الصفحات

الخميس، 23 تموز، 2015

(طريق إيران نحو الغرب يمر عبر جنوب القوقاز)

يتراجع الاهتمام أكثر فأكثر بالشرق الأوسط وحروبه ونزاعاته المستمرة لصالح جنوب غرب آسيا، ولم يعد النفط العربي يحظى بالاهتمام الذي كان يحظى به سابقاً، واصبح النفط في إيران والقوقاز أكثر أهمية وأماناً بالمقارنة مع النزاعات المستمرة في الشرق الأوسط. يعني ذلك أن انتظار الحلول الخارجية لهذه النزاعات سيطول كثيراً.

(طريق إيران نحو الغرب يمر عبر جنوب القوقاز)
صحيفة اللوموند 9 تموز 2015 بقلم  غايدز ميناسيان Gaïdz Minassian

     في الوقت الذي دخلت فيه المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني مرحلتها الأخيرة بهدف التوصل إلى اتفاق، تتساءل الأطراف المعنية حول العوائد الجيو ـ اقتصادية التي يمكن أن تجنيها من إعادة طهران إلى الرهان الدولي. إذا نجحت إيران في تطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي، فإن مسألة توزيع ثرواتها النفطية والغازية ستحتل المرتبة الأولى في أولويات جميع المستثمرين. تحتل إيران المرتبة الرابعة في احتياطي النفط العالمي والمرتبة الثانية في احتياطي الغاز العالمي.
     ما العمل بهذا الاحتياطي الهائل في المصادر الطبيعية في حال رفع العقوبات الدولية؟ أصبحت البنى التحتية الصناعية في إيران بالية، ويجب أن تقوم طهران بتحديثها وإيجاد أسواق التصريف ولاسيما في الغرب. لكن يبدو أن جميع الطرق مغلقة في هذا الاتجاه باستثناء جنوب القوقاز (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا). من الغرب، هناك المناطق الخاضعة للدولة الإسلامية التي تمنع أي مشروع واسع النطاق لأسباب أمنية. من الشمال الغربي، هناك مشكلة التنافس مع تركيا، وهي مشكلة تتعلق بالحصول على صفة القوة الإقليمية. من الجنوب (قناة السويس ورأس الرجاء الصالح)، إن التكاليف مرتفعة جداً.
      إذاً، لم يبق إلا جنوب القوقاز الذي يمكن أن يمر عبره النفط والغاز الإيراني وبقية مشاريع الاتصالات باتجاه أوروبا الغربية والشمالية. إن هذا الممر من الجنوب إلى الشمال يقترح طريقين: الأول، أرمينيا ـ جورجيا ـ البحر الأسود، والثاني، أذربيجان ـ جورجيا ـ البحر الأسود. لكن هذا الممر يصطدم بالنزاع حول مرتفعات كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان من جهة، وبالتوتر بين إيران وأذربيجان (هناك ما بين 14 إلى 17 مليون إيراني من أصول أذرية في شمال إيران، ولم يتحدد وضع بحر قزوين). تميل إيران باتجاه الطريق الأرمني ـ الجورجي، وألمح العديد من مسؤولي النظام الأصولي إلى ذلك مُعتبرين أن هذا الطريق "المسيحي" سيكون أكثر أماناً لأنه أقل كلفة وسيسمح بالحفاظ على الورقة الرسمية المتمثلة بـ "الحوار بين الحضارات". إن أرمينيا هي الدولة المسيحية الوحيدة المجاورة لإيران.
     لم يتقرر أي شيء في طهران حتى الآن على الرغم من النوايا الإيرانية الحسنة وترحيب الدول الغربية، كما أن فرضية كسر العزلة الاقتصادية عبر الممر من الجنوب إلى الشمال تصطدم بالارتياب الروسي. في هذا الخصوص، ليست هناك إلا قلة نادرة من المراقبين الذين ربطوا بين المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني ومفاوضات الشراكة الشرقية بين الاتحاد الأوروبي والدول الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفييتي (روسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدافيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان). إلى حد ما، إن التوقيع على اتفاق الشراكة بين هذه الدول ذات السيادة والاتحاد الأوروبي يستبق الخارطة العالمية الجديدة في حال تطبيع العلاقات بين إيران ومجموعة الست. انتبهت روسيا إلى هذا الأمر، وبذلت كل ما بوسعها لمنع أرمينيا وأوكرانيا من التوقيع على هذا الاتفاق الجديد للتعاون بين الاتحاد الأوروبي وهذه الدول التي تعيش مرحلة ديموقراطية انتقالية. من المعروف أن روسيا فشلت في أوكرانيا، ووقعت كييف على اتفاق مع بروكسل. لكن فيما يتعلق بأرمينيا الحليف التقليدي لروسيا، مارست موسكو الضغوط على نظام سيرج ساركيسيان لكي ينضم إلى الاتحاد الأوراسي، وحصلت من أريفان عام 2013 على اتفاق ينص على سيطرة شركة غازبروم على جميع مستوردات أرمينيا من الغاز حتى عام 2043.
      لم تغلق موسكو الباب أمام مشروع مرور النفط والغاز الإيراني عبر أرمينيا بشرط أن تستفيد منه. تريد موسكو أيضاً تجنب أن تسبقها الدول الغربية كما حصل خلال سنوات حكم الرئيس يلتسين (1991 ـ 2000) أثناء التوقيع على اتفاقات بناء الأنابيب بين الشركات الغربية وأذربيجان. بالنسبة لموسكو، إنها لا تريد بأي شكل من الأشكال أن تعيش مرة آخرى كابوس الممر من الجنوب إلى الشمال كما حصل مع الممر بين الشرق والغرب.
      فيما يتعلق بالغرب، إن مصالحة ثلاثية الأبعاد. أولاً، الاستفادة من الثروات الإيرانية عبر تطوير الممر من الجنوب إلى الشمال. ثانياً، تنويع مصادره في الحصول على الطاقة من أجل الأسواق الأوروبية. ثالثاً، السماح لجنوب القوقاز بأن يكون مفترق طرق حقيقي. إن هذا الوضع كمفترق طرق أكثر أهمية بالنسبة للدول الثلاثة في جنوب القوقاز لأنه سيسمح لها على المدى الطويل بالارتباط مع آسيا ولاسيما مع الصين التي تتزايد مشاريعها التنموية في دول آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية وإيران. إن طهران من الشركاء المميزين للصين، وتهتم بمشروع "طريق الحرير الجديد" الذي أطلقه الصينيون بعيداً عن أية تبعية للولايات المتحدة.
      من وجهة النظر هذه، إذا نفذ الصينيون جميع مشاريعهم الكبيرة باتجاه آسيا الوسطى والباكستان وإيران، فإنهم سيصلون إلى جنوب القوقاز الذي يتواجد فيه المستثمرون الصينيون حالياً. وبهذه الطريقة، سيختزل الصينيون المسافة الجغرافية التي تفصلهم عن الأسواق الأوروبية. سيسمح ذلك للصينيين أيضاً بتجنب منطقة القراصنة على السواحل الصومالية والمناطق الصعبة في مضيق باب المندب وقناة السويس أو حتى الطريق المُكلف عبر جنوب أفريقيا. إن افتتاح هذا الممر من الجنوب إلى الشمال عبر جنوب القوقاز يعتمد على تسوية الملف النووي الإيراني، وهو الأفق الذي سيرسم ملامح عالم أصبح صينياً ـ أمريكياً.