الصفحات

الخميس، 19 أيلول، 2013

(نمو الجهاديين في سورية)

صحيفة الفيغارو 19 أيلول 2013 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbruont

     إنه رقم يدعو للخوف: إن أكثر من نصف المجموعات المتمردة التي تكافح لإسقاط نظام بشار الأسد هي من الحركات السلفية والجهادية. أشارت الأمم المتحدة إلى أن 58 % بالضبط من الفصائل المسلحة (600 فصيلة) الأكثر قوة ـ أكثر من خمسين مقاتلاً ـ تعتنق هذه النظرة المتشددة أو الظلامية للإسلام. أكد ممثل الأمم المتحدة في دمشق مختار لماني قائلاً: "كنت أقدر قبل عام عدد المتمردين التابعين لجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام المرتبطتين بتنظيم القاعدة بنسبة 5 %. يبلغ اليوم عدد أعضاء هاتين المنظمتين والسلفيين بشكل عام بـ 40 % على الأقل من عددهم البالغ 150.000 متمرد تقريباً يقاتلون في جميع أنحاء سورية".
     تؤكد هذه الإحصائيات الأرقام التي نشرها المعهد البريطاني Jane’s. إن إحصائيات الأمم المتحدة هي نتيجة عمل استمر عاماً كاملاً قام به فريق مختار لماني بين المجموعات المسلحة نفسها من أجل رسم خارطة للتمرد. يضم التمرد ألفي كتيبة على الأقل منتشرة في أنحاء سورية. النتيجة الأولى، يمثل التيار السلفي أغلبية هذه الكتائب، ولاسيما كتيبتي أحرار الشام ولواء الإسلام اللتين تضمان عشرين ألف مقاتل في كل منهما. يتركز وجود كتيبة لواء الإسلام في دوما بضواحي دمشق، وتُسيطر عليها السعودية التي عاش فيها رئيس الكتيبة زهران علوش. ولكن كتيبة لواء الإسلام ليست إلا واجهة لجبهة النصرة من أجل التحايل على نتائج إدراج جبهة النصرة على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية في نهاية عام 2012. قامت كتيبة لواء الإسلام خلال الأسابيع الماضية بتهيئة ثمانية ألاف رجل على أمل الاستفادة من  الضربات الأمريكية من أجل التقدم في دمشق.
     النتيجة الثانية هي ضعف تأثير المجموعات المرتبطة بالجيش السوري الحر والمعارضة المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية. قال مختار لماني الذي يقدر نفوذ الجيش السوري الحر بـ 15 % تقريباً من إجمالي عدد المتمردين: "يوجد القليل منهم في ريف حمص". كما أكد شارلز ليستر Charles Lister الذي أعدّ تحقيق مركز الأبحاث البريطاني Jane’s، وأشارت له صحيفة الديلي تلغراف في بداية الأسبوع، قائلاً: "إن الفكرة القائلة بأن التمرد تُسيطر عليه المجموعات المعتدلة العلمانية هي فكرة خاطئة بكل بساطة". إن النفوذ الضعيف لهذا التيار المعتدل داخل المعارضة يطرح إشكالية إرسال الأسلحة إلى فصائل عاجزة عن إثبات وجودها على الأرض.
     فيما يتعلق بالكتائب المرتبطة بالإخوان المسلمين، فإن تواجدها ضعيف جداً أيضاً على الرغم من احتكارهم لفترة طويلة مناصب المسؤولية في المؤسسات التي تقود المعارضة في الخارج. أخيراً، يجب الإشارة إلى وجود مجموعات إجرامية أو على علاقة تجارية مع المهربين، ولاسيما على الحدود اللبنانية. إن الصورة التي تخرج من هذه الخارطة هي صورة تمرد مفتت جداً وتتغير تركيبته بشكل مستمر، وتتغير ولاءاته حسب السلاح والمال الذي يحصل عليه المتمردون من عدة ممولين. ولكن المجموعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة هي الوحيدة التي لم تعاني أبداً من نقص في المال أو السلاح منذ بداية تسليح التمرد قبل سنتين. تقوم صناديق تمويل خاصة في الخليج بتمويل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام اللتين تسيطران على المناطق الشمالية والشرقية في سورية. لقد عرفوا كيف يستفيدون من سلبية تركيا التي أغلقت عيونها لفترة طويلة عن مرور الجهاديين وقوافل الأسلحة على حدودها باتجاه سورية. هناك أمر أكثر مدعاة للقلق: من الممكن أن تستفيد الحركة الجهادية من تفوقها للسيطرة على التمرد المعتدل الذي يشعر بتخلي الدول الغربية عنه بعد تأجيل الضربات الأمريكية.
     تتمتع جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بعدة ميزات في هذه المعركة الجديدة. نجحت جبهة النصرة في الانتشار بعد عام ونصف من تأسيسها بفضل المجموعات العديدة التي تدور في فلكها وتشاركها بالإيديولوجية مثل لواء الإسلام. هناك مجموعات أخرى انضمت بكل بساطة إلى الحركة الجهادية للاستفادة من دعم أفضل. قال مختار لماني: "استطاعت جبهة النصرة في البداية الحصول على تعاطف السكان بفضل عملها الاجتماعي لدى الفقراء والجرحى، ولأنها أيضاً لا تستهدف المدنيين بل فقط الأهداف العسكرية المرتبطة بالنظام". لهذا السبب، انضم المقاتلون الليبيون والتونسيون بشكل طبيعي إلى جبهة النصرة. ولكن إذا كان هناك بعض الأجانب في صفوف جبهة النصرة، فإن توقيعها أصبح سورياً بعكس الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي تأسست في بداية عام 2013 بعد الاندماج مع تنظيم القاعدة في العراق. تتصف الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بأنها أكثر تنظيماً ووحشيتها تقشعر لها الأبدان، ولكنها حققت في الأشهر الأخيرة تقدماً مقلقاً، ولا تتردد في مواجهة المجموعات المسلحة الأخرى أو مهاجمة القرى العلوية بعيداً عن قواعدها في شرق سورية.
     لم يتأخر قادة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، بعد مجيء قادتها إلى دير الزور، في السيطرة على الرقة وإقامة نظام إسلامي قاسي. ولكن المشاكل برزت بسرعة مع جبهة النصرة للسيطرة على آبار النفط في شرق سورية، وذلك على خلفية علاقة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام مع زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري الذي يُسيطر على شبكة الصناديق المالية الخليجية. إن هذه الصناديق المالية مرتبطة بتنظيم القاعدة منذ وقت طويل، واستفادت من الشبكات المالية للحركة الإرهابية. وهكذا، شعرت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بحاجتها إلى السوريين لتوسيع سيطرتها، وبدأت بتجنيد العناصر من جبهة النصرة بالإضافة إلى استقدام المقاتلين الأجانب من العراق باعتبارهم أكثر تمرساً بالحرب بعد عدة سنوات من القتال ضد القوات الأمريكية.
     هناك رغبة مشتركة تُوحد هاتين الفصيلتين الجهاديتين هي إسقاط الأسد وإقامة الخلافة في سورية، وتوصلتا أخيراً إلى تجاوز خلافاتهما موقتاً. تتجنب جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام مواجهة بعضهما البعض حالياً: تُسيطر الأولى على الغرب باتجاه إدلب والشمال باتجاه حلب بالإضافة إلى بعض المواقع حول دمشق، في حين تقوم الثانية بإدارة المنطقة الشرقية. ولكن مقاتليهما أصبحوا يتنقلون بكثرة، كما أظهر هجومهم الدامي الذي ارتكبوه ضد القرى العلوية هذا الصيف. سلطت هذه العملية الضوء على قدرة العمل الجديدة للجناح السوري لتنظيم القاعدة. قال أحد الدبلوماسيين في دمشق: "تسلل مقاتلوها إلى حوالي عشرة قرى علوية صغيرة ومعزولة، ثم قتلوا وذبحوا 137 إمرأة. صحيح أن الجيش استعاد السيطرة على الوضع خلال يومين، ولكن هجرة سكان هذه القرى ولجوئهم إلى اللاذقية أو طرطوس أعطى بعض الأفكار لتنظيم القاعدة الذي يخطط منذ ذلك الوقت للقيام بهجمات عقابية مماثلة في القرى الصغيرة في ريف حماة وحمص ضد الأقلية المسيحية أو العلوية". لا شك أنها البداية فقط، وحذر هذا الدبلوماسي قائلاً: "سينتهي المطاف بالمجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة إلى تصفية خصومها". في الحقيقة، بدأت سياسة الاغتيالات التي تستهدف بعض الشخصيات المزعجة، وتمت تصفية حوالي 12 زعيماً رفضوا الخضوع لسيطرة تنظيم القاعدة خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وغالباً ما يتم ذلك بصمت كما حصل في العراق أثناء سنوات الحرب الأهلية.
     ولكن هذه الهجمات لا تقتصر فقط على القادة غير الإسلاميين للمجموعات الصغيرة. سمحت إحدى هذه الهجمات بقتل أبو عبيدة، أحد أمراء المجموعة السلفية أحرار الشام في منطقة إدلب. أشار أحد الأمراء الرئيسيين في الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام أبو محمود العدناني بوضوح في تصريح له إلى "أعداء الإسلام": "العلمانيين" و"الإسلاميين القوميين".
     بدأت المجموعات الجهادية باتخاذ الاحتياطات داخل صفوفها لتجنب اختراقها. قامت جبهة النصرة مؤخراً بتصفية عشرة تونسيين عندما فاجأتهم وهم يضعون العلامات بالقرب من مخازن الأسلحة التابعة لجبهة النصرة. اكشتفت إدارة جبهة النصرة أنهم كانوا جواسيس يعملون لحساب وكالة الاستخبارات الأمريكية من أجل ضرب هذه المجموعة الإرهابية خلال القصف الذي كان يحتمل القيام به ضد سلطة الأسد.

     هناك أمر مؤكد: إذا كان الجهاديون ليسوا الأكثر عدداً، فإنهم المقاتلون الأكثر شجاعة بكثير. قال مختار لماني: "سمعنا الملاحظة نفسها طوال العمل في تحقيقنا من الشمال إلى الجنوب مروراً بدمشق: إن الجهادي المقاتل يعادل عشرة مقاتلين". تدفع هذه الملاحظة بالعديد من المتمردين إلى العمل معهم. قال أحد العاملين في المجال الإنساني في دمشق: "أتذكر السيطرة على مطار المنغ الذي كان الجيش السوري الحر يحاصره خلال عدة أشهر دون جدوى. لقد طلبوا مساعدة جبهة النصرة التي أرسلت سيارتين مفخختين. في صباح اليوم التالي، شعرت بالصدمة عندما رأيت قائد الجيش الحر الذي كان يقاتل الجهاديين في بداية التمرد، وهو يشكر الزعيم المحلي لتنظيم القاعدة أبو جندل، ويتوجه إليه بالحديث في شريط فيديو متحدثاً عن انجازهما المشترك". حذر مختار لماني قائلاً: "بخلاف الوضع في العراق وليبيا، أصبح تنظيم القاعدة قوياً في سورية قبل سقوط النظام"، الأمر الذي يُنذر بمستقبل مظلم لهذا البلد.