الصفحات

الجمعة، 6 أيلول، 2013

(الوضع الحالي هو الوحيد الذي يمكن تحمله)

صحيفة اللوموند 6 أيلول 2013 بقلم عضو مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية Center for Strategic and International Studies إدوارد لوتووك Edward N. Luttwak

     يجب على حكومة أوباما مقاومة الرغبة بالمزيد من التدخل في النزاع السوري: لن يكون هناك إلا حل سيء بالنسبة للولايات المتحدة بغض النظر عن المنتصر. في الواقع، سيكون أمراً كارثياً أن ينجح نظام الرئيس بشار الأسد بخنق التمرد، واستعادة السيطرة على البلد بأكمله، وتحقيق الانتصار. إن الأموال والأسلحة والرجال الذين قدمتهم إيران وقوات حزب الله، أصبحت تقوم بدور أساسي في المعارك في سورية: يعني ذلك أن نجاح الأسد سيعزز قوة ومكانة إيران الشيعية وحزب الله، وسيهدد بشكل مباشر العديد من الدول العربية السنية وإسرائيل.
     وبالعكس، إن انتصار المتمردين سيكون كارثياً أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة والعديد من حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط. في الحقيقة، إن بعض المجموعات المتطرفة التي يرتبط بعضها بتنظيم القاعدة، تُشكل اليوم القوات المسلحة الأكثر قوة في سورية. إذا انتصرت هذه المجموعات المتمردة، فإن الاحتمال الأكبر هو أنها ستحاول تشكيل حكومة معادية لواشنطن. ولن تتمكن إسرائيل من الأمل بالهدوء على حدودها الشمالية عندما ينتصر الجهاديون في سورية.
     كانت الاحتمالات أقل تشاؤماً في بداية التمرد قبل عامين. كان يبدو حينها أن المجتمع السوري بأكمله يفك خناق الخوف للمطالبة بإنهاء دكتاتورية الأسد. في ذلك الوقت، كان من الممكن الأمل بوصول المعتدلين من هذا الطرف أو ذلك إلى السلطة بدلاً من نظام الأسد، نظراً لمكانتهم الهامة لدى الشعب. كما أنه كان من المنطق المراهنة على نزاع قصير، لأنه كان هناك اعتماد على بلد كبير مثل تركيا التي تملك جيشاً قوياً وحدوداً طويلة مع سورية، لكي تستخدم نفوذها من أجل إنهاء الحرب. تظهر تركيا اليوم مشلولة، بعيداً عن إظهار قوتها المنتظرة. وينظر رجب طيب أردوغان عاجزاً إلى الحرب الأهلية المحتدمة على حدوده. لهذا السبب، إن عدم وجود تمرد يُشرف عليه الأتراك، وتكون قاعدته في تركيا، وأن تدعمه الولايات المتحدة بالسلاح والاستخبارات والنصائح، جعل سورية فريسة للفوضى والعنف.
     أصبح النزاع اليوم بين قادة الحرب الصغار والمتطرفين الخطيرين من جميع الانتماءات: سلفيون متعصبون مثل الطالبان الذين يضربون ويقتلون حتى السكان السنة الأكثر تديناً لأنهم يرفضون تقليد ممارساتهم المخالفة للطبيعة، وهناك المتطرفون السنة الذين يغتالون العلويين والمسيحيين الأبرياء لسبب وحيد هو دينهم، وهناك الجهاديون الذين جاؤوا من العراق ودول أخرى للإعلان عن نواياهم بتحويل سورية إلى قاعدة للجهاد العالمي الذي يستهدف أوروبا والولايات المتحدة.
     في مثل هذا السياق القاتل، إن حل عقدة النزاع لصالح هذا الطرف أو ذاك سيكون غير مقبول في جميع الأحوال بالنسبة للولايات المتحدة. إن عودة نظام الأسد بدعم من الإيرانيين سيُعزز قوة ومكانة إيران في الشرق الأوسط بأسره، كما أن انتصار المتمردين الذين يُهيمن عليهم المتعصبون سيفتتح موجة جديدة من إرهاب تنظيم القاعدة.
     لا تستطيع الولايات إلا تفضيل مخرج واحد هو: استمرار المباراة بشكل متعادل. إنه أمر محزن ومأساوي بالتأكيد أن يصبح ذلك "الحل الأفضل" حالياً، ولكن تفضيل هذا الخيار ليس قاسياً على السوريين الذين يواجهون بأغلبيتهم المعضلة نفسها. في حال انتصار المتمردين، فإن السوريين غير السنة ينتظرون اقصاءهم من المجتمع أو حتى قتلهم. في حال انتصار بشار الأسد، سوف تتعرض الأغلبية السنية غير الأصولية لاضطهاد سياسي جديد. إذا انتصر المتمردون، فإن السنة المعتدلين سيجدون أنفسهم مهمشين من قبل القادة الأصوليين الذين لن يتأخروا عن فرض ممنوعات كثيرة.
     لهذه الأسباب، يجب أن يكون هدف الولايات المتحدة الحفاظ على المأزق. من أجل تحقيق ذلك، ليس هناك إلا طريقة واحدة هي: تسليح المتمردين عندما تتقدم قوات الأسد، وبالعكس، قطع المساعدات عندما يبدو أن المتمردين على وشك الانتصار. إن هذه الإستراتيجية تشبه الإستراتيجية التي تبنتها حكومة أوباما حتى الآن. بالنسبة لأولئك الذين يدينون ضبط النفس وحذر الرئيس ويصفونه بالتعالي والسلبية، يجب عليهم التحلي بالشجاعة ليقولوا ما هو المخرج الوحيد الآخر: إنه غزو أمريكي شامل للانتصار على بشار الأسد وعلى المتطرفين الذين يقاتلون ضد نظامه. ستكون النتيجة وقوع سورية تحت الاحتلال الأمريكي. ولكن قلة من الأمريكيين سيدعمون اليوم مغامرة عسكرية جديدة ومكلفة في الشرق الأوسط. إن أي تطور جوهري في هذا الاتجاه أو ذاك، سيعرض الولايات المتحدة للخطر. في هذه المرحلة، إن الوضع الحالي هو الخيار الوحيد الذي ما زال من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعمه.