الصفحات

الثلاثاء، ٣ أيلول ٢٠١٣

("استقبلني أمام مدخل أحد البيوت في غابة صنوبر")

صحيفة الفيغارو 3 أيلول 2013 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     جرت المقابلة في الموعد المحدد بالضبط الساعة العاشرة صباح  يوم الاثنين 2 أيلول خارج القصر الرئاسي في منزل يقع في غابة صنوبر على أحد هضاب دمشق. عبرنا حاجزاً واحداً فقط قبل الوصول. كانت الإجراءات الأمنية المحيطة تبدو في حدها الأدنى، ولم أتعرض للتفتيش. أخذوا فقط هاتفي الجوال وآلة التسجيل. جاء بشار الأسد ليستقبلني على المدخل. دخلنا إلى مكتب كبير مُزين باللوحات. تبادلنا بعض الكلمات حول زياراتي إلى سورية منذ عشرين عاماً، ثم بدأت المقابلة  التي ترجمها وزير الثقافة. أعطاني المحيطون به فترة ثلاثين إلى أربعين دقيقة تقريباً لإجراء المقابلة، ولكنها استمرت في النهاية ثلاثة أرباع الساعة. طرحت الأسئلة التي كنت أريد طرحها، وكنت أقاطعه عندما أعتبر ذلك مفيداً.

     طلب مني المحيطون به مساء يوم الأحد 1 أيلول إرسال خمسة أسئلة مكتوبة، أجبتهم أن الوقت قصير. قمت بتجميع أسئلتي حسب المواضيع. قالوا لي أنني أرسلت 19 سؤالاً! في النهاية، طرحت 32 سؤالاً بدون أية مشكلة. بقي بشار الأسد هادئاً جداً طوال المقابلة، وفي النهاية رافقني إلى درج المدخل، وطلب مني متى سيتم نشر المقابلة. لم تكن تظهر عليه علائم القلق، ولكنه كان مهتماً جداً بالتحدي مع باراك أوباما. إن ظهور رئيس الدولة السورية بدون حراسة أمنية مرئية حوله، يعني أنه يريد إظهار عدم اختبائه في غرفة محصنة. قيل لي أنه قام بالشيء نفسه خلال المقابلات التي أجراها في الأشهر الأخيرة.

(توفير المعلومات، بكل بساطة)

افتتاحية صحيفة الفيغارو 3 أيلول 2013 بقلم مدير التحرير أليكسيس بريزيه Alexis Brézet

     بشار الأسد ليس دكتاتوراً عادياً: إنه طاغية عنيد اختار متعمداً قمع تمرد شعبه بالدم عبر وسائل وحشية. ولكن قسوته الحاقدة في هذه المنطقة من العالم المعتادة على أسوأ الأمور تمثل دافعاً للإدانة بالإجماع. إنه أفضل حلفاء إيران وحزب الله، ولهذا السبب هو حلقة أساسية في المحور الراديكالي الذي يهدد التوازن في الشرق الأوسط. أخيراً، قال لنا بصراحة أن فرنسا تتصرف "كعدو"...
     من أجل كل هذه الأسباب الوجيهة، هل يجب علينا التخلي عن فتح صفحات صحيفة الفيغارو أمامه؟ هل كان يجب رفض نشر المقابلة التي أجراها معه مراسلنا الخاص جورج مالبرونو، لأن كلامه يحمل تهديداً وصمته مرعب؟ لا، بالتأكيد لا! إن إتاحة الفرصة للكلام لا تعني الموافقة عليه ولا ضمانة له، بل توفير عنصر أساسي لقرائنا والرأي العام الفرنسي والدولي من أجل فهم المأساة المعقدة. في هذا العالم الذي تختفي فيه المعلومات غالباً وراء التعليقات، هذا هو الدور الهام لصحيفة كبيرة مثل الفيغارو. أي أن نكون في المكان الذي تدور فيه الأحداث، ورواية الأحداث، وإعطاء الكلام إلى الأطراف المعنية، وتوفير المعلومات بكل بساطة.

     بالتأكيد، نحن لسنا أغبياء. وليس من قبيل الصدفة أن يختار الدكتاتور السوري التوجه إلى صحيفة فرنسية كبيرة عشية النقاش البرلماني الذي يقسم الرأي العام الفرنسي والطبقة السياسية. من الممكن الاعتقاد مثل البعض بأنه من الضروري الإسراع بالتدخل عسكرياً في سورية من أجل "معاقبة" مجرم والقيام بضربة رمزية لإيقاف انتشار الأسلحة الكيميائية. من الممكن اعتبار ـ وهذا هو رأي الفيغارو ـ أن التدخل العسكري خارج القانون الدولي سيؤدي بالتأكيد إلى تفاقم جميع مصائب المنطقة (ونفكر بنتائج ذلك على إسرائيل والأقليات المسيحية) دون القضاء على أي منها. ولكن من أجل تكوين رأي، يجب امتلاك جميع أجزاء الملف، وهذا هو أحدها. والقرّاء هم الحكم.

(التدخل في سورية: ما هي المصلحة؟)

صحيفة الفيغارو 2 أيلول 2013 بقلم الكاتب رولان هورو Roland Hureaux

     إذا كانت الأزمة الدولية المتعلقة بسورية ستتفاقم بعد التدخل المتوقع حالياً من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، فإننا نبحث عبثاً عن المصالح الرئيسية التي تدفعهم لهذه المخاطرة المرعبة في هذه القضية، ولاسيما من قبل بلدنا. النفط؟ لا يوجد نفط في سورية. مصالحنا التاريخية؟ إن المقصود فيها بشكل خاص هو حماية المسيحيين، وهذا سيقودهم إلى دعم نظام الأسد الذي يقوم بذلك بشكل أفضل من أي طرف آخر. الدفاع عن إسرائيل؟ من المعلوم للجميع أن زعماءها منقسمون حول المسألة السورية: لا يتمنى جزء منهم، في حال سقوط الأسد، رؤية الإسلاميين أو تركيا على مسافة مئة كيلومتر من القدس. وهذا أمر مفهوم. من جهة أخرى، هل سبق أن قامت سورية بتهديد إسرائيل منذ أربعين عاماً أثناء حكم عائلة الأسد؟
     هل الهدف تدمير حزب الله الذي يتحالف مع إيران، ويُهدد إسرائيل؟ ولكن اتساع النزاع إلى جميع أنحاء سورية وخارجها بلا شك، ألا يمثل تحولاً كاملاً لا يتناسب مع مثل هذا الهدف؟ هل الهدف تحطيم الهلال الشيعي الذي يُحيط اليوم بالشرق الأوسط من لبنان إلى إيران؟ ولكن لم يكن بإمكان هذا الهلال أن يظهر إلى الوجود لولا حرب العراق ووصول الشيعة إلى الحكم: ألم يكن هناك ما يكفي من مراكز الدراسات الأمريكية لكي تتوقع بأن تطبيق قاعدة الأغلبية في هذا البلد سيؤدي إلى هذه النتيجة؟ من جهة أخرى، هل يجب علينا التعصب للمصالح السنية؟
     هل الهدف هو احتواء روسيا؟ ولكنها هي أيضاً في موقع دفاعي. لقد اضطرت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى التخلي عن أغلب مواقعها في أوروبا والعالم: أنغولا وموزانبيق والصومال واليمن والخ. من الناحية الجغرافية، تخشى روسيا بشكل مشروع من اتساع الإسلاموية (ولهذا السبب دعمت التدخل الأمريكي في أفغانستان)، وحددت بوضوح خطاً أحمراً في سورية: إنها لن تتسامح بإسقاط نظام الأسد دون أن تتحرك. إنه تحذير واضح، ومن المقلق جداً أننا لا نسمعه.
     يجب الحذر أيضاً من دبلوماسية حقوق الإنسان. لم يعد هناك إلا هذا الدافع لتفسير التصعيد الذي تمارسه الدول الغربية، بسبب عدم وجود مصلحة واضحة تتناسب مع حجم الخطر. إن الخطاب الإعلامي الذي يروجه الحزب الإشتراكي في فرنسا، يقارن يوماً بعد يوم الأسد مع هتلر. ولكن هذه المقارنة لا معنى لها. كان هتلر يريد غزو العالم، ولا يريد الأسد غزو أي شيء، بل يريد فقط أن نتركه بسلام. كانت لديه في السابق نزعة لامتصاص لبنان ضد مصالحنا، ولكن هذه النزعة انتهت، ولم نغضب منه كثيراً، وكان ضيف الشرف في العرض العسكري بتاريخ 14 تموز 2008. بدأ هتلر حملة لتصفية الأقليات جسدياً، ولاسيما اليهود في أوروبا. ولكن على العكس في سورية، يحمي نظام الأسد منذ أربعين عاماً الأقليات في سورية بشكل أفضل من أي طرف آخر، والمعارضين الأكثر راديكالية على الأقل هم الذين يريدون تصفية الأقليات.
     إن نظام الأسد بعيد جداً عن أن يكون نظاماً مثالياً: إنه يواجه حرباً أهلية مدعومة من الخارج، ولجأ إلى وسائل وحشية للدفاع عن نفسه (دون التأكد من مسؤوليته عن استخدام الغازات السامة)، ولجأ أعداؤه للوسائل نفسها أيضاً. ولكن هذا النظام لم يكن في الأساس إلا دكتاتورية عسكرية تقليدية مثل الأنظمة التي تسامح معها الغرب خلال عدة سنوات في جميع أنحاء العالم تقريباً، كما قام الغرب بإنشاء بعض الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية قبل فترة ليست بعيدة. انهارت أوهام "الربيع العربي" منذ عدة أيام، إنه نفس نوع النظام الذي عبّر الكثيرون عن ارتياحهم لعودته في مصر.
     لا شك أنه من طبيعة دبلوماسية حقوق الإنسان، لأنها هستيرية وغير ناضجة، أن تعتمد على تحليل متحيز للحقائق وتقترح تصحيحها. ولكن حتى لو كان هذا التحليل غير متحيز، فإن هذه الدبلوماسية تبقى خاطئة في مبدئها. إن الدبلوماسية الناضجة يجب أن تكون دبلوماسية تقودها مصالحنا فقط. كان التدخل الأخير في مالي ضمن هذا الإطار. يبدو على هذه الدبلوماسية أنها أنانية، ولكنها في الحقيقة الدبلوماسية الأخلاقية الوحيدة. أولاً، لأننا انتخبنا قادتنا من أجل الدفاع عن مصالحنا. ثم لأنها الوسيلة الأفضل للحد من المخاطر: من الممكن التوصل دوماً إلى تسوية انطلاقاً من المصالح المفهومة جيداً، ولا يمكن التوصل إطلاقاً إلى تسوية انطلاقاً من المبادىء والإيديولوجيات.
     تقود دبلوماسية المبادىء بشكل مباشر إلى الهلاك وراء مظاهر التفوق الأخلاقي، "من يصنع الملاك، يصنع الوحش". إن الانخراط في قضية خطيرة مثل الحرب، ولاسيما في أرض محفوفة بالمخاطر مثل الشرق الأوسط، دون إمكانية الاستفادة من مصلحة واضحة، يُمثل مؤشراً على خلل خطير في العقول.


(هنري لورانس: "لا يجب أن تكون العملية ضربة سيف بالماء")

صحيفة الفيغارو 29 آب 2013 ـ مقابلة مع رئيس قسم التاريخ المعاصر في الكوليج دوفرانس هنري لورانس Henry Laurens ـ أجرى المقابلة ماري ليتيسيا بونافيتا Marie-Laetitia Bonavita

سؤال: هل التدخل في سورية أمر جيد؟
هنري لورانس: إن دوري ليس إعطاء العلامات الجيدة أو السيئة. إن هذا التدخل يتعلق بمصداقية المجتمع الدولي أكثر من كونه رداً على الأعمال التي ارتكبتها الحكومة السورية منذ سنتين ونصف ومقتل أكثر من مئة ألف شخص، وذلك نظراً لأن باراك أوباما حدد استخدام الأسلحة الكيميائية كـ "خط أحمر" لا يجب على النظام السوري أن يتجاوزه.
سؤال: ما هي الأخطار العسكرية لمثل هذا التدخل؟
هنري لورانس: تعتمد هذه الأخطار بشكل كامل على طبيعة التدخل. لا يوجد أخطار إذا كانت العملية عبر الصواريخ بعيدة المدى باستثناء الكلفة المالية. بالمقابل، إن التدخل بالطائرات يحمل خطراً حقيقياً نظراً للمستوى الجيد جداً لوسائل الدفاع الجوي السوري التي نجحت قبل عدة أشهر بإسقاط طائرة تركية. هناك خطر آخر ليس أقل أهمية هو الكلفة البشرية في حال أدى قصف الأسلحة الكيميائية إلى تناثر الغازات الموجودة فيها. من أجل تجنب هذا الخطر، يجب الاقتصار على قصف الصواريخ التي تسمح بنقل الغازات الكيميائية، ولكن يجب معرفة مكانها. من الممكن أن يتركز الهجوم أيضاً على مراكز القيادة السورية، وهو أمر يمثل رمزاً هاماً، أو قصف أماكن المواجهات بين القوات المسلحة والجيش السوري الحر. في هذه الحالة، من الأفضل الابتعاد عن الجبهة الشمالية التي يسيطر عليها الجهاديون، والتركيز على الجبهة الجنوبية التي يتواجد فيها الجيش الحر الذي تدربه الولايات المتحدة والأردن والسعودية، ويستفيد من بعض الإشراف الخارجي. إن القيام بهجوم ينطلق من الجنوب ربما يؤدي إلى تجاوز العقبة التي تعرقل الطريق إلى دمشق التي يُسيطر عليها جيش بشار الأسد.
سؤال: إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من الجانب العسكري، هل من مصلحة الغرب القيام بمثل هذا التدخل؟
هنري لورانس: إن هذا التدخل هو عمل سياسي هام بالنسبة للولايات المتحدة. صحيح أن الرأي العام الأمريكي يعارض هذه العملية، ولكن باراك أوباما يخاطر هنا بمصداقية الولايات المتحدة في العالم. عندما نقوم بتحديد خط أحمر، ونظهر عاجزين، فإننا نفقد أية سلطة لممارسة النفوذ في العالم. بالنسبة للغرب بشكل عام، إن الخطر بمعاقبة نظام بشار الأسد بسبب تجاوزه للخط الأحمر مع استخدام الأسلحة الكيميائية، هو توجيه رسالة إلى نظام بشار الأسد بأنه يستطيع قتل شعبه بشكل آخر غير الأسلحة الكيميائية. عندها، سيكون هذا التدخل ضربة سيف في الماء.
سؤال: ما هو الرد المنتظر من قبل فلاديمير بوتين الذي يدعم النظام السوري؟
هنري لورانس: برأيي، لا شيء يستحق الذكر، حتى ولو كان فلاديمير بوتين لا يخشى الدخول في حرب باردة مع الغرب. بالتأكيد، سيستمر الرئيس الروسي بإرسال الأسلحة إلى سورية. ولكن نظام بشار الأسد الذي يعيش على الإعانات المالية الإيرانية، لن يستطيع  الاستمرار بدفع ثمن الأسلحة. كم من الوقت سيقبل بوتين بهذا الوضع؟ يتراجع معدل النمو الروسي بشكل كبير، ورجال السلطة يفضلون توظيف أموالهم في حسابات مصرفية في الخارج. لا شك أن بوتين سيتساءل لاحقاً فيما إذا كان قد ذهب بعيداً في سورية. كما أن سورية لا تمثل مصلحة حيوية لروسيا، كما هو الحال بالنسبة لبعض الدول المجاورة لها.
سؤال: ما هي الأخطار الإقليمية لمثل هذا التدخل؟ هل يجب الخشية من ردود الفعل الشيعية لحزب الله وإيران؟
هنري لورانس: إن أهم ما تميزت به الأحداث الجارية منذ سنتين في الشرق الأوسط هو تغيير سياسة السعودية التي وقفت بشكل واضح إلى جانب الغرب. برهنت السعودية على عدائها للإسلام السياسي خوفاً من أن ينقلب عليها، وذلك عبر معارضتها لبشار الأسد والإخوان المسلمين ـ وهذا ما أظهرته مؤخراً عندما دعمت الضباط المصريين ـ . من المؤكد أن السعودية من هذه الزاوية أحرزت بعض النقاط على حساب قطر التي تدعم الإخوان المسلمين في مصر أو في الجبهة الشمالية في سورية حتى الآن.
فيما يتعلق بإيران، ما زالت سورية هامة بالنسبة لها. بالتأكيد، تستطيع إيران الاستمرار بإرسال المزيد من عناصر حرس الثورة للقتال ضد المتمردين في سورية. ولكن لا أعتقد أن النظام الجديد الذي يحتاج إلى التركيز على الانفتاح السياسي الداخلي، سيفعل أكثر من ذلك. فيما يتعلق بمسألة حزب الله، إنها أكثر تعقيداً. كانت هذه الحركة السياسية قبل عام 2000 تتابع سياسة واضحة نسبياً، ولكن الوضع تغير منذ عام 2005. ليس فقط لم يعد يوجد فيها محاورون حقيقيون، بل أيضاً تصلب موقفها إلى الحد الأقصى بسبب الوضع الداخلي اللبناني المتجاذب بين السنة والمسيحيين والجهاديين. تكمن قوة الحزب في ترسانة أسلحته الهائلة التي يستخدمها كعامل للردع تجاه إسرائيل. ما زالت سياسته غير متوقعة، ويغلب عليها إستراتيجية الجنون.



(مسؤولية مجزرة الغوطة لا يمكن نسبها إلى الجهاديين)

صحيفة اللوموند 30 آب 2013 بقلم الباحثة في قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دوفرانس نور بنكوريش Nora Benkorich

     إذا كان خبراء التسليح والمتابعين لسورية يعتبرون أن نظام بشار الأسد يتحمل مسؤولية مجزرة السلاح الكيميائي في الغوطة بشكل لا يقبل النقاش، فإن بعض الشكوك ما زالت مستمرة وتدخل العقول ببطء عبر العديد من إدعاءات المراقبين و"المحللين" ورجال السياسة الذين يتساءلون حول المسؤولية المزعومة للمجموعات الجهادية. هذا هو موقف النائب الفرنسي نيكولا دوبون آينان Nicolas Dupont-Aignan الذي سارع إلى اتهام "المجموعات الإسلامية" كرد على نزعة الحكومة الفرنسية بالمشاركة في الرد الانتقامي ضد نظام دمشق. في البداية، تبدو هذه الشكوك مشروعة بسبب الدعاية الإعلامية المضللة للنظام الذي ينفي أية مسؤولية بسبب خطورة هذه الأحداث والحملة الوشيكة والمحتملة جداً لمعاقبة دمشق، ولكن هذه الشكوك غير مشروعة لأنها غير مبررة ومفككة وخطيرة.
     ما هو الأساس الذي تعتمد عليه هذه الإدعاءات؟ على صور الأقمار الصناعية التي تدعي موسكو امتلاكها، ومن المفترض أنها تبرهن على أن الصاروخين المحملين بالعناصر الكيميائية جاءا من المناطق التي يُسيطر عليها الجيش السوري الحر. ولكن أياً من هذه الصور التي كان بإمكان روسيا إرسالها للأمم المتحدة، لم يتم الكشف عنها علناً. تشير هذه الصور إلى إطلاق صاروخين، في حين أن الناشطين على الأرض يتحدثون عن  العثور على 23 صاروخ في سبعة أماكن. بالنظر إلى عدد الضحايا والأشخاص المصابين وحجم الصواريخ المستخدمة التي لم يستطع خبراء الصواريخ البالستيكية التحقق منها، يبدو من غير المحتمل أن تكون كمية العناصر الكيميائية الموجودة في الصاروخين كافية لإحداث مثل هذه الأضرار. أخيراً، روسيا ليست طرفاً محايداً في النزاع السوري، نظراً لأنها تدعم نظام دمشق.
     ترتكز هذه الإدعاءات أيضاً على الفارق الزمني بين الساعة التي تم فيها إرسال صور الفيديو إلى اليوتوب (20 آب) والساعة الحقيقية للمجزرة (اعتباراً من الساعة الثالثة إلا ربع صباح يوم الأربعاء 21 آب)، ولهذا السبب ادعى البعض ومنهم روسيا أن الهجوم الكيميائي لم يكن إلا تمثيلية من قبل المتمردين. ولكن هذا التأكيد ينسى الأخذ بعين الاعتبار الفارق الزمني بين مكان جهاز الخادم الذي يقدم خدمات اليوتوب في الولايات المتحدة، وبين التوقيت في سورية، وقدره سبع ساعات. بعبارة أخرى، إن جميع صور الفيديو التي تم إرسالها الساعة السابعة صباحاً كانت مؤرخة بتاريخ اليوم السابق.
     ترتكز هذه الإدعاءات أيضاً على بعض "البراهين" مع الصور التي قامت بجمعها وحدة تابعة للنظام السوري أثناء "دورية" لها في بعض الأنفاق المزعومة التي يُسيطر عليها المتمردون، وعثورها على مخزون من الأسلحة وعلب من المساحيق التي كتب عليها باللون الأسود "صنع في السعودية" وأقنعة ضد الغاز وقفازات، وهي تُشكل برهاناً "قاطعاً" بأن الجماعات الإسلامية المتمردة هي التي خططت لهذا الهجوم. لا حاجة لأن نكون خبراء بالأسلحة البالستيكية لملاحظة أن هذه الأسلحة لا تشبه الأسلحة الموجودة على الأرض، ولا تملك القدرة على التسبب بمجزرة بهذه الحجم.
     من جهة أخرى، إذا كان النظام يمتلك براهين قاطعة حول مسؤولة الجماعات الإسلامية، فلماذا انتظر خمسة أيام قبل السماح لبعثة خبراء الأمم المتحدة بالذهاب إلى الأمكنة المعنية، ولاسيما أنها وصلت في اليوم نفسه لمجزرة الغوطة للتحقيق حول أماكن أخرى؟ أخيراً، لماذا الإصرار على قصف المناطق التي تعرضت للهجمات الكيميائية خلال خمسة أيام؟
     بالإضافة إلى هذه العناصر الحقيقية، من الصعب فهم مصلحة الجهاديين في القيام بعملية من هذا النوع. هل من أجل إلقاء مسؤولية المجزرة على النظام والتسبب بتدخل خارجي؟ إن هذا يخالف المنطق. أولاً، يعتبر الجهاديون أن الجمود الغربي كان حتى الآن حجة لتحسين إمكانيتهم في تجنيد المقاتلين، نظراً لأن هذا الجمود يُمثل برأيهم برهاناً على التواطؤ بين الغرب ـ وبشكل خاص "محور الشر" بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ـ ونظام بشار الأسد الذي يقتل شعبه مع لامبالاة كاملة من قبل الدول الغربية. من جهة أخرى، يؤكد العديد من الجهاديين الجدد على الأرض أن العامل الحاسم الذي دفعهم إلى الانضمام لصفوف جبهة النصرة ومثيلاتها هو الشعور بأن الديموقراطيات الغربية تخلت عنهم. ثم كيف يمكن إعطاء هذا "المحور للشر" الذي يمثل أول أعداء الجهاديين، الحجة لـ "غزو" سورية؟ أخيراً، إذا كان الجهاديون يملكون الوسائل للقيام بمثل هذه العملية، لماذا لم يستخدموا هذه الأسلحة الكيميائية ضد قوات النظام، وضد المدنيين "النصيريين"، أي العلويين الذين يعتبرونهم كالشياطين، أو ضد قادة السلطة؟ لنتذكر أن الجهاديين في الثمانينيات كانوا في طليعة المقاتلين الذين لم يترددوا في قتل مئات المدنيين العلويين في القرى الساحلية.
     لا معنى لأية حجة من الحجج المستخدمة من قبل المدافعين عن فرضية ارتكاب الجهاديين للمجزرة. إن ما يجعل هذا الكلام محفوفاً بالمخاطر هو أنه يهدف إلى إقناع المجتمع الدولي، عبر بث الشك لدى الرأي العام، بالتهرب من مسؤولياته أمام جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري منذ أكثر من سنتين. لقد تم تجاوز "الخط الأحمر" بموجب الاتفاقيات الدولية حول استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين، وذلك مهما كان هذا الخط جزئياً باعتبار أنه يخفي المجازر العديدة المرتكبة من قبل النظام السوري.
     تُظهر مجازر 21 آب أن النظام تجاوز عتبة جديدة في استخدام العنف، إنه يعتمد على التدرج في استخدام العنف من أجل امتحان ردود فعل المجتمع الدولي. إن الرد القوي من قبل المجتمع الدولي يمكن أن يأخذ شكل الضربات المحددة ضد المنشآت العسكرية وترسانة الأسلحة الكيميائية للنظام. تفرض هذه الضربات نفسها باعتبارها واجباً إنسانياً، وإلا ستتحول هذه العتبة الجديدة من العنف إلى قاعدة عامة في سورية إذا بقيت بلا عقاب.


الاثنين، ٢ أيلول ٢٠١٣

(العزلة الكبيرة)

افتتاحية صحيفة الفيغارو 2 أيلول 2013 بقلم بيير روسلان Pierre Rousselin

     تسرّع فرانسوا هولاند كثيراً وذهب بعيداً ليجد نفسه وحيداً في إرادته بـ "معاقبة" النظام السوري فوراً بعد استخدام الأسلحة الكيميائية. لم يذكر باراك أوباما فرنسا عندما أعلن يوم السبت 31 آب عن قراره بالاعتماد على الكونغرس لاتخاذ قرار الهجوم على سورية، وذلك على الرغم من أن فرنسا هي الدعم الوحيد الذي يمكنه الاعتماد عليه. يعني ذلك استخفافاً بفرانسوا هولاند الذي كان يعتقد بأنه أصبح الحليف الأفضل للولايات المتحدة.
     إن التغير المفاجىء في موقف الرئيس الأمريكي سيمنحه الفرصة لكسب الوقت من أجل الخروج من الشبكة التي أوقع نفسه بها عندما تحدث عن "الخط الأحمر" قبل عام مشيراً إلى أنه لن يتدخل عسكرياً إلا في حال اللجوء إلى الأسلحة الكيميائية. لقد أعطى باراك أوباما الخصم إمكانية إحراج الولايات المتحدة. ارتكب باراك أوباما خطأ أكثر خطورة بالنسبة لبلده، وذلك للتعويض عن خطأ آخر. تنازل هذه المرة عن سلطته باتخاذ قرار الحرب إلى الكونغرس. ستكون هذه السابقة علامة على الضعف الأكيد لنفوذ ومصداقية الرئيس الأمريكي.
     كما هو الحال بالنسبة لباراك أوباما، وقع فرانسوا هولاند في دوامة الأحداث المتلاحقة على غير هدى. كان الرئيس الفرنسي قد انضم أيضاً إلى فكرة "الخط  الأحمر" مدفوعاً بأفضل النوايا الحسنة. إنه ليس بحاجة إلى تصويت البرلمان لشن العمليات العسكرية، بعكس الوضع بالنسبة لدافيد كاميرون. إذاً، إن فرنسا هي الوحيدة  القادرة اليوم على الدفاع عن المبادىء الكبرى.

     إن الصدى الناجم عن الفيتو في البرلمان البريطاني دفع أوباما إلى الاعتماد على الكونغرس، الأمر الذي دفع المعارضة في فرنسا إلى المطالبة بالتصويت في البرلمان. من الناحية السياسية، إنه طلب مشروع حتى ولو كان ذلك يُناقش على صعيد مبادىء الجمهورية الخامسة. النتيجة: وقع هولاند في الفخ على الصعيد الداخلي، وأصبح معزولاً على الجبهة الخارجية.

(أمر مريب)

افتتاحية صحيفة الليبراسيون 2 أيلول 2013 بقلم فرانسوا سيرجان François Sergent

     وجد فرانسوا هولاند نفسه وحيداً في الإرادة بشن حربه على سورية، وذلك بعد التخلي البريطاني واكتشاف باراك أوباما المفاجىء لوجود الكونغرس الأمريكي. الرأي العام الفرنسي متردد، والمعارضة التي كنا نعرفها أكثر شجاعة تخلت عنه في منتصف الطريق.
     إن عشرات آلاف القتلى والذين يتعرضون للتعذيب وملايين اللاجئين يدل على بشاعة الرعب الذي تفرضه عائلة الأسد على سورية من أجل البقاء في السلطة. إن جميع الدلائل تُشير إلى أن النظام استخدم الغاز ضد شعبه، حتى ولو لم نحصل على الدليل القاطع. ولكن فرانسوا هولاند يجد صعوبة في تبرير الحرب على الرغم من كل هذه الأعباء الفادحة.
     ما هي شرعية، دون الحديث عن قانونية، انخراط الجنود والجيوش الفرنسية تحت الهيمنة الأمريكية؟ إن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة يمنح الرئيس السلطة الكاملة لإعلان الحرب. ولكن هل يستطيع أن يكون رئيس الدولة الوحيد الذي يستخدم القوة بدون تصويت ممثلي الشعب، وحتى بدون إلقاء كلمة؟

     من الممكن أن يفهم الفرنسيون أنه يجب وضع حد لإفلات الأسد من العقاب. ولكن كيف سيؤدي "العقاب"، هذه الكلمة الفلسفية الغريبة التي استخدمها فرانسوا هولاند، بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية إلى وضع حد للجرائم؟ وفق هذا المنطق المريب للرئيسين الفرنسي والأمريكي، يجب أن يتوقف بشار الأسد عن استخدام الغاز ضد شعبه، ولكن بإمكانه الاستمرار في قتله بوسائل أخرى. يجب أن نجد ما هو أفضل لإقناع الفرنسيين (وبقية العالم) بأن هذه الحرب عادلة ومبررة. إذا أردت الحرب، استعد للسلام.