الصفحات

الأربعاء، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٤

(الدروس الثلاثة لـ "الربيع العربي")

افتتاحية صحيفة اللوموند 14 كانون الثاني 2014

     يمثل تعبير "الربيع العربي" التطلعات العامة إلى الكرامة والحرية من قبل شعوب خاضعة للحكم التعسفي وعنف الانظمة المتسلطة والفاسدة. ما حصل بعد ذلك معروف. تكافح تونس لوحدها من أجل المحافظة على الأمل بالديموقراطية. سقطت مصر مرة أخرى في نظام دكتاتوري عسكري يسحق أي تطلع نحو المعارضة. تتمزق سورية مع استمرار الحرب الأهلية القاسية، وأصبحت عواقبها تهدد سلامة الأراضي اللبنانية والعراقية.
     تنشر صحيفة اللوموند اليوم 14 كانون الثاني تحقيقاً مطولاً حول الوضع الحالي للقوى المتواجدة على الأرض في العالم العربي، وتوصل هذا التحقيق إلى ثلاث أفكار على الأقل: الفكرة الأولى هي ضرورة عدم التسرع بإطلاق الأحكام. يعيش العالم العربي مرحلة من التغيرات التاريخية العميقة، ولن يعود إلى الوراء لسبب بسيط هو أنه يتغير. لم يكن أحد يتصور أن المنطقة ستتغير بين ليلة وضحاها. لن يعود أي شيء إلى ما كان عليه سابقاً، ولن يتلاشى التطلع إلى الكرامة، من الممكن أن يكون مختنقاً في الوقت الحالي، ولكنه لم يختف. إذا اعتقد الضباط المصريون أنهم قادرون على إحياء النظام القديم، فسوف يدركون ذلك بسرعة. ينطبق الأمر نفسه على نظام دمشق: إذا "انتصر"، فإنه لن يبق على قيد الحياة فترة طويلة بعد الحرب التي شنها ضد جزء من شعبه.
     الفكرة الثانية هي أنه لا يجب التمسك بالوهم المتعلق بقدرة الدول الغربية على التأثير على الأحداث. إنها قدرة محدودة. ليس باراك أوباما هو الذي "تخلى" عن حسني مبارك، بل الضباط المصريون هم الذين تخلوا عنه لأسباب تتعلق بهم. قام الأمريكيون والأوروبيون بتسهيل سقوط معمر القذافي، ولم يمنحوا أنفسهم الوسائل اللازمة للسيطرة على ما سيحدث بعد سقوطه. ربما لم تحسن الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة إدارة الأزمة في سورية. ولكن هل يملكون القدرة فعلاً على التحرك في أرض مشتتة ومعقدة وفريسة بعض القوى الظلامية والخفية؟
     تكمن الحقيقة في أن الشعوب العربية هي التي تتحكم بمصيرها. ربما يكون هذا المصير، وهذه هي الفكرة الثالثة، أسيراً لحرب دينية شبيهة بالحرب التي عرفتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. إن هذه الحرب داخل الإسلام تتقاطع مع طموحات قوتين إقليميتين هما السعودية وإيران، وساهم انهيار النظام القديم في استمرار هذه الحرب، وذلك بسبب غياب القوى السياسية المحلية الفاعلة والقادرة على حمل روح الإصلاح والتسامح في الوقت الحالي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق