الصفحات

الجمعة، 11 نيسان، 2014

(يقال أن فرنسا يتعذر حكمها، ولكن السبب هو عدم وجود سياسة حكومية)

صحيفة الفيغارو 20 آذار 2014 ـ مقابلة مع المدير العام لمصرف لازارد Lazard الفرنسي ماتيو بيغاس Mathieu Pigasse بعنوان ـ أجرى المقابلة جاك أوليفييه مارتان Jacques-Olivier Martin

     يملك ماتيو بيغاس مجلة Inrockuptibles الفنية، وهو أحد مالكي صحيفة اللوموند الفرنسية، ويقدم المشورة للعديد من الدول التي تواجه صعوبات اقتصادية. أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان: (مديح لما هو غير عادي) Eloge de l’anormalité، وأبرز فيه أن الدول الغربية ولاسيما فرنسا غارقة في أزمة اقتصادية عميقة غير مسبوقة، وأن سبب هذه الأزمة يعود بشكل كبير إلى إفلاس السياسة وانعدام الزعامة.
سؤال: لدينا رئيس يتمسك بأن يكون عادياً، وأنت الرجل اليساري تمدح ما هو غير عادي. هل هي طريقة لكي تقول أن سياسة فرانسوا هولاند أصابتك بالخيبة؟
ماتيو بيغاس: أنا رجل يساري، وسأبقى يسارياً. يُعبّر عنوان كتابي عن خيبتي من السياسات المتبعة منذ سنتين وبشكل عام منذ عشر سنوات. إن السلوك العادي للبعض قاد إلى النتائج نفسها للنشاط المُفرط من قبل البعض الآخر، أي إلى انعدام الفعالية.
سؤال: ما هي انتقاداتك إلى فرانسوا هولاند بشكل خاص؟
ماتيو بيغاس: أؤكد مرة أخرى أن كلامي عام. أتأسف لنقص الطموح والإلهام والرؤية على المدى البعيد لدى قادتنا، ولغياب الخط السياسي والهدف الاقتصادي. إن ذلك ناجم بلا شك عن نقص الخبرة وعدم فهم كيف يتحرك عالم اليوم. يُضاف إلى ذلك تقصير فترة الدورة الانتخابية، الأمر الذي أدى إلى تفضيل المدى القصير الأجل ومحاباة الرأي العام بدلاً من توجيهه وقيادته. نحن نعاني أيضاً من تحويل السياسة إلى مهنة، الأمر الذي أدى إلى نقص التجديد والانطواء على الذات. إن الموقف العادي الذي أدينه هو الموقف الذي يؤدي إلى الانتظار وعدم التحرك ، وبالتالي الخضوع على أمل أن يتحسن الوضع في المستقبل. إنه موقف يتمثل بعدم القيام بأي شيء خوفاً من القيام به بشكل سيء، وبعدم اتخاذ القرار من أجل عدم إزعاج الآخرين.
سؤال: ولكن فرنسا تبقى بلداً معقداً من الصعب قيادته.
ماتيو بيغاس: التعقيد لا يستبعد الشجاعة. يُقال أن فرنسا يتعذر حكمها، ولكن السبب هو عدم وجود سياسة حكومية. لدينا الكثير من الإمكانيات والأوراق الرابحة. هناك الفخر بكوننا فرنسيين والإرادة بالنجاح معاً. إن الشعب مستعد لتقديم التضحيات، ولكن لا بد من هدف جماعي وطموح مشترك ورسم الأفق وتحديد التوجه والغاية.
سؤال: تنتقدون سياسة التسويف لرئيسنا، وتقولون أن الوضع في فرنسا يدعو للقلق...
ماتيو بيغاس: تحطمت جميع عوامل النمو، وأصبح الملك عارياً. ليس لدينا أي شيء من مكونات النمو بشكل يسمح لنا بالأمل بإعادة الانطلاق سريعاً. لم يعد لدينا العامل السكاني، ولم يعد هناك تحسن في الانتاجية أو في رأس المال. إن إمكانية النمو لدينا ضعيفة على المدى الطويل، وبالتالي فرنسا عاجزة عن خلق فرص العمل. إن القول بأن النمو سيعود، يعني إما أننا نكذب على الفرنسيين أو أننا نكذب على أنفسنا. يجب أن نقيس جيداً الأخطار المرتبطة بمثل هذا الوضع، إنها أخطار حصول قطيعة كبيرة. يشجع هذا الوضع على بروز التطرف والمذهبية وعدم التسامح الديني. إن القاسم المشترك بينها هو رفض الآخر.
سؤال: كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟
ماتيو بيغاس: بسبب نقص الشجاعة وبالتالي انعدام العمل. لأننا لم نكن نريد معالجة الشحوم، يجب علينا الآن معالجة العضلات. إن انفاقنا العام مرتفع جداً منذ عدة سنوات، وفعالية عمل الدولة ضعيفة. فضلت الحكومات المتعاقبة السماح بازدياد العجز وتمويله عبر الديون بدلاً من معالجة المشكلة من جذورها. كما كان من الوهم أيضاً الاعتقاد بأنه يمكن تصحيح العجز عن طريق الضرائب. اليوم، أصبح النظام بأكمله مخنوقاً.
سؤال: تنتقدون السماح بازدياد العجز "شحوم الدولة"، وتنتقدون أيضاً التقشف الهادف إلى تخفيض الإنفاق والحد من المديونية. كما قمتم بتشبيه هذه السياسة بالسياسة الألمانية عام 1932 التي فشلت وساهمت في صعود النازية، ألا تبالغون بذلك؟
ماتيو بيغاس: يجب معرفة التاريخ لتجنب تكراره. يؤدي التقشف إلى نتائج مأساوية. انظروا إلى اليونان! وصل معدل البطالة لدى الشباب إلى 55 %، وارتفعت حالات الانتحار إلى مستوى غير مسبوق، ووصل الفاشيون إلى البرلمان. لقد تحطم هذا البلد لفترة طويلة. يكمن خطر مثل هذه السياسة في تفكك المجتمع. تعتبر اليونان وإسبانيا والبرتغال أن مثل هذه السياسات لا تستحق العناء. لنتجنب نجاح العملية وموت المريض. كما أنه من الممكن الإصلاح بطريقة مختلفة وبشكل براغماتي كما هو الحال في السويد وكندا. لم تقم هاتان الدولتان باقتطاعات عشوائية من أجل تخفيض الانفاق، بل قامتا بتحديد النفقات العامة غير المنتجة، ثم ألغتها. أتابع أيضاً بأمل كبير وصول رئيس الوزراء الإيطالي الجديد ماتيو رانزي Matteo Renzi إلى الحكم، الأمر الذي يمثل منعطفاً هاماً. أعلن رانزي مؤخراً عن خطة إنعاش اقتصادي قدرها مئة مليار يورو تقريباً، وأعطى الأفضلية للإنفاق على القطاعات المستقبلية ومساعدة الطبقات الأكثر فقراً. إنه يحاول بذلك كسر الحلقة المفرغة التي تنخر إيطاليا منذ عدة سنوات.
سؤال: ألم تبرهن بريطانيا وألمانيا على فعالية سياسات التقشف؟
ماتيو بيغاس: بريطانيا هي حالة خاصة، وعرفت كيف تستخدم عملتها من أجل إطلاق نشاطها الاقتصادي باعتبارها خارج منطقة اليورو. فيما يتعلق بألمانيا، أنا أشيد بنجاحها الذي بدأته حكومة يسارية. ولكن يجب على ألمانيا أن تتصرف اليوم بشكل مختلف من أجل أوروبا. إن الفائض التجاري الألماني هو الأعلى في العالم، وخلق عدة حالات من عدم التوازن، وساهم في رفع سعر اليورو. يجب على ألمانيا زيادة الرواتب فيها بنسبة 10 %، وسيكون ذلك لمصلحة الألمان ومنطقة اليورو بأكملها.
سؤال: هل تعتقدون حقاً أن ألمانيا ستوافق على تخفيض تنافسيتها؟
ماتيو بيغاس: يمكن أن تموت أوروبا إذا لم تتحلى بالجرأة. ليس هناك مغامرة أفضل من المغامرة الأوروبية التي ترتكز على هوية وقيم مشتركة وعلى التضامن بين جميع أعضائها. يجب علينا بناء مصير مشترك. لن نكون أقوياء إلا إذا كنا معاً. بالتأكيد، سيكون التضامن مقابل القيام بالإصلاحات الضرورية. يجب شرح ذلك والعمل من أجله، ولكن هناك حاجة ماسة للزعامة التي نفتقدها.
سؤال: من أين يأتي افتقاد هذه الزعامة؟
ماتيو بيغاس: إنها ناجمة عن ألم عميق داخل حضارة غربية ينتابها الشك، وتعيش أزمة ثقافية غير مسبوقة. إن هذه الأزمة الثقافية ناجمة برأيي عن ثلاث ظواهر متداخلة: الظاهرة الأولى هي تزايد النزعة الفردية بشكل غير مسبوق لدى اليسار واليمين اللذين يؤكدان على استمرار سيادة الفرد ـ الملك. أدى ذلك إلى انتصار المجتمع الاستهلاكي، وانتقلنا من "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" إلى "أنا أستهلك، إذاً أنا موجود". أصبح مجتمعنا مجتمع المظاهر. أخيراً، اتسعت هاتان الظاهرتان عبر الهستيريا الدائمة التي خلقتها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة والشبكات الاجتماعية. في هذا الإطار، أدى سقوط جدار برلين إلى تشجيع انتصار السوق وانحطاط أولوية الدور السياسي، وذلك إلى درجة تحوّل نخب الدولة إلى العمل في الشركات الخاصة. هناك حدثان يُذكراننا بأنه من الخطأ الاعتقاد بـ "نهاية التاريخ": أدرك الغرب مع أحداث 11 أيلول أن أخطار النزاعات العالمية كانت حقيقية بالفعل، ولاحظنا مع انهيار مصرف ليمان برذرز Lehman Brothers عام 2008 أن الأسواق كانت غير قادرة على تنظيم نفسها ذاتياً. لقد انهارت إيديولوجيتان خلال ثلاثين عاماً هما: سيطرة الدولة على وسائل الانتاج والليبرالية. لم يحل مكانهما أي شيء آخر.
سؤال: إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من النظرة الانتقادية جداً للوضع في الدول الغربية، بماذا تنصحون لكي تتمكن فرنسا من العثور على طريق الجرأة والازدهار؟
ماتيو بيغاس: لا فائدة إطلاقاً من الضياع بمتاهات الإجراءات التكنوقراطية بدون نظرة مستقبلية. الأمر الأساسي هو التأثير على العقول عبر مبادرتين أو ثلاث مبادرات قوية من أجل إعادة الثقة وخلق حلقة إيجابية. نحن بحاجة إلى شخص يحمل هذه الرسائل، شخص قادر على أن يحمل جزءاً من الحلم الجماعي من جديد، شخص قادر على إعادة الأمل لنا، أي روزفلت جديد. يجب أن ندير ظهرنا إلى نزعة "عدم القيام بأي شيء" (do nothing)، أي أولئك الذين يتكلمون ولا يفعلون شيئاً بشكل يؤدي في النهاية إلى الانتقاص من قيمة الخطاب السياسي. لنصنع أوروبا، ولنصلح الدولة، ولنبني أشكالاً جديدة للتضامن، ولنمنح الأمل عبر تشجيع روح المخاطرة بدلاً من الريعية وعبر العمل من أجل يتمكن كل شخص من التصرف بحياته الخاصة.
سؤال: أنتم تقترحون الاستلهام من حركة Punk من أجل الخروج من الأزمة، يمكن أن يكون ذلك مفاجئاً؟
ماتيو بيغاس: لتنسو كلمة Punk! إن الأغنيات التي غنوها في نهاية سنوات السبعينيات في بريطانيا أثناء الأزمة التي اجتاحتها آنذاك، هي الشيء نفسه الذي عبّر عنه آخرون في أوقات أخرى بشكل مختلف. كتب الشاعر رامبو Rimbaud على جدران مدينة شارلفيل ميزيير الفرنسية Charleville-Mézières الشعار (le merde à dieu)، وغنت فرقة Sex pistols أغنية "لا مستقبل" (no futur)، ليس هناك فرق بين الاثنين. أنا أتبنى هذه الرسالة التي يمكن تلخيصها بثلاث جمل: أولاً، المعركة من أجل إعطاء المعنى. ثانياً، القول بأنه يمكن العمل ذاتياً بشرط توفر الإرادة والإمساك بزمامها. ثالثاً، عدم الخوف من الفشل والنهوض دوماً. تسمح هذه الرسائل بتغيير علاقة كل فرد بالعالم.