الصفحات

الاثنين، 1 حزيران، 2015

(ما هو تأثير صواريخ S-300 على الشرق الأوسط والولايات المتحدة؟)

الموقع الإلكتروني لوهوفنغتون بوست 5 أيار 2015 بقلم الباحث المختص بأفغانستان والباكستان وإيران وآسيا الوسطى ديدييه شوديه Didier Chaudet

     بدأت الأوساط المطلعة في الشرق الأوسط وأوروبا، وأحياناً مع بعض الصداقات داخل الأوساط الاسرائيلية رفيعة المستوى، تتحدث بالطريقة نفسها بشكل يدعو للاستغراب. تعتبر هذه الأوساط أن اسرائيل ربما ستشعر بالتهديد عبر التطورات في الحوار حول الملف النووي الإيراني، وأنها ستستعد بالتالي للقيام بضربات جوية ضد المنشآت النووية الإيرانية. بالتأكيد، إنها مجرد إشاعات، ولا يجب أن ننسى أبداً أن الأوساط التي يُفترض أنها "واسعة الاطلاع" تميل إلى تقديم معلومات خاطئة إلى المحللين والصحفيين. إذاً، ليس بالضرورة أن نأخذ هذه الإشاعة على محمل الجد. لا شك أنها تُعبر عن ردة فعل مزاجية من قبل بعض الإسرائيليين والأوروبيين المعارضين للتطورات الأخيرة في الملف النووي الإيراني، وذلك تجاه تهدئة العلاقات بين الغرب وطهران.
     سمح فلاديمير بوتين مؤخراً ببيع صواريخ S-300 إلى إيران، الأمر الذي أثار عصبية القادة السياسيين في الشرق الأوسط وبالتالي عصبية واشنطن بشكل غير مباشر. هل يمكن تصور حصول تغير أمني جذري في الشرق الأوسط بسبب القرار الروسي؟ إن إمكانية حصول إيران على هذه الصورايخ سيوفر لها قدرة أكبر على الدفاع عن مجالها الجوي، وبالتالي سيكون ذلك أمراً مزعجاً بالنسبة لواشنطن وإسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، نظراً لأن  هذه الدول تتمنى الإبقاء على إمكانية الخيار العسكري ضد طهران.
     يتفق المحللون على القول بأن هذا النظام الدفاعي S-300 هو أحد أفضل الأنظمة الدفاعية في العالم، وقادر على منع اختراق الأجواء الإيرانية من قبل الطائرات المقاتلة F15 (التي تستخدمها الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل بشكل أساسي) وطائرات F/A18 (التي تستخدمها الولايات المتحدة وكندا واستراليا وفنلندا والكويت). إن الطائرات الوحيدة القادرة على التحليق فوق المناطق المحمية بنظام S-300 دون أن تلتقطها الرادارات هي طائرات الشبح مثل القاذفة الاستراتيجية Northrop B-2 Spirit وطائرة Lockheed Martin F-22 Rapter أو طائرة Lockheed Martin F-35 Lightning II. لكن هذه الطائرات باهظة الثمن (2.2 مليار دولار للطائرة B-2)، ولا يمكنها البقاء لفترة طويلة فوق الأراضي الإيرانية في حال القيام بعملية عسكرية.
     إن النظام الصاروخي الذي ينوي فلاديمير بوتين بيعه إلى الإيرانيين يتمتع بقدرة كبيرة على الحركة بالمقارنة مع النظام الأمريكي باتريوت MIM-14، الأمر الذي يزيد من صعوبة الطائرات المعتدية. ليس من قبيل الصدفة أن روسيا والصين تستخدمان صواريخ S-300 (وحالياً الجيل الأخير من صواريخ S-400) من أجل حماية أجوائهما الجوية. ستقلل هذه الصواريخ من إمكانيات العمل العسكرية الإسرائيلية ضد إيران حتى تستلم إسرائيل طائرات F-35. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن إسرائيل ستستلم طائرتين من هذا النوع عام 2016، ثم ستستلم واحد وثلاثين طائرة بحلول عام 2021. من جهة أخرى، يبدو أن طائرات F-35 تعاني من بعض المشاكل التقنية التي يجب حلها. إذاً، من الواضح أن وجود صواريخ S-300 في إيران سيكون عائقاً كبيراً أمام عمل عسكري إسرائيل من جانب واحد بدون المساعدة العسكرية الأمريكية.
     هناك عاملان رئيسيان وراء القلق والانزعاج في الدول التي ترغب باستخدام القوة ضد طهران: العامل الأول، تم تدريب الإيرانيين فعلاً على  استخدام صواريخ S-300 منذ عملية الشراء التي جرت عام 2007. يحتاج التدريب على استخدام هذه الصواريخ لمدة ستة أشهر بشكل طبيعي، ولكن الجيش الإيراني لن يحتاج إلى عدة أشهر بل إلى عدة أسابيع لكي يضعها موضع الاستخدام. العامل الثاني، طورت إيران نسخة محلية من صواريخ S-300 الروسية. بدأ العلماء الإيرانيون بالعمل في هذا الاتجاه منذ عام 2010 عبر تطوير بعض الأنظمة القديمة مثل S-200. حقق الإيرانيون تقدماً هائلاً في انتاج الصواريخ محلياً وفي وسائل الدفاع الجوي عموماً. من المفترض أن يكون صاروخ Bavar-373 النسخة الإيرانية عن نظام S-300، ومن المفترض تشغيله على الأراضي الإيرانية هذا العام أو العام القادم.
     بالطبع، لا يعني ذلك أن صواريخ S-300 ستجعل الأجواء الإيرانية غير قابلة للانتهاك. أولاً، يجب أن يحترم الروس وعدهم، وأن يتفقوا مع الإيرانيين حول تفاصيل البيع وتسليم الصواريخ فعلاً. من جهة أخرى، يقول الخبراء العسكريون في الولايات المتحدة وإسرائيل أن صواريخ S-300 ستجعل القصف الجوي أكثر صعوبة ولكنها لا تجعله مستحيلاً. ليس من الخطأ الاعتقاد بأن كثرة الحديث عن هذا الموضوع دولياً يمثل وسيلة بالنسبة لبعض المتشددين لافتعال الخوف والتوتر بين الدول الغربية وإيران. يبرهن ذلك على أن الشرق الأوسط لن ينعم بالسلام حتى في حال التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي الإيراني.