الصفحات

الاثنين، 8 حزيران، 2015

(ما الذي تراهن عليه روسيا من وراء بيع صواريخ S-300 إلى إيران؟)

الموقع الإلكتروني لوهوفنغتون بوست 28 نيسان 2015 بقلم الباحث المختص بأفغانستان والباكستان وإيران وآسيا الوسطى ديدييه شوديه Didier Chaudet

     من المعروف أن الضغوط الغربية على الاقتصاد الروسي أصبحت كبيرة جداً، وأن الكريملين ردّ على هذه الضغوط عبر بيع صواريخ S-300 إلى إيران. لكن الرد الروسي ليس مجرد رغبة بالانتقام تجاه الموقف الأمريكي من النزاع الأوكراني. بدأت روسيا بالاستعداد لإمكانية انفتاح السوق الإيراني في حال نجاح المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وتريد أن تكون في المقدمة بالنسبة لسوق السلاح في "الجنة الإيرانية" المحتملة. لا شك أن إيران ستعمل على تحديث جيشها عندما تسنح الفرصة أمامها، ولاسيما سلاح الطيران التي يتألف بشكل أساسي من طائرات ميغ 29 المصنوعة في سنوات السبعينيات.
     لن تزول المشاكل بين الدول الغربية وإيران حتى في حال التوصل إلى تسوية حول الملف النووي الإيراني، وبالتالي، لا يخش الروس من المنافسة الأمريكية والأوروبية بشكل جدي داخل السوق الإيراني. لكن الصناعة العسكرية الروسية ستواجه منافساً آخراً هو الصين التي تستطيع توفير معدات ذات نوعية عالية وبأسعار تنافسية، بالإضافة إلى تقديم دعم دبلوماسي أكثر قوة من الدعم الدبلوماسي الروسي خلال السنوات الأخيرة. يحتاج تحديث الجيش الإيراني إلى أربعين مليار دولار.
     يهدف موقف روسيا أيضا إلى طمأنة زبائنها تجاه صناعتها العسكرية. لقد رفض الكريملين عام 2010 أثناء رئاسة ميدفيديف تسليم صواريخ S-300 إلى إيران على الرغم من دفع ثمنها، وكان الرئيس الروسي آنذاك يؤمن بسياسة اليد الممدودة في واشنطن. اعتبرت جميع الدول المهتمة بشراء الأسلحة الروسية هذا التراجع الروسي بمثابة التحذير، وأن موسكو تتحدث كثيراً ولكنها تخضع للغرب عندما تمارس واشنطن الضغوط عليها. لهذا السبب، أراد بوتين طمأنة زبائنه بشكل كامل، وأصبحوا يحظون بأولوية أكبر من سياسة إرضاء الدول الغربية. لا شك أن بوتين يراهن أيضاً على النزعة القومية الروسية، ويريد أن يبرهن للأحزاب اليمينية والقومية الروسية أن الدبلوماسية الروسية مستقلة وتحرص على مصالحها القومية قبل أي شيء آخر.
     من المفترض التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني مع نهاية شهر حزيران. كان ميدفيديف يريد دفع إيران إلى التفاوض من خلال عدم تسليمها صواريخ S-300، وأن يقول لها بأن تسليم هذه الصواريخ لن يكون ممكناً بدون التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني. إذا، لقد انهار هذا الدعم الروسي غير المباشر للمفاوضات بعد موافقة الكريملين على بيع إيران هذه الصواريخ، وذلك قبل أن يتوصل الأمريكيون والإيرانيون إلى اتفاق. يعني ذلك أن الدبلوماسية الروسية اختارت ثلاثة مواقف متشددة: الموقف الأول، يريد بوتين إفهام أنه لن يدعم أية عقوبات جديدة ضد إيران، ويمنح إيران الوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم، ويوجه الرسالة التالية إلى الدول الغربية: يجب التوصل إلى أرضية للتفاهم  مع الإيرانيين لأننا لن ندعم سياستكم في الضغط والتهديد العسكري بعد 30 حزيران. الموقف الثاني، يُلح الكريملين على الطابع العقلاني للدبلوماسية الروسية لكونها أول من "كافأ" الموقف البراغماتي الإيراني بعد اتفاق لوزان حول الملف النووي الإيراني. يُقدم الروس أنفسهم كشريك عقلاني بعكس الدول الغربية التي تظهر أحياناً أسيرة إيديولوجيا غير عقلانية تجاه الملف الإيراني. الموقف الثالث، من غير المستحيل أن بوتين يستخدم نفوذه لكي يجعل المفاوضات أكثر صعوبة أو حتى إفشالها. لأنه في حال تطبيع العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية، فإن إيران ستكون قادرة على دخول سوق النفط العالمي، الأمر الذي سيؤثر سلباً على موسكو، واعتبر المصرف المركزي الروسي أن هذا التأثير السلبي يبلغ سبعة وعشرين مليار دولار.

     في الواقع، سمح هذا الحدث للحكومة الإسرائيلية بالربط بين المفاوضات الدبلوماسية مع إيران وإمكانية إعادة تسليح الجمهورية الإسلامية. هناك خطر رؤية جميع أنصار الخط المتشدد ضد إيران (الحزب الجمهوري الأمريكي والسعودية وربما الدبلوماسية الفرنسية) يتحدثون مثل إسرائيل. سيؤدي ذلك إلى تصاعد التصريحات العدائية من الجانبين وإضعاف أنصار التيار المعتدل، وبالتالي، جعل روسيا دولة لا غنى عنها في الحوار الإيراني ـ الغربي. في جميع الحالات، سينتصر الكريملين مهما حصل بفضل قرار تجاري بسيط.