الصفحات

الاثنين، 15 حزيران، 2015

(لندن ـ واشنطن: علاقة لم تعد "خاصة" جداً)

صحيفة الفيغارو 18 أيار 2015 بقلم مراسلتها في واشنطن لور ماندفيل Laure Mandeville

     لم تعد علاقة خاصة جداً. هذه هي العبارة التي تتكرر دوماً في الصحافة البريطانية والأمريكية حول العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة. كتبت الديلي تلغراف في شهر كانون الثاني: "حقيقة غريبة: تتراجع سمعة بريطانيا بشكل كبير منذ عدة سنوات... وتهتم واشنطن بأنجيلا ميركل أكثر فأكثر". لكن ما زال هناك بالتأكيد الإرث التاريخي والمرجعيات الفكرية والثقافية واللغوية بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة والفريدة بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.
     لا يمكن مقارنة التفاهم الحالي بين دافيد كاميرون وباراك أوباما مع النظرة الموحدة بين تاتشر وريغان حول كيفية الخروج من الحرب الباردة، أو بين بلير وكلينتون حول إيرلندا والبوسنة، أو بين بلير وبوش الابن خلال حرب العراق. أكد الباحث في معهد بروكنغز فيليب لوكور Philippe Le Corre أن التصريحات الرسمية حول هذه العلاقة "الخاصة" ما زالت مستمرة، ولكنها "تُخفي ابتعاداً في المواقف بين الحليفين". أشار هذا الباحث إلى أن المثال الأوضح على ذلك هو تركيز دافيد كاميرون اهتمامه بشكل كامل على إنعاش الاقتصاد، وعدم انزعاجه من كونه أول حلفاء الولايات المتحدة الذين ينضمون إلى المصرف الآسيوي للاستثمار دون استشارة العم سام بشكل مسبق. حذت بقية الدول الأوروبية حذوه بالانضمام إلى هذا المصرف، واضطرت واشنطن للانضمام إليه أيضاً، نظراً للزلزال الجيوسياسي الذي قد ينجم عن هذا الحدث بالنسبة للنظام الموروث عن اتفاقيات بريتون وودز. قال الباحث فيليب لوكور: "تسبب ذلك بفضيحة صغيرة في البيت الأبيض الذي ينتابه الشعور بأن البريطانيين مستعدين لتقديم جميع التنازلات من أجل جذب الاستثمارات الصينية".
     تركت الأحداث في سورية خلال صيف عام 2013 بعض الآثار عندما قرر باراك أوباما في نهاية المطاف عدم التدخل في سورية، وذلك بعد فشل دافيد كاميرون بإقناع مجلس العموم في الانضمام إلى العملية العسكرية. استنتج الأمريكيون أنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد بشكل فعلي على الحليف البريطاني الذي كان في الماضي مستعداً لإرسال جيوشه إلى جميع أنحاء العالم إلى جانب الأخ الأمريكي الأكبر، ولكن هذا الحليف تنتابه اليوم الرغبة بالانكفاء وتقليص موازنته العسكرية بشكل ملموس. قال السفير البريطاني السابق في واشنطن كريستوفر ماير Christopher Mayer في صحيفة الديلي تلغراف: "ينتاب الأمريكيون قلق متزايد حول موثوقية بريطانيا كحليف أساسي".
     يجب القول أن النظرة الأمريكية إلى أوروبا تغيرت مع مرور السنين. كانت الولايات المتحدة تشعر بالريبة خلال فترة طويلة تجاه التطلعات الفيدرالية للاتحاد الأوروبي، وكانت ترتكز على بريطانيا بشكل أساسي لمواجهة مثل هذه التطلعات. لكن واشنطن لم تعد تشعر اليوم بالفائدة من بريطانيا التي أصبحت ترتاب بأوروبا أكثر من أي وقت مضى بعد أزمة اليورو وأزمة الهوية الأوروبية. إن الخوف الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة لم يعد أن تكون أوروبا منافسة لها، بل أن تنفجر تحت تأثير الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو، وألا تكون أوروبا قادرة على ضمان أمنها تجاه روسيا التي تعيش ذروة التشنج القومي.
     يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت فجأة تراهن على برلين وباريس. إنها تراهن على أنجيلا ميركل في ألمانيا من أجل إدارة الأزمة الروسية، وتراهن على فرنسا التي أصبحت شريكاً أساسياً للولايات المتحدة في مواجهة التهديد الإرهابي في أفريقيا، وبرهنت على قدرتها في إرسال قواتها إلى مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى ومجمل منطقة الصحراء الأفريقية (الساحل). سألت صحيفة الفيغارو باراك أوباما خلال الزيارة الرسمية التي قام بها فرانسوا هولاند إلى واشنطن في شهر شباط 2014 فيما إذا كانت فرنسا قد حلّت مكان بريطانيا كأفضل حليف للولايات المتحدة، أجاب الرئيس الأمريكي عبر مزحة حول "ابنتيه الرائعتين" وأنه "يحب الاثنتين معاً". إذا كان المسؤولون الأمريكيون يشعرون بالقلق من الصعوبات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الفرنسي في إصلاح نفسه، فإنهم يؤكدون أيضاً قلقهم تجاه الاستفتاء الذي أعلنه دافيد كاميرون حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ويعتبرون التردد البريطاني سبباً في تراجع نفوذ لندن داخل أوروبا. قال رئيس مجموعة أوراسيا Eurasia إيان بريمر Ian Bremmer: "وهكذا أصبحت بريطانيا شريكاً أقل أهمية بكثير بالنسبة للولايات المتحدة". وأضاف الباحث فيليب لوكور: "إذا أضفنا إلى هذا القلق مسألة إمكانية انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، من الممكن فهم الذعر الأمريكي تجاه الفترة القادمة في بريطانيا".