الصفحات

السبت، 11 تشرين الأول، 2014

(باريس ـ دمشق، الأسرار الصغيرة غير المعلنة)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 9 تشرين الأول 2014 ـ مقتطفات من الكتاب الذي صدر يوم الخميس 9 تشرين  الأول بعنوان: "الطرق إلى دمشق" عن دار نشر روبير لافون ـ هذا الكتاب بقلم الصحفيين كريستيان شينو Christian Chesnot وجورج مالبرونو Georges Malbrunot. هذه المقتطفات حول الخلافات الفرنسية ـ الفرنسية المتعلقة بالملف السوري منذ عام 2011

     لم يتجرأ أي سفير فرنسا سابق على القيام بذلك: لقد قام بدعوة الرجل الأكثر فساداً في النظام رامي مخلوف، ابن خالة بشار الأسد، والذي تكرهه الأغلبية الساحقة للسوريين بسبب دوره المحوري في النظام القائم، لتناول الغداء في منزل السفير الفرنسي بدمشق. لم يتردد سفير فرنسا إريك شوفالييه في خريف عام 2009 في اتخاذ المبادرة بعد عدة أشهر فقط من وصوله إلى دمشق.
     يتذكر إريك شوفالييه حفلي غداء لوحده مع رامي مخلوف، وأرسل بعدهما تقريراً تم نشره ليس فقط في وزارة الخارجية الفرنسية بل أيضاً في قصر الإليزيه ووزارة الاقتصاد الفرنسية. أكد إريك شوفالييه قائلاً: "ليس لدي أي تعليق سلبي على الشخص. لم أتلق من أي شخص تعليمات تقول لي أن ذلك ليس أمراً جيداً، وأنه يجب التوقف عن ذلك". تحدث رامي مخلوف خلال حفلي الغداء باللغة الانكليزية على الرغم من أنه يستطيع التحدث باللغة الفرنسية. يشكل ذلك إلى حد ما تكريساً لهذا الشخص المنبوذ من الأوساط الدبلوماسية. سأل رامي مخلوف مضيفيه الفرنسيين بجرأة قائلاً: "بماذا تشعرون بحصولكم على الإذن بمقابلتي؟". يتذكر إريك شوفالييه قائلاً: "لم تتطرق النقاشات مع رامي مخلوف إلى الاقتصاد فقط، بل أيضاً إلى الرهانات الإقليمية. كتبت في تقاريري أن الرسالة من قبله كانت واضحة بما فيه الكفاية: سيكون من الصعب جداً إنجاز الصفقات في سورية بدون أن أستفيد منها شخصياً".
     في ربيع عام 2011، جرى اجتماع عاصف في مكتب إيرفيه لادسوس Hervé Ladsous، مدير مكتب آلان جوبيه، من أجل إعادة سفير فرنسا في سورية إلى جادة الصواب. من أجل القيام بذلك، أرسل قصر الإليزيه مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الشرق الأوسط نيكولا غاليه Nicolas Galey. شارك في هذا الاجتماع أيضاً مدير إدارة شمال أفريقيا والشرق الأوسط باتريس باولي Patrice Paoli ومدير إدارة الآفاق المستقبلية جوزيف مايلا Joseph Maïla وبعض الدبلوماسيين المكلفين بالملف السوري، بالإضافة إلى إريك شوفالييه الذي جاء من دمشق للمشاركة في هذا الاجتماع. ربما أحس إريك شوفالييه بالخطر الداهم قبل بداية هذا الاجتماع، وقال إلى أحد زملائه: "أنت أيضاً جزء من الدبلوماسيين الذين يعتقدون بأن النظام لن يسقط. إن بشار قوي. من غير الممكن المضي في هذا الاتجاه. يجب عليك تهدئة الناس في الوزارة". ولكن نيكولا غاليه جاء بمهمة محددة جداً هي فرض التوجه القائل بان سقوط بشار الأسد حتمي، وأنه لن يتم التساهل مع أي احتجاج داخل الدبلوماسية الفرنسية. وصل مبعوث الإليزيه بابتسامة ساخرة، وترك إريك شوفالييه يقول مؤكداً: "أنا سفير على الأرض، وتجولت في كل مكان في سورية. لم أشعر بأن النظام متهالك". قاطعه نيكولا غاليه بنبرة عدائية جداً نقلاً عن المشاركين قائلاً: "توقف عن قول الحماقات. يجب التوقف عن التمسك بالوقائع، ويجب رؤية ما هو أبعد من أنفك".
     إيرفيه لادسوس هو دبلوماسي محنك ومُتزن، وكان أول المتفاجئين بعنف نيكولا غاليه الذي لم يحضر الاجتماع لتبادل التحليلات بل من أجل تحديد الهدف المطلوب بشكل حاسم ونهائي. أوقع إريك شوفالييه نفسه في فخ تحليله الذي يرتكز على جملة: "يجب تصديقي، أنا أعطيكم المعلومات الصحيحة لأنني رأيت ماذا حصل، وكنت هناك". ولكن نيكولا غاليه لم يتأثر إطلاقاً بهذا الكلام، وأكد حزمه قائلاً: "لا تهمنا معلوماتك. أين هي مصالح فرنسا؟ بالتأكيد، إنها لا تكمن في دعم دكتاتور!". لكن إريك شوفالييه رجل شجاع، وأكد وجهة نظره دون أن يفقد الثقة بنفسه قائلاً: "أنا معروف في دمشق بأنني الشخص الذي يلتقي غالباً مع المعارضين. أشعر أيضاً بإمكانيات قوة النظام وقدرته على المقاومة، بالإضافة إلى الدعم الخارجي المحتمل الذي يحظى به. في جميع الأحوال، إنها ليست فكرتي عن عمل السفير. أنتم تريدون أن أكتب بشكل مختلف، ولكنني أعتبر أن واجبي هو الاستمرار بكتابة ما أكتبه. بمعنى آخر، أن أروي ما يحصل!". رد عليه نيكولا غاليه قائلاً: "ولكنك لا تريد جر وزارة الخارجية وفرنسا في هذه المغامرة". رفض إريك شوفالييه هذا الكلام قائلاً: "أنتم تقولون أشياء غير صحيحة". اختتم نيكولا غاليه الحديث قائلاً: "نحن لا تهمنا معلوماتك. يجب أن يسقط بشار الأسد، وسيسقط". احتدت النبرة لدرجة أن إيرفيه لادسوس الهادئ جداً اضطر للصراخ مرتين من أجل وضع حد لهذا الصراع. كان  جميع المشاركين حول الطاولة ينظرون إلى السقف، ويبدو عليهم الانزعاج.
     قال أحد عناصر الإدارة العامة للأمن الخارجي DGSE منتقداً: "إن الإدارة العامة للأمن الداخلي DCRI لا تعرف أي شيء عن سورية". ما زالت الاستخبارات الخارجية تجد صعوبة في قبول الدور القيادي لمنافستها في العلاقة مع دمشق. ما زالت الأزمة السورية تؤجج النزاع الداخلي بين الاستخبارات الداخلية والخارجية، وتعايشهما الصعب في الطابق الثالث للسفارة الفرنسية. قال أحد العسكريين: "الأبواب مغلقة، ويتجنب الطرفان اللقاء في الممرات. ويحاول عناصر قيادة العمليات الخاصة COS القيام بدول الحكم فيما بينهما".
     غادر فريق الإدارة العامة للاستخبارات الخارجية (حوالي ستة عناصر) من سورية إلى الأردن، وتم تعزيزه بعد تكليف بعضهم بمهمة المساعدة العسكرية التي تقدمها فرنسا إلى الجيش السوري الحر في إطار الاجتماعات مع بقية الحلفاء الغربيين والعرب، هذه الاجتماعات التي كانت تُعقد في "غرفة الحرب" في فندق الفصول الأربعة في العاصمة الأردنية.
     كانت التحليلات متوافقة بين جهازي الاستخبارات الداخلية والخارجية في بداية الأزمة السورية في ربيع عام 2011، ولم يكن أي منهما يرى أن بشار سيسقط سريعاً، وهذا ما كتبه عناصرهما في دمشق. ولكن هناك اختلاف واضح بينهما من حيث الشكل والنبرة المستخدمة كما يتذكر دبلوماسي على اتصال مع الجهازين. قال هذا الدبلوماسي: "رأت الإدارة العامة للأمن الداخلي بسرعة أيدي السلفيين والجهاديين في هذا التمرد، وأظهرت حذرها حول طبيعة هذا التمرد. أما الإدارة العامة للأمن الخارجي فقد وافقت رأي السلطات في باريس وانتقدت بعنف نظام بشار الأسد".
     كانت الإدارة العامة للأمن الخارجي تعتقد عام 2009 أنها انتقمت أخيراً من الإدارة العامة للأمن الداخلي عندما حصلت بعض التغييرات في إدارة الأجهزة السورية، وعزل آصف شوكت ـ الذي كان الوسيط مع فرنسا ـ من رئاسة الاستخبارات العسكرية وحل محله علي مملوك الذي يدير الأمن السياسي. كانت الإدارة العامة للاستخبارات الخارجية تتعامل مع علي مملوك، واعتقدت أن فرصتها قد حانت. ولكن برنار سكارسيني Bernard Squarcini الذي جاء مع نيكولا ساركوزي استعاد هذه العلاقة لمصلحته.  لقد تجاوز رئيس الإدارة العامة للأمن الداخلي برنار سكارسيني أصول اللباقة تجاه خصومه في الإدارة العامة للأمن الخارجي التي اضطرت مرة أخرى إلى كبت غضبها حتى جاء شهر آذار 2011 عندما نزل السوريون إلى الشارع ضد بشار الأسد.
     تسبب تمسك موسكو بدعم بشار الاسد في أزمة صغيرة بين فرنسا وروسيا، وذلك عندما تحدث آلان جوبيه عن "وصمة لا تمحى" على سمعة روسيا. رداً على ذلك، رفض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التحدث مع نظيره الفرنسي على الهاتف خلال الأسابيع الأخيرة من رئاسة ساركوزي. قال كلود غيان Claude Guéant: "إن الطريقة التي تعامل بها آلان جوبيه مع روسيا في الأزمة السورية كانت خطأ خطيراً. لم يكن من الواجب تهميش روسيا بهذا الشكل، في حين أنه كان من الممكن استخدامها كثيراً. أنا مُقتنع أنه لو تم التخلي عن المسائل المتعلقة بالأنا والحظوة والزعامة في ذلك الوقت، وقلنا إلى الروس أنهم الأفضل لمعالجة هذا الوضع، فإنهم سيكونون سعيدين جداً بالانخراط إيجابياً. لقد كانوا الوحيدين القادرين على القيام بذلك".
     لم يتردد سفير فرنسا في بغداد بوريس بوالون Boris Boillon عن تجميل الواقع في برقيته المؤرخة بشهر أيلول عام 2010 بعنوان: (العراق، ديموقراطية تتقدم إلى الأمام). تحتل هذه البرقية مركزاً متقدماً بين الحماقات الدبلوماسية. احكموا بأنفسكم على ما ورد فيها: "خرج العراق اليوم من الورطة. يملك البلد القدرة على أن يصبح نموذجاً للتنوع الديموقراطي وقطباً للاستقرار الإقليمي. يتمتع العراق بميزات عديدة: ثالث احتياطي نفطي، وسكان متعلمون، ومصادر ديموقراطية حقيقية. إن آثار الحرب الأهلية والمأزق السياسي لا يمنع البلد من التقدم. تتعمد الصحافة الدولية نشر الأفكار الجاهزة التالية: هناك فراغ سياسي خطير يمكن أن يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن". انتقد بعض الدبلوماسيين في الاجتماعات الخاصة هذا "التراجع" في التحليل الفرنسي حول الشرق الأوسط، وذلك بعد أن كان يشكل إحدى العلامات المتميزة لوزارة الخارجية الفرنسية. إن هذه الدبلوماسية المتقلبة غالباً حيّرت شركاءنا الأوروبيين والعرب.
     قال فرانسوا هولاند في مؤتمر السفراء بتاريخ 27 آب 2013: "لا يمكن أن تبقى المجزرة الكيميائية في دمشق بدون جواب. لا يمكن أن يبقى المجتمع الدولي دون حراك تجاه استخدام الأسلحة الكيميائية. إن فرنسا مستعدة لمعاقبة أولئك الذين اتخذوا القرار المرعب باستخدام الغاز ضد الأبرياء". طلب فرانسوا هولاند نشر وثائق الإدارة العامة للأمن الخارجي وإدارة الاستخبارات العسكرية، وجمعهما في وثيقة واحدة، ونزع صفة السرية عنها، وذلك من أجل إقناع الرأي العام بصحة موقفه الحربي. قام جان كلود ماليه Jean-Claude Mallet، المستشار الخاص لوزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان، بـ "تدعيم" الوثيقة المشتركة بين الإدارة العامة للأمن الخارجي وإدارة الاستخبارات الخارجية على الرغم من أنف جواسيس الإدارة العامة للأمن الخارجي وضباط إدارة الاستخبارات العسكرية الذين تركوا بعض نقاط الاستفهام أو طرحوا بعض الشكوك، لأنه لا يمكن التوصل إلى نتائج مؤكدة حول بعض الجوانب، ولاسيما حول استخدام الساران. تتحدث إحدى الفرضيات عن أن جيش الأسد قصف مخبراً سرياً للمتمردين بقذائف تقليدية، ولكن هذه الفرضية اختفت كليا من النص النهائي للوثيقة. مرة أخرى، كان يجب أن تتطابق نسخة أجهزة الاستخبارات والجيش مع الخط السياسي لقصر الإليزيه. لم يكن يجب إزعاج القصر. يجب أن يتطابق كل شيء مع موقف فرانسوا هولاند.