الصفحات

الاثنين، 26 كانون الثاني، 2015

رواية فرنسية عن انتخاب رئيس مسلم في فرنساعام 2022

  هل يمكن انتخاب رئيس مسلم في فرنسا؟ على أي حال، هذا هو موضوع رواية نزلت إلى المكتبات الفرنسية يوم الأربعاء 7 كانون الثاني 2015، أي في اليوم نفسه الذي حصل فيه الاعتداء الإرهابي على مجلة شارلي إيبدو. كاتب هذه الرواية هو ميشيل ويلبيك Michel Houellebecq، وعنوان الرواية: (خضوع) Soumission. تدخل هذه الرواية ضمن نطاق الخيال السياسي، كما هو الحال بالنسبة لكتب الخيال العلمي المعروفة للجميع. حظيت هذه الرواية بتغطية إعلامية واسعة قبل صدورها بأسبوع واحد إلى درجة استضافته في نشرة الأخبار المسائية في القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي، ولكن هذه التغطية الإعلامية تضاءلت كثيراً منذ الاعتداء الإرهابي، وتحاول وسائل الإعلام الحكومية والخاصة التعامل مع الإسلام في فرنسا بصفته الضحية الأولى للإرهاب بدلاً من كونه تهديداً يمكن أن يصل إلى السلطة حسب الرواية المذكورة.
     تتحدث الرواية عن فوز رئيس مسلم اسمه محمد بن عبس بالانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022 ضد فرانسوا هولاند، وذلك بفضل تحالف اليمين واليسار مع الحزب الإسلامي "الإخوة الإسلامية" ضد رئيسة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبين. يوافق الحزب الإسلامي على إعطاء الوزارات السيادية إلى حلفائه، ويكتفي بالحصول على وزارة التربية، ويحترم الحريات العامة، ويلتزم بخطاب معتدل. يهتم هذا الحزب بإنعاش الوضع الاقتصادي والإشعاع الحضاري الفرنسي بشكل خاص، ويفاوض على انضمام الدول الإسلامية إلى الاتحاد الأوروبي. بالمقابل، يقوم حزب "الإخوة الإسلامية" بأسلمة الجامعات عبر رؤوس الأموال السعودية والقطرية، ويُلغي المساواة بين الرجل والمرأة عبر تشجيع عودة المرأة إلى المنزل والسماح بتعدد الزوجات وتعميم ارتداء الحجاب الإسلامي. يمثل بطل الرواية أستاذ جامعي مختص بالكاتب هوسمانز J-K Huysmans (عاش بين عامي 1848 و1907 واعتنق الديانة الكاثوليكية هرباً من "انحطاط القيم في المجتمع الأوروبي")، وهو شخصية مكتئبة جداً، وعاش تجارب عاطفية حزينة أو مدفوعة الأجر. تعتنق هذه الشخصية الإسلام لأنها تريد العودة إلى منصبها الجامعي في جامعة السوربون، ولأنها تجد أن الزواج بإمرأتين شابتين ومطيعتين أو ثلاثة أمراً ملائماً.
     لا يمكن معرفة رأي الكاتب من خلال الرواية، وهل يؤيد وصول رئيس مسلم إلى الحكم أم أنه يخشاه؟ الأمر الذي دفع ببعض النقاد إلى اعتبار أن أنصار حزب الجبهة الوطنية وأنصار الإسلام السياسي معاً سيُعجبون بهذه الرواية. تضمنت الرواية  أسماء بعض الشخصيات السياسية والإعلامية والفكرية مثل نيكولا ساركوزي وفرانسوا بايرو وغيرهم، وكانت نظرتها إليهم سلبية. يبحث ميشيل ويلبيك في رواياته بشكل عام عن عيوب المجتمع الفرنسي، ويحاول إيجاد الحلول لها، ويعتبر أن المجتمع الغربي لا يمكنه البقاء على قيد الحياة بدون العودة إلى دين ما. على سبيل المثال، يعتبر الكاتب في روايته أن تعدد الزوجات يمكن أن يكون حلاً للمشاكل الجنسية، وأن إخراج المرأة من سوق العمل يمكن أن يكون حلاً لمشكلة البطالة.
     تمثل هذه الرواية صدى لأصحاب بعض الفرضيات التي تظهر في أوروبا، وتتنبأ بتحول أوروبا إلى أرض إسلامية مثل كتاب Eurabia للكاتب البريطاني بات يعور Bat Ye’or (ورد اسمه في الرواية)، أو الكاتب الفرنسي رونو كامو Renaud Camus الذي يدين "الاستبدال الكبير" للمسيحيين في القارة العجوز بشعب إسلامي شاب.

مقابلة مع ميشيل ويلبيك Michel Houellebecq ـ صحيفة لوبس (النوفيل أوبسرفاتور سابقاً) 8 كانون الثاني 2015 ـ العنوان: (ماتت الجمهورية) ـ أجرت المقابلة أود لانسلان Aude Lancelan
سؤال: تُجسد روايتكم الجديدة (خضوع) النظرات الأكثر تشاؤماً لأحزاب اليمين المتطرف حول أسلمة مجتمعاتنا. هل هذه هي رؤيتكم للمستقبل الأوروبي؟ هل هو تغير ممكن برأيكم؟
ميشيل ويلبيك: إنها "خيال سياسي"، خيال محتمل. ولكنني أقوم بتسريع الأحداث قليلاً، إن عام 2022 مبكر جداً. لا أعرف بالضبط ما الذي تخشاه أحزاب اليمين المتطرف، ولكن من المحتمل أنها لا تخش أبداً ما هو مكتوب في هذه الرواية، أي: بناء قوة عظمى إسلامية غربية ومتوسطية ومعتدلة على نمط الإمبراطورية الرومانية، وأن تقوم فرنسا والفرانكوفونية بدور المحرك فيها. إن هذه السياسة للتحالف مع الدول العربية ربما لن تزعج بالضرورة ديغول.
سؤال: أتذكر أنني سمعتكم تقولون في ذكرى تأسيس مجلة "Art Press" بنهاية عام 2012 أنكم كنتم متأثرون جداً بما شاهدتمونه في بروكسل آنذاك حول انتشار الحجاب والإسلام الراديكالي في بروكسل. هل مثل هذه الأمور ساعدت في صياغة هذه الرواية؟
ميشيل ويلبيك: في الحقيقة، لا أبداً. إن نقطة البداية هي إحدى الشخصيات في الرواية التي كان يفترض بها أن تعتنق الكاثوليكية، وسنعود إليها لاحقاً. نعم، لقد تأثرت جداً في بروكسل، ولكن لدي أيضاً بعض الاتصالات في مدينة سان دوني Saint Denis وأرجانتوي Argenteuil  (مدينتان في ضواحي باريس ينتشر فيهما الحجاب والإسلام الراديكالي أيضاً). وفيما يتعلق بعلاقات بعض المنظمات الإسلامية مع الدول الخارجية، قدمت لي كتب جيل كيبيل Gilles Kepel (باحث فرنسي متخصص بالإسلام) مساعدة لا غنى عنها.
سؤال: مرة أخرى كما هو الحال دوماً منذ روايتكم "الجزئيات الأولية" (Les Particules élémentaires)، هناك شعور عميق بأن روايتكم تكشف عيوب مجتمعاتنا بشكل صارخ، وأنها تعمل على تعميقها ومفاقمتها... هناك انزعاج حول الإسلام في فرنسا لدى جزء من السكان على الأقل، وهناك العديد من الديماغوجيين يستغلون هذه الانزعاج. هل تدركون أن البعض يخشون من التأثير الضار الذي قد ينجم عن روايتكم؟
ميشيل ويلبيك: لا. أنا قمت بالتقاط وضع ما، هذا كل شيء. أنا أنجح في الالتقاط لأنه ليست لدي أفكار مسبقة، أنا حيادي. أنا أعمل كما لو أن السياسة التي تلتزم بالمواقف المقبولة من الأغلبية "Politiquement correct" لم تكن موجودة أبداً. أنا لست مثقفاً ينتمي إلى يسار الوسط (ويضحك). ليس لدي أي شيء لأعطيه غير رؤيا للعالم، ولكنني متمسك بإعطائها.
سؤال: إنها رؤيا للعالم يمكن أن تكون مؤثرة، ولاسيما عندما يتم التعبير عنها بقوة...
ميشيل ويلبيك: لا أعتقد. إن الذي يُغيّر العالم هو النصوص الإيديولوجية البحتة بدون شخصيات وبدون تعقيدات من هذا النوع، وبشكل خاص عبر أشياء مختصرة. غيّر المسيح العالم، وكان يُعبّر عن رأيه باختصار. كما أن جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau أيضاً كان يتحدث بقوة من وقت لآخر. ويعرف ماركس أحياناً كيف يفعل ذلك. إن الرواية ليست عملاً ناجزاً "Performatif".
سؤال: ولكن رواياتكم يمكن أن تكون ناجزة، ونحن من الكثيرين الذين يعتقدون ذلك. إن النظرة الويلبيكية (كلمة مشتقة من كنية الكاتب) للعالم تشعبت داخل التيارات المعاصرة، وأحياناً بشكل سيء.
ميشيل ويلبيك: يحث الفن الروائي نفسه على الغموض. إن الشخصية الرئيسية في هذه الرواية ـ وبالتالي كاتب الرواية ـ تغرق في دوامة من النظرة النسبوية "Relativisme" الشاملة؛ إن تأثر هذه الشخصية بالكاتب هوسمانز Huysmans (1848 ـ 1907) لم يساعد في حل الأشياء. بالتأكيد، لا يمكن تغيير العالم بهذا الشكل. يمكن تغيير العالم مع القناعات البسيطة والعنيفة والمُصاغة بوضوح.
سؤال: أنتم تثقون بذكاء الناس...
ميشيل ويلبيك: على أي حال، أنا أثق بذكاء الطبقات الشعبية أكثر من ثقتي بالنخب. أنا هادئ: ربما ستحرض هذه الرواية على الجدل لدى أولئك الذين يكسبون حياتهم عبر الجدل، ولكن الجمهور سيستقبلها باعتبارها كتاباً استباقياً يتوقع المستقبل دون أية علاقة حقيقة مع الواقع.
سؤال: ولكنهم سيكتشفون أيضاً بعض الأفكار الصاعدة. يعتبر الكاتب رونو كامو Renaud Camus، الذي جعلتمونه في الرواية أحد الذين يكتبون كلمات مارين لوبين، أن "الاستبدال الكبير" Grand Remplacement (المقصود بهذا التعبير استبدال سكان أوروبا المسيحيين بالسكان المسلمين) هو: "الصدمة الأكثر خطورة التي عرفها وطننا منذ بداية تاريخه باعتبار أنه إذا استمر تغيّر الشعب حتى نهايته، فإن التاريخ الذي سيعقبه لن يكون تاريخ الوطن ولا تاريخنا". ما هو رأيكم؟
ميشيل ويلبيك: لا أعتقد أن المشكلة هنا. لم يتطرق كتابي إلى مسألة الهجرة إلا بشكل محدود جداً. الهجرة هي عامل مُسرّع، ولكن الأسلمة تحصل من الداخل.
سؤال: ماذا تقصدون بذلك؟
ميشيل ويلبيك: تستطيع مارين لوبين إيقاف الهجرة، ولكنها لا تستطيع إيقاف الأسلمة: إنها عملية روحانية، وتغير في الموازين، وعودة إلى العامل الديني. لا يتعلق الأمر بالتركيبة العرقية للشعب، بل يتعلق بنظام قيمه ومعتقداته.
سؤال: في روايتكم (خضوع)، يقوم العميد الجديد لجامعة السوربون باعتناق الإسلام، ويقول أنه التقى بعدد قليل جداً من الملحدين خلال حياته. هل تعتقدون حقاً أن الوضع اليوم يمكن أن يرتد لصالح الدين، وأن العودة الحقيقية للعامل الديني ممكنة تحت شكل آخر غير الخيال أو مجرد ردة فعل بحتة؟
ميشيل ويلبيك: نعم، وأرى جيداً أنكم لا تأخذوا هذه الفرضية على محمل الجد، ولكنني أؤمن بها جداً. كان أوغست كونت Auguste Comte (فليسوف فرنسي عاش بين عامي 1798 و1857) قد تنبأ بذلك قبلي. ولكنه كان يعتقد بدين جديد، وأنه هو صانع هذا الدين الجديد. إن الفشل المُضحك لـ "الدين الإيجابي" أنسى الرسالة الأولى لأوغست كونت وهي: استحالة بقاء أي مجتمع بدون دين ما. يبدو لي أنه من الصعب اليوم إنكار العودة القوية للعامل الديني. لقد وُلِد تيار فكري مع البروتستانية، ووصل إلى أوجه خلال عصر التنوير، وأنتج الثورة الفرنسية التي أصبحت اليوم في طور الاحتضار. لم يكن كل ذلك إلا فترة خارجة عن الإطار العام للتاريخ الإنساني. اليوم، مات الإلحاد، وماتت العلمانية، وماتت الجمهورية. في البداية، كان يُفترض أن يكون اسم الرواية "الاعتناق" la Conversion، وكان يُفترض أن يتأثر بطل الرواية بالنعمة الكاثوليكية كما حصل مع هوسمانز قبل قرن من الزمن. يمكن أن يكون ذلك جيداً جداً ومسلياً جداً، كان من الممكن أن يلتقي مع كاثوليكيين اعتنقوا البروتستانتية، وربما كان سينفر من ذلك.
سؤال: في أية لحظة قررتم إدخال الإسلام في الرواية؟
ميشيل ويلبيك: بدا لي ذلك طريقاً مستحيلاً عندما وصلت إلى مشاهد العذراء السوداء La Vierge noire التي تجري في روكامادور Rocamadour  (مدينة في جنوب ـ غرب فرنسا). ولكنني لا أستطيع أن أقول لكم لماذا: أحسست عندها أنني عاجز عن سرد اعتناق الكاثوليكية، وأحسست في الوقت نفسه بمأزق الإلحاد بشكل عنيف.
سؤال: ظاهرياً، يواصل حزب الجبة الوطنية إبراز العلمانية من أجل مواجهة الإسلام إلى درجة جعل فيها المسلمين العاديين أهدافاً حقيقية. ولكن هذا الحزب هو الذي يبرز ويجذب الناس بدلاً من الإسلام الذي تتنبأ روايتكم بانتصاره في مستقبل ما بعد الغد...
ميشيل ويلبيك: لستم مخطئين. ولهذا السبب نحن في وضع لا يمكن تنبؤه بسهولة وفصامي Schizophrène. لأن حزب الجبهة الوطنية أقرب بكثير من قيم المسلمين في العديد من الجوانب بالمقارنة مع قرب الاشتراكيين من المسلمين.
سؤال: يبدو أن أنصار حزب الجبهة الوطنية لا يعرفوا ذلك أبداً.
ميشيل ويلبيك: لا، ولهذا السبب إن الوضع غريب جداً. على صعيد المجتمع، إن المسلمين كما يقال حالياً هم أقرب إلى اليمين أو حتى إلى أقصى اليمين الذي يرفضهم بعنف. إذاً، إن المسلمين في وضع مزعزع. ماذا يمكن لمسلمي فرنسا أن يصوتوا؟ لا يمكنهم التصويت لصالح الاشتراكيين الذي أقروا الزواج المثلي، ولا يمكنهم أيضاً التصويت لصالح أحزاب اليمين التي تريد طردهم. بالتأكيد، سيكون الحل الوحيد بالنسبة لهم تشكيل حزب إسلامي.
سؤال: نحن بعيدون عن ذلك...
ميشيل ويلبيك: هذا مؤسف جداً برأيي. بشكل عام، ينقص الإسلام ممثلين مسموح بهم. على سبيل المثال، من المؤسف أنه ليست هناك سلطة روحية إسلامية لكي تقوم شبيه بدور البابا في الفاتيكان.
سؤال: ولكن هل تم السماح ببروز مثل هؤلاء الممثلين؟ على الصعيد الفرنسي، إن شخصية مثل طارق رمضان (حفيد حسن البنا) تتمتع بشعبية كبيرة لدى المسلمين خلال سنوات عام 2000، ولكن وسائل الإعلام والسلطة حطمتها...
ميشيل ويلبيك: لا يقع على عاتقنا السماح أو عدم السماح ببروزهم. يقع على عاتق الإسلام أن يُنظم نفسه. في الوقت الحالي، انظروا إلى أية عملية تفجير أو اغتيال، ستجدون أن رجال الدين السعوديين يقولون عنها: هذا جيد جداً. يقول لكم البعض الآخر: لا، إنه أمر مناقض كلياً للإسلام. كيف تريدون أن يجد المسلم العادي طريقه هنا؟ ولكنني كنت أتحدث عن سلطات روحية جدية وليس عن أحد المثقفين مثل طارق رمضان. إن مشكلته الحقيقية هو أنه اختار اليسار، وهو موقف خاسر. لو أنه تعاطف مع الأفكار الليبرالية لدى أحزاب اليمين، سيكون اليوم سعيداً مع وسائل الإعلام.
سؤال: في رواية (خضوع)، هل من الصحيح الإشارة إلى تفسير راهن جداً ما بين السطور مع نيتشه؟
ميشيل ويلبيك: بالنسبة لي، نيتشه هو أحد الأشخاص الرئيسيين منذ وقت طويل جداً. أنا معجب به جداً، ولكنه يُزعجني في الوقت نفسه. لقد قرأته كثيراً لدرجة أنه لم يعد يسليني. أنا معجب بفقرة في الكتاب الذي أتحدث فيه عن "ذكاء المومس العجوز"، عندما يرى في المسيحية ديناً أنثوياً.
سؤال: النساء غير مسرورات أبداً في عملكم... إذا لم يكنّ عجائز مذهولات يمتن بسرطان الرحم في روايتكم (الجزيئات الأولية)، فإنهم عاهرات في روايتكم (الرصيف) Plateforme، أو يهتدون إلى نظام تعدد الزوجات في روايتكم (خضوع). كيف تفسرون ذلك؟
ميشيل ويلبيك: أنا لست مقتنعاً أبداً بأن النساء قادرات على الوقوف تحت راية واحدة. من الممكن أن تكتفي بعضهن بمثل هذا النظام. إن مشهد القطار السريع بين مدينتي بواتييه وباريس يتسم بالغموض: هل هناك رغبة بأن نأخذ مكان رجل الأعمال المُرهق أو زوجاته الشابات المتمردات اللواتي يفتقدن للتحلي بالمسؤولية؟ ما الفائدة من الاستقلال الذاتي؟ أنا لا أتمسك بخطاب أنثوي، بل أتمسك بخطاب واقعي. على أي حال، تتصف النقاشات الإيديولوجية بالغموض باعتبار أن النظام الأبوي سينتصر في النهاية من جهة النظر السكانية. عشت لحظة حقيقية من الشك بعد موت فيليب موري Philippe Muray (كاتب وروائي فرنسي عاش بين عام 1945 و2006): كنا في تعارض شبه دائم عندما كان على قيد الحياة، وكنت أشعر بالضيق لأنني كنت معجب جدأً بكتاباته، ولكنني كنت مقتنعاً بأن النظام الأبوي سينتصر على المدى الطويل. أكدت الأحداث بعد موته مباشرة، وبالتحديد بعد انتخاب فرانسوا هولاند، جميع نظرياته بسرعة وباتساع لم يكن ليحلم بها؛ إذاً، نعم، قلت لنفسي أن فيليب موري كان على حق، وأنني كنت مخطئاً تماماً. كنت حزيناً لأنه مات قبل أن يعرف نجاة فالو بلقاسم Najat Vallaud-Belkacem (المدونة: وزيرة التربية والتعليم في فرنسا حالياً). يبدو لي الآن، وهذا لا يقلل من احترامي له، أنه أنا الذي كنت على حق في نهاية المطاف. اختفى الفكر الاشتراكي شيئاً فشيئاً، كما لو أنه لم يكن موجوداً إطلاقاً. لم يكن هناك فكر يميني على الإطلاق، ولكن اليمين وجد نفسه منتصراً دون أن يحارب. في الوقت الذي كان فيه التقدميون يحاولون نشر الخطابات التقدمية ويمارسون الجنس الجماعي بشكل غامض، كان المحافظون يُنجبون بكثرة، وينقلون قيمهم إلى أطفالهم. أصبح هؤلاء الأطفال موجودين الآن، وهم كثيرون ومتنورون بشكل مخيف، ويلبسون القمصان الرياضية، ووصلوا إلى العمر الذي يسمح له بالنشاط على الصعيد الاجتماعي والسياسي. في الحقيقة، أنا لا أقول إلا الأشياء التي يعرفها الناس أصلاً.
سؤال: فيما يتعلق بالسؤال حول مكانة المرأة، إن الرهان لا يتعلق فقط بمصير اليسار بل بالثقافة الغربية بأكلمها. إن نظام الزواج بشريك واحد فقط هو من اختراع  المسيحية إلى حد ما، كما يقول دوني دوروجمون Denis de Rougemont (فيلسوف سويسري عاش بين عامي 1906 و1985)...
ميشيل ويلبيك: لحسن الحظ، تمكنت الكاثوليكية من السيطرة بسرعة على هذا الجانب المزعج من المسيحية. (يضحك). وهكذا عدنا إلى نظام بطريركي صلب. في الحقيقة، أنا لا أحب المسيح إطلاقاً. إنه شخصية كريهة بالنسبة لي، ولكنني معجب في بوذا.
سؤال: هل تصلبه هو الشيء الذي لا تحبه؟
ميشيل ويلبيك: لقد خرّب المجتمع الذي يعيش فيه بدون جدوى. إنه ثوري قليلاً بأحد المعاني. أنا لا أحب هؤلاء الأشخاص.
سؤال: ولكنكم أنتم أيضاً شخصية محافظة غريبة... في عملكم على أي حال، أنتم تبحثون دوماً عن حلول طوباوية مستوحاة من أفكار رجعية.
ميشيل ويلبيك: ولكن نعم، أنا محافظ! عندما ينجح شيء ما، أتمنى الحفاظ عليه. إنه ليس موقف سياسي، إنه أكثر عمومية من ذلك. الشخص المحافظ هو الذي يحاول تقليل الجهد. إذا نجح شيء ما، نتركه على حاله دون تعديل. عندما ينجح زواج ما بنسبة 50 %، نتركه دون تعديل، وهذه معجزة بحد ذاتها. إن النزعة المحافظة مشتقة من الكسل والتشاؤم. ولكن إذا لم ينجح شيء ما، أو لم يعد ناجحاً، فإن الشخصية المحافظة تتحول إلى شخصية ثورية، وتصبح مستعدة لتغيير كل شيء والمضي إلى ما هو أبعد بكثير من التقدمي. أنا أدرك أنني أضجرت الجميع اليوم مع الديموقراطية المباشرة، ولكنني أؤمن بها حقاً: أصبح نظام الأحزاب والديموقراطية التمثيلية مُتعباً، ونحن بحاجة إلى تغيير النظام. من الخطأ الاعتقاد بأن الديموقراطية المباشرة هي طوباوية بعيدة المنال. أمضيت مؤخراً ليلة السنة الجديدة عند صديق اسباني، وهو الذي أهديته روايتي (إمكانية جزيرة) La Possibilité d’une île، واندهشت جداً عندما أدركت أنه أصبح أحد الدعاة الإيديولوجيين للحركة اليسارية بودوموس Podemos. أنا موافق على الكثير من الأشياء التي يؤيدها مثل: اللجوء إلى الاستفتاء، إمكانية إبعاد المسؤولين السياسيين... لم يمض على وجود هذه الحركة إلا عام واحد، وهي اليوم القوة السياسية الأولى في اسبانيا في استطلاعات الرأي! عندما تصل الأمور إلى هذه الدرجة من الفساد، يمكن أن تبدأ التحولات بسرعة.
سؤال: رحّب بكتابكم قبل صدوره كل من الفيلسوف آلان فانكيلكرو Alain Fenkielkraut، والموقع الإلكتروني العلماني المقرب من اليمين المتطرف Riposte laïque ومن الفرنسيين من أصول فرنسية، وبعض المواقع الإلكترونية الفاشية الأخرى. ألا تخشون أن تكون روايتكم (خضوع) عرضة للاستخدام من قبل بعض الأشخاص الذين تختلف أهدافهم السياسية عن هدفكم؟
ميشيل ويلبيك: قرأت قبل قليل المقابلة التي أجراها ألان فانكيلكرو حول روايتي، ووجدتها ممتازة. إنه ليس متفائلاً جداً حول إمكانية استخدامي لغايات أخرى. إن روايتي غامضة بشكل أساسي، ويمكن النظر إليها ككتاب يائس أو ككتاب متفائل. على أي حال، يبدو أنه من الممكن إعادة بناء بعض الأشياء الودية تماماً مع المسلمين. إن التسوية ممكنة بين الكاثوليكية الصاعدة والإسلام. ولكن يجب أن ينكسر شيء ما من أجل تحقيق ذلك، وهذا الشيء هو الجمهورية.
سؤال: ولكن هناك سوء تفاهم منذ البداية حول تلقي أعمالكم. لقد احتفى بها اليسار وبعض أجهزته الشبابية لفترة طويلة، ولكن أعمالكم أشاعت احتقاراً حقيقياً للنزعة التقدمية المبالغ بها Progressisme إلى درجة التمني بموت اليسار بأكمله. كيف تفسرون ذلك؟

ميشيل ويلبيك: من المحتمل أنها موهبتي التي جعلت من المستحيل اعتباري عدواً ممكناً. كما أنني لا أشبه العدو الكلاسيكي لليسار. أنا لا أنتهك السياسة التي تلتزم بها الأغلبية؛ وأعالجها كظاهرة غريبة وشاذة أراها من بعيد جداً كما لو أنها لا تتعلق بي فعلاً. يسمح لي ذلك بمعالجة الأمور بدعابة وجدية في آن معاً. أنا أطرح بعض الأسئلة التي لا يستطيع اليسار الإجابة عليها، ولا حتى اليمين. إن الذي يهمني حقأً هو السؤال المتعلق بمعرفة فيما إذا كان العالم مُنظم أو لا. أنا أتعامل مع الدين بجدية. أنا أتعامل مع النزعة المادية بجدية. إن هذا المزيج بين الدعابة والجدية هو الذي جعلني أتجاوز جميع المصاعب والانتقادات.