الصفحات

الاثنين، 17 آب، 2015

(الملف النووي الإيراني: ماذا بعد الاتفاق؟)

صحيفة الليبراسيون 7 آب 2015 ـ بقلم مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية European council on Foreign Relations مارك ليونارد Marc Leonard

     إذا صادق الكونغرس الأمريكي على الاتفاق مع إيران (وهذا غير مؤكد)، فإنه لن يبعث على الكثير من الأمل بالسلام في المنطقة المشتعلة في ليبيا وسورية واليمن. ما هو تأثير هذا الاتفاق حول الملف النووي على هذه المنطقة المشتعلة؟ يتمثل السيناريو الأكثر كارثية في أن تتصرف إيران كما يحلو لها، وأن يتمكن المرشد الأعلى وحرس الثورة من زرع الفوضى في المنطقة دون رادع. هل سيتمكن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من التأثير على السياسة الإيرانية في المنطقة بشكل أكثر فعالية عن طريق "سياسة الانخراط" بدلاً من "سياسة الاحتواء"؟ هل يمكن أن تقوم إيران بدور بناء في المنطقة؟ ما زالت هذه الأسئلة بدون جواب.
     يشعر الذين يزورون طهران بالدهشة من الطابع المعقد جداً للسياسة والمجتمع الإيراني. تكمن المفارقة في أن الثورة الدينية أفرزت المجتمع الأكثر علمانية في المنطقة. إن أكثر من سبعين بالمئة من الإيرانيين ولدوا بعد الثورة الإيرانية، وهم أكثر براغماتية واعتدالاً وانفتاحاً تجاه الغرب بالمقارنة مع بقية الدول في الشرق الأوسط. إذا أردتم فهم انحطاط القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، فيجب الذهاب إلى طهران. أصبحوا قلة نادرة أولئك الذين يهتفون "الموت لأمريكا!"، وعندما نسمع هذا الهتاف، فإنه يعكس الحنين أكثر من كونه صرخة من أجل مستقبل إيران.
     اجتمعت في العام الماضي مع بعض الضباط الإيرانيين الذين أكدوا لي أن الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم أصبحت في طريقها نحو ولادة نظام متعدد الأقطاب. إنهم يعتبرون أن الولايات المتحدة لم تعد الشيطان الأكبر، وأن السعودية هي الشيطان الأكبر. يشتكي الإيرانيون من السعوديين الذين يحفرون الآبار النفطية أكثر فأكثر من أجل تخفيض سعر النفط وإضعاف إيران. كما يشعرون بالقلق من التعاون العسكري المكثف بين دول مجلس التعاون الخليجي، ومن تصاعد قوة السعودية في أفغانستان والعراق ولبنان وسورية. ألاحظ هنا وجود المخاوف نفسها في الرياض. يعيش السعوديون هاجس الخوف من النشاط الإيراني في البحرين والعراق ولبنان وسورية واليمن. تدل هذه المواجهة بين إيران والسعودية على وجود شرق أوسط جديد تتواجه فيه القوى المحلية التي أصبحت مستقلة. لم تعد واشنطن هي التي تحدد وتدافع عن النظام الإقليمي: تُعتبر الولايات المتحدة اليوم كمصدر تستخدمه طهران والرياض في الصراع القائم بينهما. ما هو الدور الذي يمكن أن تأمل به الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الشرق الأوسط الجديد؟
     من غير المؤكد أن يصوت الكونغرس على الاتفاق النووي مع إيران، ويجب على أوباما ألا يدخر جهداً من أجل طمأنة الرياض وتل أبيب حول أن الولايات المتحدة لن تتخل عنهما لمصلحة طهران أو لتوجيه اهتمامها نحو آسيا. من الممكن أن تواصل الولايات المتحدة تنسيق ضرباتها مع إيران ضد الدولة الإسلامية في العراق وسورية، ولكنها ستحرص على العمل بحذر لكي لا يتم توجيه الانتقادات لها بأنه متساهلة جداً مع إيران.
     إن الرهانات في هذه المنطقة أكثر أهمية بالنسبة لأوروبا بالمقارنة مع الولايات المتحدة، وهناك عراقيل أقل في علاقات أوروبا مع دول المنطقة. أشار الباحث المتخصص بالشأن الإيراني إيلي جيرانمايه Ellie Geranmayeh في تحليل هام بعنوان: (Engaging with Iran: a european agenda) إلى وجود فرصة تاريخية لبناء استراتيجية إقليمية على أساس الاتفاق المتعلق بالملف النووي الإيراني. تستطيع الممثلة الأوروبية العليا للشؤون الخارجية والأمنية فيدريكا موغريني أن تستفيد من المفاوضات حول الملف النووي من أجل فتح سفارة أوروبا في طهران، والتفكير بالطريقة الملائمة لكي تتمكن العلاقات الاقتصادية من تشجيع الانفراج في العلاقات الثنائية. لكن يجب عليها أيضاً التفكير بإمكانية إعادة تشكيل مجموعة 3+1 (فرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي) لكي لا تركز جهدها على الملف النووي بل على عملية السلام في الشرق الأوسط.
     على المدى الطويل، يجب محاولة إيجاد الحلول للتخفيف من التوتر بين إيران والسعودية، الأمر الذي يتطلب إعادة مناخ الثقة والأمن في اليمن، وتنسيق حملة مكافحة الدولة الإسلامية في العراق وسورية، ومناقشة المسائل الشائكة الأخرى مثل الدور الذي يلعبه حزب الله أو حتى العلاقات مع إسرائيل. بشكل عام، لا بد من بعض الوقت للتوصل إلى نتيجة. تعيش طهران والرياض في الوقت الحالي فترة من عودة الحظوة، وما ستربحه العاصمتان أكثر مما ستخسرانه. أظهر التوقيع على الاتفاق مع إيران أهمية استراتيجية الصبر. يجب الآن التحلي بالابتكار الدبلوماسي نفسه إذا أردنا التوصل إلى السلام في المنطقة. يجب على أوروبا والولايات المتحدة ودول المنطقة الغارقة في نزاع لا يمكن لأي طرف الانتصار فيه أن تأمل بإنهاء النزاع قبل أن تبدأ حرباً جديدة لمدة ثلاثين عاماً تجتاح المنطقة بأسرها.