الصفحات

الاثنين، 22 حزيران، 2015

(كيف تفكر الإدارة الأمريكية وتتعامل مع روسيا)

صحيفة الفيغارو 1 حزيران 2015 بقلم مراسلتها في واشنطن لور ماندفيل Laure Mandeville

     يواجه الغرب تحديين استراتيجيين هامين هما: النزعة العدوانية الروسية مع ضم شبه جزيرة القرم وزعزعة الاستقرار في شرق أوكرانيا من جهة، والدولة الإسلامية التي تتقدم على الأرض في الشرق الأوسط وتمثل تهديداً إرهابياً متزايداً على القارة الأوروبية والولايات المتحدة عبر الجهاديين الذين تستقطبهم من جميع أنحاء العالم من جهة ثانية.
     أصبح التعامل مع روسيا بوتين اهتماماً مركزياً لدى المحللين الاستراتيجيين لدى إدارة أوباما في مواجهة هاتين المعضلتين الشائكتين. كيف يمكن دفع الزعيم الروسي إلى إيقاف اعتدائه في أوكرانيا، والاستفادة في الوقت نفسه من مساعدته في الشرق الأوسط من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران وتحقيق الاستقرار في العراق وسورية عبر تنظيم عملية انتقالية سياسية في سورية؟ كيف يمكن احتواء بوتين مع الاعتراف في الوقت نفسه بالحاجة إليه؟ هذه هي المعادلة المستحيلة الحل. سيُطرح هذا الموضوع على خلفية النقاشات التي ستجري في باريس يوم الثلاثاء 2 حزيران مع أعضاء التحالف ضد داعش على الرغم من عدم حضور روسيا.
     تحاول الدبلوماسية الأمريكية منذ عدة أسابيع أن تضع فلاديمير بوتين أمام مسؤولياته في أوكرانيا والشرق الأوسط، ويزداد قلقها أكثر فأكثر تجاه التشنج الروسي. اجتمع وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قبل عدة أيام مع فلاديمير بوتين في سوتشي، ثم أرسل معاونته فيكتوريا نولاند إلى موسكو لمواصلة النقاشات. أسرّ مسؤول رفيع المستوى في إدارة أوباما إلى صحيفة الفيغارو قائلاً: "في الوقت الذي تتركز فيه عملية اتخاذ القرار في روسيا أكثر فأكثر بشخص واحد، اعتبر وزير الخارجية أنه من المهم الاجتماع مع بوتين في غرفة واحدة من أجل مناقشة ثلاثة مواضيع هامة هي: إيران وسورية وأوكراينا. فيما يتعلق بإيران، كانت رسالة وزير الخارجية واضحة: إن المفاوضات حول الملف النووي الإيراني هي نموذج لما نفعله معاً بشكل جيد، ويجب إنهاء هذا العمل". فيما يتعلق بسورية، قال كيري إلى بوتين أنه يقوم بـ "رهان سيء"، وأضاف الدبلوماسي الأمريكي قائلاً: "قلنا أن الوضع اليوم وصل إلى درجة أنه يمكن أن نستيقظ غداً مع دولة إسلامية تسيطر على البلد، مع إمكانية انهيار نظام الأسد... إذا كنتم صادقين حول حقيقة أن أولويتكم هي الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ومنع انتصار المتطرفين، وأنكم لستم متمسكين بالأسد شخصياً، ففي هذه الحالة، استخدموا نفوذكم من أجل العمل حول عملية انتقالية".
     فيما يتعلق بأوكرانيا، قال المصدرنفسه أن النقاشات مع بوتين تتعلق "بإفهامه أننا جادون جداً حول فكرة إنهاء العقوبات في حال تنفيذ اتفاق مينسك بأكمله. وفي الوقت نفسه، نحن مستعدون لإبقاء العقوبات الحالية وحتى تشديدها بالتنسيق مع أوروبا في حال قيام بوتين وعملائه بالاستيلاء على أراضي جديدة".
     في الوقت الحالي، لم تعط هذه النقاشات نتائج ملموسة. يبدو أن بوتين ليس مستعجلاً للتحالف مع الأمريكيين من أجل عملية انتقالية في سورية، ما دامت إيران لم تنضم إلى هذا المسعى. فيما يتعلق بأوكرانيا، ما زال بوتين ينفي الوجود العسكري الروسي (المتزايد) على الأرض على الرغم من الأدلة القاطعة.
     لكن الهاجس الأكبر بالنسبة لواشنطن هو تفتت الموقف الأوروبي الموحد الذي ما زال مستمراً حتى الآن تجاه أوكرانيا بفضل الزعامة الألمانية. يعرف بوتين نقاط الضعف الأوروبية، ويعمل على استغلالها. تتفاوض اليونان حالياً مع دائنيها في الدول الغربية، واقترحت عليها موسكو في الوقت نفسه حلاً لمشاكلها المتعلقة بالطاقة عبر إقتراح ببناء خط أنابيب لنقل الغاز بشكل يجعلها تابعة للكريملين، ويهدد استراتيجية الاتحاد الأوروبي في تنويع مصادر الطاقة. كما تراقب واشنطن بقلق العلاقات التي ينسجها بوتين مع بعض أحزاب اليمين الأوروبية ولاسيما الفرنسية منها، عبر تقديم نفسه كحصن ضد الإسلام الراديكالي، ويراهن بوتين على أن قلق بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا من داعش أكبر بكثير من التهديد الروسي في أوكرانيا، هذا التهديد الذي تعتبره ألمانيا تهديداً وجودياً لها بسبب قربها الجغرافي.
     تعتبر واشنطن أن المشكلة تكمن في التوفيق بين الأولويات، والحفاظ على الموقف الموحد بين جانبي الأطلسي حتى يظهر الضعف داخل النظام الروسي. أشار المسؤول الأمريكي المذكور أعلاه إلى أن بوتين يعتقد نفسه قوياً، ولكن "هناك الكثير من التذمر في روسيا. لا نعتقد أن بوتين سيكون قادراً على إطعام الروس إلى الأبد عبر النزعة القومية".