الصفحات

الثلاثاء، 8 نيسان، 2014

(نحن ذاهبون نحو عالم تتلاشى فيه الحدود السياسية)

صحيفة الليبراسيون 7 نيسان 2014 ـ مقابلة مع باراغ خانا Parag Khanna الباحث في مؤسسة أمريكا الجديدة Naw America Foundation في واشنطن ـ أجرت المقابلة مراسلتها في واشنطن لورين ميلو Lorraine Milot

     لن يصدر الكتاب الجديد للباحث باراغ خانا بعنوان : (Remapping the World) في الولايات المتحدة قبل عام 2015، ولكن هذا الكتاب يأتي ضمن سياق الأحداث الراهنة بين روسيا وأوكرانيا. يؤكد هذا الباحث أن الحدود السياسية التي نتمسك بها حالياً هي حدود مصطنعة في أغلب الأحيان، وسوف تتغير بالتأكيد خلال السنوات القادمة. وُلد باراغ خانا في الهند، وعاش في الولايات المتحدة، وحصل على دبلوم جامعة Freie Universität في برلين، ويُقيم في سنغافورة. يقترح الباحث إلغاء الحدود لإظهار ما هو مهم فعلاً: أي شبكات البنية التحتية والطرقات والكابلات وخطوط الأنابيب التي تمثل شريانات العالم المعاصر. صدر للباحث ثلاثة كتب في الولايات المتحدة هي: The Second World وHow to Run the World وHybrid Reality.
سؤال: تتنبؤون في كتابكم الأخير بأنه ستكون هناك "نهضة" جديدة بعد "العصور الوسطى" التي نعيشها اليوم. كيف سيكون الطريق نحو هذه النهضة؟
باراغ خانا: هناك تغيران أساسياًن يحصلان حالياً. هناك ثورة نفسية جعلتنا ندرك أكثر فأكثر تبعيتنا المتبادلة على جميع المستويات. وهناك الثورة التكنولوجية، ثورة شبكات الاتصالات التي تسمح دوماً بالمزيد من الاتصالات المتطورة. من المفترض أن يؤدي كل ذلك إلى عالم تتلاشى فيه الحدود لصالح هذه الشبكات الجديدة. هناك الكثير من الدول المهددة حالياً، ولاسيما في الشرق الأوسط: إن سورية والعراق وربما الأردن لن تتمكن من البقاء ضمن أشكالها التعسفية الحالية. يمكن أن يسمح ذلك أيضاً بمستقبل أفضل إذا وجدت الشعوب نفسها مرتاحة في الحدود التي ستتشكل وأفضل اندماجاً بالهياكل الإقليمية للتبادل التجاري. كلما استمرت إراقة الدماء في سورية، كلما اتجهنا بشكل أكبر في هذا الاتجاه. سنحت لي الفرصة مؤخراً بمرافقة وزير المالية في كوسوفو الذي عرض علي الاتفاقيات الموقعة من أجل رسم ملامح منطقة التبادل الحر في دول البلقان، وذلك بعد عشرين عاماً فقط من الحروب التي اجتاحت يوغسلافيا السابقة! بما أن دول البلقان نجحت بذلك، أعتقد أن الشرق الأوسط يمكن أن ينجح أيضاً.
سؤال: ألا يبدو أن الطريق نحو هذا العالم بدون حدود دامياً جداً، كما هو الحال في سورية؟
باراغ خانا: إن الطريق نحو عالم بدون هيمنة صينية سيكون دامياً أيضاً، كما كان عليه الحال في الطريق نحو عالم بدون هيمنة ألمانية أو أمريكية، أو كما سيكون عليه طريق الصدام بين الحضارات. إن نظرتي تجعلنا نذهب باتجاه عالم أقل دموية من هذه البدائل.
سؤال: تشير كتاباتكم إلى أن ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا هو عملية طبيعية لتفكيك وإعادة تركيب الدول: إذاَ، إنها ليست مأساة كبيرة إلى هذا الحد؟
باراغ خانا: على الصعيد العالمي، نحن الآن ضمن عملية تعديل للحدود لكي تتوافق بشكل أفضل مع السيادة السياسية والمعطيات السكانية والعرقية. كانت منظمة الأمم المتحدة تضم خمسين دولة عند تأسيسها عام 1945، ووصل عدد أعضائها اليوم إلى حوالي مئتي دولة. لا تراهنوا على أن هذه العملية ستتوقف عام 2014! إن شبه جزيرة القرم هي حالة خاصة. لا يمكن تبرير العدوان الروسي مهما كانت الأخطاء وحالة الفساد في أوكرانيا منذ الثورة البرتقالية عام 2004، ولكنني لا أعتقد أنه يجب تحويله إلى حرب عالمية ثالثة أو حرب باردة جديدة! تم ترسيم حدود الاتحاد السوفييتي السابق بشكل عشوائي أيضاً كما هو الحال بالنسبة للحدود الاستعمارية الأوروبية في أفريقيا.
سؤال: أليست روسيا هي إحدى الدول المهددة بالتفتت لاحقاً؟
باراغ خانا: بالتأكيد. إن قلة من الناس فقط مستعدة للاعتراف بذلك، ولكنه أمر مؤكد. في النهاية، إن توزيع السكان والموارد يفرض قوانينه على السياسة. يتركز السكان الروس في غرب الأورال، وذلك في الوقت الذي يتزايد فيه السكان الصينيون والطلب الصيني في الشرق. لقد بدأت هذه العملية فعلاً: يشتري الصينيون الخشب والنفط والغاز والمعادن وربما سيشترون الماء من الشرق الأقصى الروسي قريباً، وبدأ الحديث حالياً عن إحياء خطط حقبة خروتشوف حول عكس مجرى بعض الأنهار الروسية من أجل سقاية الصين.
سؤال: هل سيكون من الأفضل لروسيا أن تهتم بتقدم الصين على أراضيها بدلاً من الاهتمام بتقدم الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا؟
باراغ خانا: بالتأكيد. تقول موسكو أن الأحداث في شبه جزيرة القرم ستساهم في التقريب بين روسيا والصين، وتعتقد موسكو أنها بحاجة للوقوف إلى جانب الصين لتشكيل جبهة واحدة في مواجهة الغرب. ولكن الصين هي بالفعل التهديد الأول لروسيا.
سؤال: إذا كان الرد على اعتداءات بوتين رخواً جداً، أليس ذلك لأن القادة الغربيين يحققون مصالحهم بما فيه الكفاية مع دكتاتور يحافظ على روسيا هادئة وضعيفة نسبياً؟
باراغ خانا: من الأفضل القبول ببعض الاضطرابات على المدى القصير إذا أردنا الذهاب نحو عالم أكثر استقراراً ونمو أفضل واندماج إقليمي على المدى الطويل الأجل. يعني ذلك أن الغرب لا تنقصه الوسائل من أجل التأثير بذكاء على روسيا. إن أحد هذه الأسلحة هو السلاح الديموغرافي: لم تتوقف روسيا منذ عشر سنوات عن المطالبة بإلغاء سمات الدخول بالنسبة لمواطنيها، وكان الأوروبيون محقون عندما رفضوا ذلك. بهذه الطريقة، تستطيع أوروبا ولاسيما برلين ولندن اختيار أفضل الأدمغة وسرقتها من روسيا، وبالتالي إفراغها من أفضل كفاءاتها.
سؤال: سيكون هناك عقاب آخر هو إلغاء قمة الثمانية التي تربط روسيا بالدول العظمى، واستبدالها بقمة ثلاثية تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، وهذا ما تدعون إليه منذ فترة طويلة؟
باراغ خانا: يجب أن يكون هناك قمة ثلاثية. إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين هم القوى العظمى الوحيدة التي تؤخذ بعين الاعتبار بخصوص الإدارة العالمية وتحديد المعايير الدولية. إن منظمة التجارة العالمية هي الأكثر فعالية بين الهياكل الدولية، وهذا الحوار بين هذه القوى العظمى الثلاث موجود حالياً ضمن هذه المنظمة. تقوم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتنسيق فيما بينهما بخصوص النزاعات التجارية مع الصين، ويزداد نفوذهما بهذه الطريقة. تكمن المشكلة في أن مأسسة القمة الثلاثية سيجعلها شكلاً من الإدارة العالمية. يرفض الكثير من الدبلوماسيين المضي في هذا الطريق: إنهم يخشون أن يُنظر إليها بشكل سيء.
سؤال: من بين هذه "الإمبراطوريات" الثلاثة، اعتبرتم أن الاتحاد الأوروبي يتميز بأنه الأكثر "عطاء" وأنه الوحيد الذي ما زال يتوسع. هل سيكون الاتحاد الأوروبي نموذجاً؟
باراغ خانا: تماماً! يجب على الكثير من المناطق في العالم سواء في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو الشرق الأوسط أو آسيا أن تستلهم من النموذج الأوروبي، ويجب عليها إزالة حدودها الموروثة من الحقبة الاستعمارية والعمل من أجل اندماجها الإقليمي. في هذا المجال، ليس هناك نموذج أفضل من نموذج الاتحاد الأوروبي.
سؤال: ولكن الأوروبيين يبدو أنهم يجهلون ذلك: من المنتظر أن تشهد الانتخابات المقبلة تقدماً للأحزاب الشعبوية والمعادية للأجانب والمعادية لأوروبا... كيف يمكن إبراز مزايا النموذج الأوروبي؟
باراغ خانا: بأن تحقق الأحزاب الشعبوية وعودها بالقضاء على الهجرة والتخلي عن اليورو، وسترون نتائج ذلك! إذا كنتم تعتقدون أن بلدكم سيكون في وضع أفضل بدون الاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية، حاولوا ذلك، وحظاً سعيداً! حاولوا أن تعثروا على مستثمرين إذا تخلت اليونان عن منطقة اليورو. إن الوحيدين الذين سيستثمرون، سيأتون من أجل الاستفادة من إفلاس البلد والاستيلاء على مكاسبه وموانئه وآثاره التاريخية. أود أيضاً أن يتمسك القادة الأوروبيون بهذا الخطاب بدلاً من العمل كما لو أن الأحزاب الشعبوية تُمثل بديلاً جدياً.
سؤال: ماذا تقولون للفرنسيين الذين يفتقدون للحماس من أجل أوروبا؟
باراغ خانا: لديكم العديد من الأسباب الوجيهة لكي تكونون متشائمين حول وضعكم. يوجد في فرنسا قطاع عام ضخم ولا يمثل نموذجاً للفعالية. إن التكاليف مرتفعة جداً بالنسبة للشركات، واقتصادكم يمكن أن يكون أكثر تنوعاً... ولكن كل ذلك ليس خطأ الاتحاد الأوروبي بل خطأ فرنسا. أنتم الذين تقودون أوروبا مع ألمانيا.
سؤال: فيما يتعلق بالولايات المتحدة، تصفونها في كتابكم بأنها في مرحلة الانحطاط. هل عرف أوباما كيف يكبح هذا الانحطاط أم أنه ساهم في تسريعه؟
باراغ خانا: أعتقد أن أوباما لن يظهر في كتب التاريخ إلا كشخصية ثانوية. سيُنظر إلى السنوات الستة عشرة لحقبة بوش وأوباما باعتبارها فترة هيمنت عليها نتائج حروب جورج بوش الابن وأخطاء الإدارة الاقتصادية وإهمال البنى التحتية وتزايد عدم المساواة... لم يتمكن أوباما من تغيير كل ذلك. إن ديناميكية الأسواق واستثمار الموارد الطبيعية مثل النفط وغاز الأردواز (Gaz de Schiste) سمحت للولايات المتحدة بالحفاظ جزئياً على غناها وقوتها. ولكنني لا أرى فعلاً ما الذي فعله أوباما من أجل وضع البلد على الطريق الصحيح. إنه يريد رفع الحد الأدنى من الرواتب والأجور، ولكنه لم يتمكن من فرض ذلك. إنه يريد تنفيذ إصلاحه في المجال الصحي، ولكنه ليس متأكداً من نجاح ذلك... لقد عملت من أجل حملته الانتخابية، ولكنني لست متأكداً من أننا أمام شخصية تاريخية عظيمة.
سؤال: هل ترون أوباما كاستمرارية لجورج بوش الابن؟
باراغ خانا: بالتأكيد. في جميع الأحوال، إن التاريخ وليست الانتخابات هو الذي سيملي شروطه. إن المخلصين والمعجبين بأوباما هم فقط الذين سيقولون بأن رئاسة أوباما كانت قطيعة مع حقبة بوش. يعتبر البقية أن الاستمرارية واضحة جداً سواء فيما يتعلق بالعجز عن إصلاح وول ستريت أو إصلاح السياسة الضريبية التي يعاني منها الأكثر فقراً أو سياسة مكافحة الإرهاب أو غوانتامو أو الوقت اللازم للانسحاب من العراق وأفغانستان.