الصفحات

الاثنين، 29 حزيران، 2015

(خطة فابيوس لا يمكنها إرضاء الفلسطينيين)

كان الهدف من المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية في الماضي أن يقدم كل طرف بعض التنازلات من أجل التوصل إلى تسوية. تريد المبادرة الفرنسية الجديدة اليوم الحصول على تنازلات فلسطينية حول القدس واللاجئين والحدود والاعتراف بيهودية دولة إسرائيل مقابل وعد فرنسي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. السؤال الذي يطرح نفسه: ما الفائدة من الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الورق بعد تقديم هذه التنازلات؟ وربما تتحول مثل هذه التنازلات إلى معايير مستقبلية لأية مفاوضات قادمة في حال فشل المبادرة الفرنسية اليوم. بمعنى آخر، إنها مبادرة للحصول على تنازلات فلسطينية وعربية بدون حصول الفلسطينيين على أي شيء مقابل هذه التنازلات، لأن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية سيتم في حال قبول الفلسطينيين بالمبادرة الفرنسية أولاً، ثم فشل هذه المبادرة في مجلس الأمن عند التصويت عليها ثانياً.

 (خطة فابيوس لا يمكنها إرضاء الفلسطينيين)
صحيفة الفيغارو 22 حزيران 2015 بقلم مراسلها في إسرائيل سيريل لوي Cyrille Louis

     رد بنيامين نتنياهو بجفاء على مبادرة السلام التي أطلقها لوران فابيوس، وأدان "الإملاءات الدولية" يوم الأحد 21 حزيران. كما لم يُعبّر الفلسطينيون عن حماسهم تجاه هذه المبادرة. ينوي وزير الخارجية الفرنسي طرح مشروع قرار على مجلس الأمن بحلول فصل الخريف القادم، ويمثل هذا المشروع توازناً دقيقاً بين مواقف الطرفين. يتضمن مشروع القرار عدة جوانب من الصعب أن يقبلها قادة منظمة التحرير الفلسطينية الذين امتنعوا حتى الآن عن التعبير علناً عن شكوكهم، لأنهم ينظرون بإيجابية إلى "عودة الانخراط" الفرنسي في الشرق الأوسط، ويأملون أن تعترف باريس بدولة فلسطين في حال فشل هذه المحاولة الجديدة. ولكن من المحتمل أنهم سيخرجون من غموضهم عاجلاً أم آجلاً لكي يقولوا فيما إذا كانوا موافقين على المعايير المحددة في مشروع القرار، وفيما إذا كانوا مستعدين لتحمل مسؤولية التنازلات التي يتضمنها أمام الرأي العام الفلسطيني.
     يمثل موضوع القدس إحدى المواضيع الأكثر إشكالية. يطالب الفلسطينيون بأن تكون القدس الشرقية مع المدينة القديمة و الأماكن المقدسة عاصمة لدولتهم المستقبلية. لكن الذين كتبوا نص المشروع الفرنسي يدركون جيداً بأن هذا المطلب غير مقبول لدى الجزء الأساسي من الطبقة السياسية الإسرائيلية، واختاروا صيغة غامضة بشكل متعمد. تطرق النص الفرنسي إلى ضرورة جعل القدس "العاصمة المستقبلية للدولتين" مع الحفاظ في الوقت نفسه على وضعها كمركز روحي مفتوح أمام "شعوب العالم". قال أحد المسؤولين الفلسطينيين: "يطرح هذا الغموض إشكالية كبيرة. سيغتنم الإسرائيليون هذا الغموض بالتأكيد لكي يقترحوا علينا سيادة محدودة، وسيتهموننا بإفشال العملية إذا رفضنا هذا العرض...".
     لم يرض المفاوضون الفلسطينيون أيضاً عن المقاربة "الوسطية" المتعلقة بمسألة اللاجئين. امتنع كاتبوا النص الفرنسي عن الإشارة إلى أية إشارة واضحة للقرار رقم 194 الذي أقر حق عودة مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين المهجرين خلال حرب عام 1948، وعودة أحفادهم أيضاً. دعا النص الفرنسي إلى تبني "حل عادل ومتوازن وواقعي" يعتمد على "آلية لإعادة التوطين، والإقامة في مكان آخر، أو التعويض". تهدف هذه الصيغة بوضوح إلى طمأنة الإسرائيليين الذين يعتبرون أن عودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين سيؤدي إلى إنهاء الدولة العبرية. أعرب المسؤول الفلسطيني المشار إليه أعلاه عن قلقه بالقول: "تؤكد الصيغة الفرنسية المعتمدة أنه يجب على اللاجئين التخلي عن العودة إلى أرضهم قبل البدء بالمفاوضات، وأنه يجب على الغالبية العظمى منهم الاكتفاء بتعويضات غامضة".
     لا شك أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على فرض مثل هذه التنازلات. لهذا السبب، لم يحاول لوران فابيوس إطلاع محمود عباس على تفاصيل مشروع القرار، واختار إشراك أعضاء الجامعة العربية في مشروع القرار الفرنسي، وذلك على أمل أن تعتبر الدول العربية هذا المسعى يتطابق بما فيه الكفاية مع مصالحها لكي تشارك فيه. في هذه الحالة، سيقع على عاتق الدول العربية مهمة التأثير على الإدارة الفلسطينية من أجل إقناعها بالموافقة على بعض التسويات. وإذا حصلت المعجزة ونجحت المبادرة، سيقع على عاتق الدول العربية تقديم المساعدة إلى الإدارة الفلسطينية في الدفاع عن صحة هذه المبادرة أمام الشعب الفلسطيني.