الصفحات

الجمعة، 16 أيار، 2014

(في جحيم حلب)

صحيفة اللوموند 16 أيار 2014 بقلم مراسلتها الخاصة في حلب الصحفية الإيطالية المستقلة فرانسيسكا بوري Francesca Borri التي تابعت المعارك في حلب خلال عدة أشهر. قامت بترجمة المقال فيرجيني بوردو Virginie Borodeaux

     نتحدث منذ عدة أشهر عن مدينة حلب المهدمة ووابل القذائف، والشوارع المليئة بالقناصين، والصواريخ، والدبابات، والطائرات، والحمى الصفراء، واللايشمانيا، والمجاعة، والأطفال الذين يأكلون العشب ويشربون مياه الأمطار، والأنهار المليئة بالجثث، وقطع رؤوس الناشطين، وإعدام أطفال أعمارهم خمسة عشر عاماً، وقصف المستشفيات، وإجراء عمليات جراحية بسكاكين الطبخ، والجثث المقطعة الأوصال، ورؤوس بشرية وأجزاء منها.
ـ بدأ بشار الأسد هجومه المعاكس في شهر كانون الأول 2013، وندخل إلى حلب حالياً عبر جبهة طولها خمسة عشرة كيلومتراً ابتداءاً من منطقة الشيخ نجار الصناعية تحت نيران قذائف الهاون، والراجمات، وبنادق الكلاشينكوف، و"القنابل ـ البراميل" المحشية بالنفط والمتفجرات التي ترميها الطائرات المروحية. تنهال هذه القنابل بالعشرات يومياً، ليلاً ونهاراً، وتقتل كل قنبلة منها خمسين ضحية وسطياً دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين، ولا تُميز أحياناً بين المقاتلين المتمردين والنظاميين نظراً لمواقعهم المتقاربة.
     اختفت أجزاء كبيرة من حلب على مدى عدة كيلومترات، ولكنها ليست خالية، لأنه كما قال سائقي: "أن تصبح لاجئاً هو ترف لا يستطيع الجميع دفع ثمنه". تبلغ أجرة الطريق بالسيارة إلى الحدود التركية 150 دولار بالإضافة إلى دفع مئة دولار عن كل شخص من أجل رشوة رجال الشرطة وعبور الحدود التركية بشكل غير شرعي. تشبه حلب مدينة للأشباح، ولكن السوريين ما زالوا هنا منهكين. تشير التقديرات إلى أن عدد سكان حلب أصبح ثمانين ألف نسمة يأكلون الكرتون لتهدئة جوعهم. لا يوجد في حلب إلا الموت، الانتظار والموت.
     تبنى مجلس الأمن بتاريخ 22 شباط القرار رقم 2139 الذي طلب توفير منفذ للمساعدة الإنسانية. ولكن الأمم المتحدة تعمل عبر الحكومة الوحيدة المعترف بها، أي حكومة الأسد، وذلك بما يتوافق مع أنظمتها الدولية. يمنع الرئيس السوري دخول الشاحنات عبر الحدود التركية الخاضعة لسيطرة المتمردين، الأمر الذي يُجبر هذه الشاحنات على المرور عبر الجنوب بشكل يؤدي إلى إضاعة الوقت والمال. كما أن الجزء الأكبر من المساعدة (90 % تقريباً) يصل إلى النظام. دخلت عدة شاحنات إلى حلب في هذه الأيام، ولكن يبدو أن المساعدة لم تصل إلى أي شخص في حلب. قال السائق حسين الذي يعمل مع الصليب الأحمر: "لم تعد المسألة تتعلق بالمساعدة الإنسانية. إن كيلو إضافي من الرز لن يُغير شيئاً. سنموت  في جميع الأحوال".
     انقسمت المدينة إلى نصفين: الأول بأيدي المتمردين والثاني تحت سيطرة النظام. في شهر أيلول 2013، ظهر نظام جديد في الجزء الشرقي الذي يسيطر عليه المتمردون، إنه نظام تنظيم القاعدة الذي حل مكان النظام القديم. إن المكان الوحيد الذي لم يتعرض للقصف هو القاعدة العامة لهذا التنظيم الإرهابي. لم يعد هناك أي معنى للحديث عن نظام في حلب اليوم التي تحولت إلى ساحة يُسيطر عليها أمراء الحرب. يتواجد جميع المتمردين على خطوط الجبهة من أجل قطع طرق الإمدادات لدمشق والاعداد لهجوم على منطقة اللاذقية من أجل التضليل. لا يستولي الطرفان إلا على الأنقاض.
     تظهر العلامة الوحيدة لوجود سلطة في كراج الحجاز الذي يُطلق عليه اسم "شارع الموت"، لأنه يشكل نقطة العبور بين جانبي حلب، ويتعرض دوماً لنيران قناصي الأسد. يقوم سكان الجزء الشرقي بدور حاسم، لأن مصدر الدخل الوحيد للكثير منهم هو رواتب موظفي الدولة الذين يجب عليهم قبضه من الجزء الغربي للمدينة، أو بيع الفواكه والخضار واللحم بسبب ارتفاع أسعارها فيه. كما أن القنابل لا تسقط على الجزء الغربي الذي تصله المساعدة الإنسانية، ولجأت العائلات النازحة إلى الجزء الغربي. منع إسلاميو تنظيم القاعدة نقل الغداء والأدوية في المرحلة الأولى، ثم قاموا ببناء جدار اسمنتي حالياً.
     تحولت المعركة في جزء كبير منها إلى مواجهة بين المقاتلين الأجانب: الجهاديون من جهة، وحزب الله والإيرانيون والمرتزقة من جانب آخر، ويبدو أنها لم تعد تثير انتباه السوريين. لم يعد أحد يتحدث عن "مناطق محررة"، بل عن حلب الغربية وحلب الشرقية. لخّص علي، أحد الناشطين القلائل الذين ما زالوا في حلب، الوضع قائلاً: "يتقدم الجيش الحر ويتقدم، ونظن أنه سينتصر... وفجأة، يتوقف وصول السلاح إليه. ثم يقوم النظام بهجوم مضاد، ويتقدم ويتقدم، ونظن أنه سينتصر... وفجأة، يحصل الجيش الحر على أسلحة جديدة. هذا هو الوضع منذ عدة أشهر. أنتم تفكرون بإمكانية التدخل الخارجي، ولكن التدخل الخارجي يجري حالياً. إننا بحاجة إلى تدخل داخلي بدلاً عن التدخل الخارجي: يجب علينا إعادة سورية إلى السوريين".