الصفحات

الاثنين، 3 آب، 2015

(مايكل هايدن: "العراق لم يعد موجوداً، وكذلك سورية")

 صحيفة الفيغارو 6 تموز 2015 ـ مقابلة مع المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA ووكالة الأمن القومي NSA مايكل هايدن Michael Hayden ـ أجرت المقابلة مراسلتها في واشنطن لور ماندفيل Laure Mandeville

     كان مايكل هايدن جنرالاً في سلاح الجو الأمريكي، وكان في مركز أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلال رئاسة بوش. كان رئيس وكالة الأمن القومي NSA (1999 ـ 2005)، ونائب رئيس لجنة تنسيق الاستخبارات في إدارة الاستخبارات الوطنية DNI (2005 ـ 2006)، ورئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية (2006 ـ 2009)، ويعمل حالياً مستشاراً في شركة Chertoff الخاصة التي تعمل في مجال الأمن الصناعي.

سؤال: تسلمتم رئاسة وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات الأمريكية خلال فترة مضطربة بين عامي 1999 و2009. هل أصبح عالم اليوم أكثر خطورة؟
مايكل هايدن: رأيت عالماً أكثر خطورة خلال عملي العسكري مثل: أزمة الصواريخ في كوبا، والمواجهة بين الجيوش الأمريكية والسوفييتية في معبر شارلي، وقواتنا النووية المتأهبة خلال أزمة عام 1973 في الشرق الأوسط... ولكنني لم أشاهد إطلاقاً عالماً أكثر تعقيداً من عالم اليوم، ولاسيما في الشرق الأوسط وفي الدولتين اللتين كان اسمهما في الماضي العراق وسورية. هناك الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة والأكراد والسنة والشيعة والعلويون. عندما تبدأون بمعالجة مشكلة تنظيم القاعدة، وتحققون بعض التقدم، فإن بقية الأمور تتفاقم...
سؤال: هل النفوذ الأمريكي في طور التراجع في الشرق الأوسط؟
مايكل هايدن: من الصعب جداً أن تكون هناك سياسة محددة. لننظر إلى الحقيقة أمامنا: لم يعد العراق موجوداً، وكذلك سورية. لبنان شبه مهزوم، وكذلك ليبيا. إن اتفاقيات سايكس بيكو التي وضعت هذه الدول على الخارطة عام 1916 لم تكن تُعبّر إطلاقاً عن الوقائع على الأرض، وتعود هذه الوقائع اليوم لتذكرنا بنفسها بشكل عنيف جداً. ستبقى المنطقة في حالة عدم الاستقرار خلال السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة. لا أعرف إلى أين نذهب، ولكنني أعتقد أن السياسة الهادفة إلى إعادة إحياء هذه الدول لن تنجح.
سؤال: لكن إدارة أوباما ما زالت تحاول الحفاظ على العراق موحداً...
مايكل هايدن: في الحقيقة، إنها السياسة الرسمية لهذه الإدارة. وهذا الأمر يؤثر على قراراتنا حول إعطاء السلاح إلى الأكراد على سبيل المثال. برأيي، الأكراد هم أفضل حلفائنا في المنطقة، وسيبقون أفضل حلفائنا مهما حصل لأن مصلحتهم تقتضي هذا التحالف مع الغرب. لكن إذا حرمنا أنفسنا من بعض الخيارات لأننا نعتقد بأننا قادرون على إعادة إحياء العراق أو سورية، فسنكون السبب في تفاقم المشكلة. هل ترون جيشاً عراقياً على وشك استعادة محافظة الأنبار؟ أنا لا أرى ذلك! هل ترون جيشاً عراقياً قادراً على استعادة الموصل؟ لن يحصل ذلك. إن الجيش الذي استعاد تكريت هو الميليشيا الشيعية المدعومة بالضباط الإيرانيين. فيما يتعلق بسورية، هل تتصورون مستقبلاً يمكنها أن تستعيد فيه توازنها؟ ربما يوجد مقعد سوري أو عراقي في الأمم المتحدة، ولكن هذه الدول تلاشت...
سؤال: هل يمكن تصور دولة عراقية فيدرالية لا مركزية. يعتقد بعض المراقبين أنه هذا هو الحل، لأن القوى الإقليمية مثل إيران والعراق لن تقبل أبداً بكردستان مستقل... من يستطيع دعم هذا المشروع باستثناء الولايات المتحدة؟
مايكل هايدن: الدعم الأمريكي، هذا كثير! أنا أفهم معارضة التفتت... ولكن إذا عدنا للتاريخ، سترون أن العراق كان يتألف من ثلاث ولايات عثمانية هي: ولاية الموصل الكردية وولاية بغداد السنية وولاية بصرى الشيعية. إن ما نسميه اليوم بالعراق لم يكن موجوداً. إن هذه الحقائق القديمة هامة. أكرر مرة أخرى: لا أعتقد أن العراق وسورية سينبعثان من جديد. يجب البحث عن بدائل أخرى. لهذا السبب، أنا أطالب بتسليح الأكراد مباشرة.
سؤال: يستطيع الأكراد الدفاع عن كردستان، ولكنهم غير قادرين على تدمير الدولة الإسلامية. كيف يمكن مكافحتها؟
مايكل هايدن: أولاً، يجب علينا قصفها وإضعافها، لأنها يحق لنا الدفاع عن أنفسنا! يجب استخدام القوة الجوية وقصف المواقع اللوجستيكية ومراكز القيادة والقادة. ثانياً، يجب علينا احتواء توسعها لأن القلق من رؤية الدولة الإسلامية تتقدم باتجاه سيناء أكبر بكثير من القلق الناجم عن سيطرتها على الرقة. يجب علينا حماية حلفائنا المصريين والسعوديين والأتراك والإماراتيين... ثالثاً، يجب علينا مساعدة المسلمين الذين يستطيعون مكافحة الدولة الإسلامية دينياً، لأن هذه المعركة تتعلق بالإسلام في الحقيقة.
سؤال: ماذا تقصدون؟
مايكل هايدن: إن المعركة الدائرة داخل الإسلام حالياً يمكن مقارنتها بالمعركة التي شهدتها المسيحية في القرن السابع عشر خلال حرب الثلاثين عاماً. يعتبر المؤرخون أن تاريخ الحداثة الأوروبية يعود إلى معاهدة وستفاليا Westphalie عام 1648، وظهر حينها مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة. لم يتوصل الإسلام إلى هذه التسوية، وربما لن يتوصل إليها أبداً. لا يمكننا معرفة ذلك. لكننا نُخطئ عندما نقول أن هذه المعركة لا علاقة لها بالإسلام. لنكن واضحين: تتعلق هذه المعركة بالإسلام حتى لو كانت لا تتعلق بالإسلام بأكمله أو بجميع المسلمين! يجب علينا مساعدة المعتدلين.
سؤال: لكن أين توجد هذه القوة المعتدلة في الإسلام؟
مايكل هايدن: إنها موجودة على الهامش. يمثل الرئيس المصري السيسي بديلاً مهما كانت إدارته السياسية قاسية وسيئة. لقد ألقى كلمة هامة في جامعة الأزهر، ودعا فيها إلى ثورة في الإسلام. من المحتمل أنه هذا هو السبب في استئناف مساعدتنا العسكرية إلى القاهرة.
سؤال: هل غياب الحلفاء الموثوقين فعلاً لدى السنة يُفسّر أن إدارة أوباما يبدو أنها تراهن على التقارب مع إيران في حال الاتفاق على الملف النووي؟
مايكل هايدن: يجب طرح هذا السؤال على حكومتنا. برأيي الشخصي، إن عام 1979 بالنسبة لتنظيم القاعدة ولإيران في آن معاً يُكرس المقاربة الإيديولوجية التي تجعل من النزاع مع الغرب قاعدة لا يمكن تجاوزها.
سؤال: لكن إيران دولة لها مصالح قومية على المدى الطويل بشكل يتجاوز  الإيديولوجية...
مايكل هايدن: تساءل كيسنجر في أحد الأيام: هل إيران دولة أم مشروع؟ لست متأكداً بأن النظام الإيراني أجاب على هذا السؤال بشكل قاطع...
سؤال: هل يعني ذلك أنكم قلقون من الاتفاق النووي الذي ربما يتم توقيعه مع طهران؟
مايكل هايدن: أنا قلق جداً. حتى التوقيع على اتفاق جيد سيعطي الشرعية إلى إيران كدولة صناعية نووية قادرة على صناعة السلاح النووي خلال 12 شهراً. وسيسمح باستقبالها ضمن عائلة الأمم، ويرفع العقوبات عنها دون معرفة فيما إذا كان الإيرانيون ينوون فعلاً تغيير سياستهم في الهيمنة وزعزعة استقرار المنطقة...
سؤال: لنتحدث عن أوروبا: هل أدرك الأمريكيون أخيراً أن الإسلام أصبح مشكلة وجودية بالنسبة للأوروبيين، وليس فقط مشكلة إرهاب؟
مايكل هايدن: عندما كنت رئيساً لوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، كان المحللون العاملون معي يفكرون بالسيناريوهات المستقبلية في أوروبا. أتذكر أنه تم طرح سيناريوهين متطرفين: يتصور الأول أن أوروبا أصبحت نوعاً من مدينة الملاهي، وخسرت نفوذها، ولكن من الممتع زيارتها؛ كان اسم السيناريو الثاني: أوروبستان، ويؤكد على الأخطار الناجمة عن أسلمة أوروبا، وهي مشكلة لم يعطها الأمريكيون الاهتمام الكافي.
سؤال: هل أنتم قلقون من النزعة العدوانية الروسية في أوروبا؟
مايكل هايدن: يتصرف بوتين بثقة، ولكنه لا يملك الأوراق اللازمة في رهانه. تمثل هذه النزعة العدوانية مشكلة جدية على المدى القصير وليس على المدى الطويل، لأن روسيا قوة في طور الانحطاط. إن جميع صفات القوة العظمى الروسية في خطر مثل: الصناعة المزدهرة ورجال الأعمال والديموقراطية وحتى الغاز والنفط. إن الوسائل الوحيدة للقوة الروسية تعود إلى العصر السوفييتي أي: الفيتو في الأمم المتحدة وما تبقى من القوة العسكرية والنووية...
سؤال: ذهب بعض النواب الروس إلى درجة التساؤل فيما إذا كان اعتراف روسيا قانونياً باستقلال دول البلطيق...؟
مايكل هايدن: من الصعب القول فيما إذا كان التهديد ضد دول البلطيق حتمياً. هناك شيء يدعو للشفقة في عودة النزعة العدوانية الروسية على حدود الحلف الأطلسي ومحاولة الرهان مرة أخرى على الماضي المجيد. لكنني أعترف بأن العملية العسكرية الروسية في شبه جزيرة القرم كانت تتصف بالحرفية العالية، وهذا يعني أنه يجب أن نكون حذرين جداً ولاسيما على المدى القصير. أريد رؤية مقاربة أمريكية أكثر حزماً في أوكرانيا من أجل منع بوتين من القيام بشيء غبي بسبب مبالغته بقوته.  أنا سأقوم بتسليح الأوكرانيين!
سؤال: هل أصبحت الصين في طور التحول إلى عدو الولايات المتحدة مع سياستها الجديدة في بحر الصين الجنوبي أو على جبهة الحرب على الأنترنت؟
مايكل هايدن: الصين ليست عدواً للولايات المتحدة. لا شك أن العلاقة ستكون تنافسية وربما تكون تنازعية. بالتأكيد، أنا قلق من التحرك العسكري الصيني في بحر الصين ومن تجسسها الإلكتروني على الولايات المتحدة. ولكن يجب عليكم معرفة أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تمضي الكثير من الوقت أيضاً في القلق حول المشاكل الهيكلية للصين وفي تقدير قوتها... لتلخيص التحديات التي تنتظرنا، يمكنني القول أن الخطر الفوري هو الدولة الإسلامية، وهو خطر جدي ولكنه ليس حيوياً بالنسبة للولايات المتحدة. تمثل إيران ومسألة انتشار السلاح النووي تهديداً أكثر جدية، ولكن ما زال أمامنا القليل من الوقت. تمثل الصين التهديد الأكثر جدية، ولكن ما زال أمامنا وقت أطول. إن الصين ليست عدونا، ولكنها السؤال الأكثر أهمية من أجل مستقبل السلام الشامل.