الصفحات

الثلاثاء، 7 تشرين الأول، 2014

(اليوم الذي أرادت فيه فرنسا استئناف العلاقة مع دمشق)

صحيفة اللوموند 7 تشرين الأول 2014 بقلم جاك فولورو Jacques Follorou

     إن التداخل بين متطلبات مكافحة الإرهاب وبين التعهدات الدبلوماسية الفرنسية يقترب أحياناً من الانفصام بالشخصية. تود أجهزة الشرطة والاستخبارات الداخلية الفرنسية استئناف التعاون مع نظرائهم السوريين، في حين أن الإليزيه ووزارة الخارجية الفرنسية يستمران في القول أنه لا مجال إطلاقاً للتعاون مع الدكتاتور السوري بشار الأسد الذي تسبب بمقتل حوالي مئتي ألف شخص، وفقد "الشرعية بشكل كامل".
     تحرص الإدارة العامة للأمن الداخلي DGSI على تجنب عودة الجهاديين الفرنسيين الذين غادروا إلى سورية وارتكابهم عمليات تفجير داخل فرنسا. تشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة اللوموند إلى أن الإدارة العامة للأمن الداخلي حاولت خلال نهاية الربع الأول من عام 2014 إقامة علاقة مباشرة مع الأجهزة السورية من أجل الحصول على معلومات تسمح باستباق التهديدات المحتملة. رد نظام بشار الأسد على هذه الأمنية بالإشارة إلى أنه مستعد للتعاون حالما تقرر فرنسا إعادة فتح سفارتها في سورية بعد أن أغلقتها بتاريخ 6 آذار 2012. رفض فرانسوا هولاند هذا الاحتمال، وما زال منخرطاً جداً ضد نظام دمشق، وانضم إلى  التحالف الدولي ضد "الدولة الإسلامية" التي تمثل القوة الجهادية الرئيسية في سورية ضد الغرب وبشار الأسد في الوقت نفسه.
     إذا كانت الإدارة العامة للأمن الداخلي تملك وسائل تقنية وبشرية هامة لكي تراقب المرشحين للجهاد في سورية واتصالاتهم على الأرض الفرنسية، فإنه ينقصها حلقة هامة جداً هي نشاطاتهم وحركتهم في سورية. إن الانقطاع المفاجئ للاتصالات بين باريس ودمشق جفف المصدر السوري للمعلومات، وحرم الإدارة العامة للأمن الداخلي من معلومات هامة منذ سنتين ونصف. تابعت بعض الدول الغربية مثل ألمانيا علاقاتها مع السلطات السورية، ولاسيما عبر أجهزة استخباراتها. في الوقت نفسه، حافظت برلين على اتصالها مع حزب الله وإيران. لقد اضطرت الإدارة العامة للأمن الداخلي في بعض الأحيان إلى المرور عبر شريكها الألماني للحصول بشكل غير مباشر على المعلومات عن الفرنسيين المتورطين في التحقيقات الجارية. ولكن هذه الطريقة غير المباشرة تشكل عائقاً أمام فعالية عمل الإدارة العامة للأمن الداخلي.
     ذهبت أجهزة الاستخبارات الفرنسية إلى دمشق عندما وصل تدفق الجهاديين إلى مستوى اعتبرته السلطات الفرنسية مقلقاً جداً، وذلك قبل عدة أسابيع من اعتقال مهدي نيموش في مرسيليا في نهاية شهر أيار. كان الوفد يتألف من ضابط الاتصال في مكتب الإدارة العامة للأمن الداخلي في عمّان، الذي انتقل إليه الموظفون العاملون سابقاً في دمشق، ونظيره في الإدارة العامة للأمن الخارجي DGSE. أشار مصدر في الاستخبارات الفرنسية قائلاً: "كان الهدف استئناف الحوار، لأنه توجد حاجة حقيقية للاستخبارات العملياتية، ويمكن تلبيتها عبر تبادل المعلومات على الأقل"، وأضاف المصدر نفسه أن نظام دمشق اشترط مساعدته بأن تقدم فرنسا مؤشراً على اعترافها وأن "يتوقف رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند ووزير  الخارجية لوران فابيوس عن توجيه الانتقادات العلنية". ولكن هذه المطالب غير مقبولة من قبل فرنسا.
     يقف وراء هذا التوجه علي مملوك، رئيس الأمن الوطني والمستشار الأمني الخاص للرئيس السوري بشار الأسد. قامت دمشق بتفعيل قنوات أخرى لتشجيع فكرة إعادة فتح السفارة الفرنسية مقابل التعاون ضد الجهاديين، وذلك خلال الأشهر التي أعقبت زيارة ممثلي الإدارة العامة للأمن الداخلي والإدارة العامة للأمن الخارجي. تمت الاستعانة ببعض الوسطاء التقليديين مثل بعض النواب وأعضاء جمعيات الصداقة الفرنسية ـ السورية وبعض كبار المسؤولين في الاستخبارات الفرنسية، ومن بينهم الرئيس السابق للإدارة العامة للأمن الداخلي برنار سكوارسيني Bernard Squarcini الذي أكد إلى صحيفة اللوموند أنه تم الاتصال به لكي يحاول تسهيل التعاون بين باريس ودمشق على الصعيد الاستخباراتي، ولكنه رفض تقديم أية تفاصيل حول السلطات السورية التي اتصلت به أو عن الأشخاص الذين نقلوا إليه هذه الرسالة. اكتفى برنار سكوارسيني بالإشارة إلى أنه ينوي "أن يترك الأجهزة تقوم بعملها".
     كما أكد تاجر النفط الفرنسي كزافييه هوزل Xavier Houzel، الذي كان أكبر مشتري النفط السوري خلال أكثر من ثلاثين عاماً، إلى صحيفة اللوموند أنه وصلته رسالة مشابهة من قبل المقربين من الرئاسة السورية. قال كزافييه هوزل: "الموقف السوري واضح، إنهم يقولون: نحن حكومة شرعية وتتمتع بالسيادة، نحن لسنا مخالفون للقانون، افتحوا سفارتكم، ونحن منفتحون على شكل شيء حتى بشكل سري".
     لم تحبذ قمة الدولة الفرنسية هذه المناورة السورية لفك عزلتها الدولية عبر مقايضة المساعدة بمكافحة الإرهاب. لم تكن الإدارة العامة للأمن الخارجي في طليعة الوفد الذي ذهب إلى دمشق، وتلتزم دوماً بحذر مرتبط بعملها في عالم يتصف بالسرية، وذلك بخلاف الإدارة العامة للأمن الداخلي التي تقوم بمهمة الدفاع عن الأراضي. إن الإدارة العامة للأمن الخارجي هي إدارة "هجومية". أكدت الإدارة العامة للأمن الخارجي إلى صحيفة اللوموند أنها "لا تنوي استئناف أية علاقة مع الأجهزة السورية" رداً على سؤال يتعلق بالمسعى المشترك الذي قامت به الإدارة العامة للأمن الداخلي والإدارة العامة للأمن الخارجي لدى دمشق خلال الربيع الماضي.
     إن وزارة الداخلية هي الطرف الأكثر اهتماماً بصفتها الجهة المشرفة على الإدارة العامة للأمن الداخلي. اختارت وزارة الداخلية أن يرتكز ردها الرسمي على موقف رئاسة الجمهورية، واكتفى الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بالقول: "ليس لدينا أي اتصال مع الأجهزة السورية" دون أن ينفي المحاولة التي قام بها مكتب الإدارة العامة للأمن الداخلي في عمّان لاستئناف الاتصال.

     إن وزارة الخارجية الفرنسية هي الأكثر تصلباً تجاه مثل هذا النوع من الاتصالات، حتى لو أن باريس لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق رسمياً. أكدت وزارة الخارجية الفرنسية بقولها: "ليس هناك أي مشروع لإعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق. نحن نؤكد أننا ندعم المعارضة المعتدلة في سورية التي تقاتل على جبهتين ضد بربرية داعش وضد نظام السيد بشار الأسد الذي كان السبب في ظهورها".