الصفحات

الاثنين، 13 تشرين الأول، 2014

(يوميات حرب في دمشق)

صحيفة اللوموند 12 ـ 13 تشرين الأول 2014 بقلم كريستوف عياد Christophe Ayad

     تنشر صحيفة اللوموند في هذا العدد وخلال هذا الأسبوع التقرير الذي أعدته المصورة الروسية أولغا كرافيتس Olga Kravets بعد أن أمضت حوالي الأسبوعين خلال شهر أيلول في دمشق والعديد من المناطق الحكومية الأخرى. إنه تقرير يغوص في الأمور اليومية العادية والسرية والمأساوية للحرب الأهلية السورية.
     اعتدنا في النهاية على هذه الحرب لدرجة نسيانها. ولكن نزاعاً آخراً طغى عليها في الشمال والشرق ضد "الدولة الإسلامية"، إنها مواجهة بين الطائرة المقاتلة والسيف. هذه المواجهة هي مواجهتنا: إنهم جهاديو"نا" الذين يقتلون رهائنـ "نا" انتقاماً من هجمات طائراتـ "نا" المقاتلة. خلال هذا الوقت، الحرب الأهلية مستمرة. أولغا كرافيتس هي مصورة روسية أمضت حوالي الأسبوعين في دمشق ومناطق حكومية أخرى لحساب وكالة سالت للتصوير Salt Images. لم تحصل صحيفة اللوموند على تأشيرة دخول إلى سورية منذ بداية التمرد في ربيع عام 2011، ولذلك اختارت الصحيفة نشر عمل الصحفية الروسية. في الحقيقة، يستمر القتال في دمشق يومياً على بعد عشرة كيلومترات من الجامع الأموي وأسواق المدينة القديمة.
     قالت أولغا كرافيتس: "الشيء الأول الذي يبعث على الصدمة في دمشق هو الضجيج". هدير مستمر. تُحلّق الطائرات المقاتلة عدة مرات يومياً من أجل قصف جوبر التي يقاوم فيها المتمردون تحت الأنقاض، ومات فيها الكثير منهم، ولكنهم يُجددون أنفسهم باستمرار. يبدأ عمل المدفعية الثقيلة في هذا الحي ليلاً، وذلك بعد أن كان إحدى ضواحي دمشق، ولكنه أصبح يشكل جزءاً لا يتجزأ من العاصمة حالياً. لا يمر يوم دون أن تتصاعد أعمدة الدخان السوداء الكثيفة في الأفق، ولكن لم يعد هناك أحد يهتم بذلك أو بالطائرات المروحية والمقاتلة التي تُقلع من المطار العسكري المجاور مخترقة سماء العاصمة. من المستحيل تجاهل الحرب، ولكن الجميع يتصرف كما لو أنها غير موجودة. تظهر الحرب أحياناً على الرصيف المقابل على شكل قذيفة هاون أو قذيفة صاروخية تسقط بشكل أعمى. أحياناً أخرى، تسقط القذيفة على إحدى السيارات أو المدارس أو الأشخاص عندما يكون الحظ في حالة إضراب. تؤكد أولغا كرافيتس قائلة: "يرفض الجميع الاعتراف بالواقع".
     لا يوجد منع للتجول في الليل، ولكن الخروج ليلاً أصبح نادراً وقصير المدة. قالت المصورة الروسية: "كانت حفلات الزواج تستمر حتى الفجر، وأصبحت تنتهي الساعة العاشرة ليلاً". كانت شرفات المقاهي في المدينة القديمة تفتح أبوابها حتى العام الماضي عندما شن النظام هجوماً كيميائياً في ضواحي دمشق في شهر آب، ولكن سكان دمشق يفضلون اليوم تناول طعام العشاء في القاعات المغلقة والداخلية لأنها أقل تعرضاً لقذائف المتمردين العشوائية. ما زالت عمليات الاستنزاف التي يشنها المتمردون مستمرة حتى داخل العاصمة، وذلك على الرغم من انتصارات النظام الذي أبعد المتمردين إلى ما وراء حمص خلال العام الماضي.
     يقوم ضباط الجيش بإدارة البلد ـ أو ما بقي منه ـ من الثكنات التي لا يمكن اختراقها والمحاطة بجدران عالية، وربما يساعدهم عدد كبير من المستشارين الإيرانيين والروس. يمكن أن يظهر الجيش فجأة في أية لحظة في حياة أي شخص: خلال إقامة أولغا، تم استدعاء المترجم الذي يرافقها إلى خدمة العلم على الرغم من الإكرامية التي دفعها لتجنب الالتحاق الجيش. ولكن فضّل الهرب إلى لبنان على الرغم من أنه علوي.
     لا أحد ينتقد النظام في دمشق، وهو أمر لا يدعو للاستغراب إطلاقاً. ولكن الأمر الذي يدعو للاستغراب أكثر كما تقول أولغا هو أنه "لا أحد يشعر بأنه مجبر على مديح النظام. لقد عَمِلتُ في الشيشان، وكان الناس يمدحون الرئيس قاديروف في النهاية". أما هنا، فإنه كما لو أن بشار الأسد يعيش في كوكب آخر على الرغم من حضوره على جميع جدران المدينة عبر الصور واللافتات.
     كانت المصورة الروسية مُجبرة على قبول "مرافقة" لها من وزارة الإعلام طوال فترة إقامتها. هذه المرافقة هي فتاة عاطلة عن العمل اسمها رنا (28 عاماً) ابنة أحد كبار الضباط السنة في حمص، كان من المفترض أن تقوم بتسهيل عمل أولغا، ولكنها رافقتها من أجل مراقبتها. لكن هذه الفتاة الشابة التي تدربت بسرعة، وتعمل في هذه المهنة منذ فترة وجيزة، بذلت كل ما بوسعها لمساعدة الصحفية ـ المصورة. إن أولغا ورنا توصلتا في النهاية إلى إقامة علاقة غامضة يمتزج فيها التواطؤ والشك.

     تقول أولغا غرافيتس: "يقول الناس أنهم اعتادوا على القذائف والشهداء، ولكنهم لم يعد يتحملون التضخم". إن ارتفاع الأسعار والتزوير والبضائع الإيرانية غزت المحلات. تحولت مكاتب السياحة إلى محلات لبيع ألبسة النساء الداخلية بسبب انعدام الزبائن، وغالباً بدون تغيير لافتة المكتب. التقت أولغا خلال إقامتها في شهر أيلول مع آخر الحكواتية المشهورين في دمشق رشيد الحلاق الذي يعمل في قهوة النوفرة منذ وقت طويل. ولكنه مات بعد ذلك بأزمة قلبية دون أن يترك أحد مكانه.