كانت تدفع بكل قوتها من أجل إضعاف المعسكر الشيعي. حصل كل ذلك بالتأكيد على خلفية الهاجس من الملف النووي الإيراني. شعرت فرنسا بالإغراء تجاه ميول المحافظين الأمريكيين الجدد منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وظهرت أحياناً أكثر ملكية من الملك، ولم تسمع أصوات الأقليات في المنطقة التي كانت تحثنا على عدم السقوط في الأوهام الإيديولوجية. تُعتبر الأقليات من ضمن أكبر الخاسرين.
     حان الوقت لاستعادة معنى السياسة الخارجية. إن السياسة الخارجية لا تُبنى على الإيديولوجيا وعلى المشاعر الطيبة التي تتصف بطبيعتها أنها زائلة، أو على النظرة الثنائية للصراع بين الخير والشر. تفترض السياسة الخارجية فهماً عميقاً وموضوعياً لما يحصل على الأرض، وتحديداً دقيقاً للمصالح الوطنية لكل طرف، وتحديد الأهداف البعيدة الأجل والإستراتيجيات اللازمة لتحقيقها. ليست هناك سياسة خارجية بدون تمييز واضح بين الإستراتيجيا والتكتيك، وبدون جهود حثيثة وعنيدة على المدى الطويل. بهذا الشكل، حافظت السياسة الديغولية للجنرال ديغول على وجودها خلال بعض الوقت.
     كان العجز الإستراتيجي للدول الغربية واضحاً للعيان منذ بداية الربيع العربي بنهاية عام 2010. قمنا بإلقاء العديد من الخطابات الإيديولوجية والتكتيكية، ولكن، بعكس الروس، لم ينظر إلينا أحد كإستراتيجيين. إن الإضطراب الناجم عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية بتاريخ 21 آب (الذي أخفى الاضطراب حول مصر)، سيلعب دوراً مفيداً إذا خرجنا منه بالاعتراف بضرورة وجود نظرة إستراتيجية. من أجل الوصول لذلك، حان الوقت للتفكير على مستوى أكثر اتساعاً، وتحديد هدف يتمثل بإقامة قواعد مقبولة للرهان من قبل جميع الأطراف في المنطقة (وفي مقدمتها تركيا وإيران ومصر وإسرائيل) ومن قبل الأطراف الخارجية (لنقل الدول الأعضاء الدائمة العضوية في مجلس الأمن).
     يفترض كل ذلك التخلص بوضوح من أية نزعة لافتعال تغيير الأنظمة من الخارج، مع الاعتراف في الوقت نفسه أن مثل هذا التغيير ممكن إن لم يكن محتملاً في بعض الدول التي يجب إدارتها. من أجل أن يستعيد الشرق الأوسط الحد الأدنى من الاستقرار الذي تحتاجه شعوب هذه المنطقة لتجنب المزيد من الآلام والرعب، يجب الاعتراف لكل طرف بمكانته المشروعة في إطار متوازن للحقوق والواجبات المتبادلة. لا يجب العمل فقط باتجاه جنيف 2 حول سورية، بل نحو مؤتمر أكثر اتساعاً ويتطرق إلى النظام الإقليمي بمجمله. وبهذه الطريقة فقط يمكن التوصل إلى حلول كاملة لبعض المسائل الأساسية مثل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أو نزع الأسلحة النووية. من الطبيعي أنه ستكون هناك حاجة إلى الكثير من الوقت، ولكن على الأقل سيكون هناك توجه. من وجهة النظر هذه، يجب الترحيب بالتقارب الذي ترتسم ملامحه حالياً مع إيران في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة.
     استمرت الحرب الباردة أربعين عاماً قبل الخروج منها. استطاعت الدول الغربية خلال هذه السنوات، بفضل الزعامة الأمريكية إلى حد كبير، البقاء صفاً واحداً متمسكين برؤية صائبة للواقع على الأرض، وبمصالحهم وأهدافهم وإستراتيجياتهم. يجب العثور اليوم على تصميم مماثل في الشرق الأوسط.