الصفحات

السبت، 13 كانون الأول، 2014

(أكثر من 80 % من ضحايا الجهاديين هم من المسلمين)

الموقع الإلكتروني لصحيفة اللوموند 11 كانون الأول 2014 ـ مقابلة مع الباحث السياسي البريطاني بيتر نيومان Peter Neumann، مدير المركز الدولي لدراسة الراديكالية ICSR الذي تأسس عام 2008 ـ أجرى المقابلة مراسلها في لندن فيليب برنار Philippe Bernard

     ينشر الباحث السياسي بيتر نيومان يوم الخميس 11 كانون الأول بالتعاون مع محطة BBC World أول دراسة حول الكلفة الإنسانية للجهاد العالمي. أحصت الدراسة 5042 قتيلاً في شهر تشرين الثاني عبر 664 اعتداء.
سؤال: ما الذي أردتم إظهاره من خلال حصيلة  النزاعات المتواصلة في اربعة عشرة بلداً مختلفاً؟
بيتر نيومان: إن الكلفة البشرية الهائلة لهذا النزاع غير معروفة جيداً، وذلك في ظل الاهتمام الإعلامي الكبير باغتيال الغربيين. نحن نؤكد على حقيقة أن أكثر من 80 % من ضحايا الجهاديين هم من المسلمين. يُشكل ذلك نقطة ضعف كامنة بالنسبة لهذه الحركات التي تدعي القتال باسم الإسلام.
سؤال: هل هذه الحصيلة تشكل منعطفاً هاماً؟
بيتر نيومان: اختلف المشهد العام بشكل كامل خلال ثلاث سنوات.  في عام 2011، كان هناك اعتقاد بأن "الربيع العربي" سيسمح بطي صفحة تنظيم القاعدة. في الحقيقة، خلقت الثورات وضعاً غير مستقر، الأمر الذي أظهر الانقسامات الطائفية المدفونة منذ حقبة الدكتاتوريات، وسمح للمجموعات الجهادية بالعودة إلى الدول والقتال فيها. تُظهر دراستنا بالمعطيات والوقائع مدى تأثير هذا التحول.
سؤال: على أي أساس جمعتم هذه الأرقام؟ هل هي حقاً حرب وحيدة الشكل؟
بيتر نيومان: بالتأكيد، إن المجموعات المحلية مختلفة، ولكن القاسم المشترك بينها هو مفهوم الجهاد الذي حددناه بصفتين: الواجب الفردي الذي يقع على عاتق جميع الشباب من أجل القتال، ومشروع مجتمع لا توجد فيه انتخابات ولا حقوق ديموقراطية.
سؤال: ما هو الأمر الجديد في هذه الظاهرة؟
بيتر نيومان: ليس فقط حدة العنف، بل أيضاً حقيقة أن الدولة الإسلامية تقترح للمرة الأولى مشروعاً يبدو أنه أثار حمية أكثر من ستة عشرة ألف شاب جاؤوا من جميع أنحاء العالم، ومن بينهم آلاف الأوروبيين، للمشاركة في هذا المشروع. نحن نتابعهم، ونتكلم مباشرة مع بعضهم، ويمكنني القول أن بعضهم يؤمن فعلاً بأن خلافة جديدة على وشك البروز. لم يسبق لي أن شاهدت مثل هذا الشغف، ولا مثل هذه المشاركة من قبل النساء. أصبح لدينا جيل كامل انجذب نحو الفضاء الجهادي من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، ويعتبرون بن لادن كجدهم. إن الجيل القديم في طور تسليم الراية، وهو أمر نادر في تاريخ الحركات الإرهابية.
سؤال: لماذا كانت سورية محط الأنظار بشكل خاص؟
بيتر نيومان: أعطى النزاع السوري حياة جديدة للحركة الجهادية، لأن سورية هي مركز العالم الإسلامي وليست بعيدة عن القدس. لا أحد يتصور الخلافة في مقاديشو أو باماكو. كما أن نبوءات القرآن تحدد دمشق مكاناً لعودة الرسول.
سؤال: هل هناك دروس لكي يستقيها السياسيون من عملكم؟
بيتر نيومان: نعم. يجب إدراك أننا نواجه إيديولوجية متجذرة عالمياً، ويجب التوقف عن الاعتقاد بأننا سنقضي عليها عسكرياً فقط. لا بد من توفير الوسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمحاربتها. سيكون ذلك معقداً جداً وطويلاً.
سؤال: هل التهديدات الإرهابية حقيقية في الدول الغربية؟
بيتر نيومان: لا أعرف إذا كنا سنواجه هجوماً غداً أو في الشهر القادم. ولكنني متأكد أنه في هذه اللحظة التي نتكلم فيها، هناك بعض الأشخاص الذين يجتمعون في سورية والعراق وينسجون العلاقات فيما بينهم. سيؤدي ذلك إلى بعض الهجمات الإرهابية يوماً ما. يجب ألا ننسى أنه مضت فترة أربعة عشرة عاماً بين نهاية حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي وهجمات 11 أيلول. إذا حصلت هجمات إرهابية، فإن المسلمين هم الذين سيدفعون الثمن الأعلى.
سؤال: كيف يتحول الشباب الأوروبيون إلى جهاديين؟
بيتر نيومان: العناصر الأولية معروفة: إنهم بعض أطفال المهاجرين الذين يبحثون عن انتماء، ويؤججون الانتقادات ضد المجتمعات الغربية التي لا يشعرون بالارتياح داخلها ويرفضونها في أغلب الأحيان. إن اللقاء مع الناشطين السلفيين وأجوبتهم الحاسمة يشكل حلاً لمعضلة الانتماء، ويحدد الأعداء، ويعطي انطباعاً بالفوقية. هناك قوانين لكل تصرف أو بادرة في الحياة اليومية، بشكل يضمن لهم الجنة في حال تنفيذهم لهذه القوانين. إنه أمر مغري بالنسبة لبعض الشباب.
سؤال: ما هو دور الشبكات الاجتماعية؟
بيتر نيومان: يُقال غالباً أن الدولة الإسلامية تملك استراتيجية معقدة للتجنيد عبر الشبكات الاجتماعية. هذا صحيح، ولكن الفكرة القائمة على أن مشاهدة أفلام الفيديو تدفع فجأة إلى اتخاذ قرار الذهاب إلى سورية، لا تتطابق مع الواقع. إنها عملية إدخال الشباب في المجتمع Sociabilisation التي يقوم بها البعض: تلتقي مجموعات الشباب في الجامع أو في مطعم كباب، ويتحولون معاً نحو الراديكالية. عندما يغادر أحدهم، يبدأ ضغط الصداقة داخل الجماعة بإظهار تأثيره، ويلحقه آخرون. هذا ما يفسر أن بعض المدن الأوروبية الصغيرة أنتجت مجموعة هامة من الجهاديين. إذا كان الأنترنت كافياً، فإن العملية ستكون أكثر انتشاراً.
سؤال: بالنسبة للجهاديين الذين تتحاورن معهم، هل يتحدثون معكم بثقة؟
بيتر نيومان: نحن نتابع على الأنترنت 550 مقاتل عبر حساباتهم في تويتر وفيسبوك. نحن جامعة وليس قسم للاستخبارات أو مجموعة من القراصنة. نحن لا نفتح حسابات مزيفة، ولا نغير أسماءنا. إن الأشخاص الذين نتحاور معهم في غوغل يرون أننا نتحدث مع رجال السياسة، وأن وسائل الإعلام تتحدث عنّا. إنهم يريدون استخدامنا كناطق رسمي عبر الحديث معنا.
سؤال: هل هناك بعض الدول الأوروبية التي "تُنتج" عدداً أكبر من الجهاديين بالمقارنة مع دول أخرى؟
بيتر نيومان: ليس هناك أي "نموذج" للاندماج يحمي من الانخراط الجهادي. إن الدول المعروفة بأنها أكثر تسامحاً مثل الدانمارك والنرويج والسويد وهولندا هم الدول الأكثر انتاجاً للمقاتلين الإسلاميين بالنسبة إلى عدد سكانها. إن بلجيكا مع ثلاثمائة مقاتل هي الدولة الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة وليس فرنسا.
سؤال: ما هو رأيكم بالإجراءات المخصصة لتجنب رحيل الجهاديين أو منعهم من العودة؟
بيتر نيومان: من المهم جداً منع الشباب عن الذهاب إلى سورية. من بين أولئك الشباب الذين يدعمون الدولة الإسلامية بحماس من وراء شاشة الكمبيوتر، لا أحد يستطيع تمييز الغبي المُخادع عن الشاب الخطير الذي قد يتحول إلى الفعل. نحن نتذكر في هذه الجامعة مسيرة الطالب البارع في الآداب روشونارا شودهري Roshonara Choudhry الذي تحول إلى الراديكالية عبر مشاهدة المواعظ الدينية على الأنترنت، وحاول طعن أحد النواب عام 2010 لأنه صوت لصالح الحرب في العراق. بالمقابل، إن منع عودتهم عبر سحب جوازات سفرهم أو حتى حرمانهم من الجنسية هي فكرة سيئة جداً. يعود بعض الجهاديين، ويعيش حوالي 20 % منهم خيبة أمل كاملة، ومن الممكن أن يكونوا أصواتاً قوية لردع البقية عن الرحيل. من أجل حماية المجتمعات، يجب أن يكون السجن مقتصراً على الجهاديين الخطيرين، ويجب تحويل أولئك الذين يعودون بصدمة كبيرة إلى مستشفى الأمراض العقلية، ويجب تحويل الذين أصيبوا بخيبة الأمل إلى برامج نزع الراديكالية وإعادة الدمج في المجتمع. هذا البرامج ليست عفواً شاملاً، ويمكن أن تترافق مع مراقبة دقيقة. إن منعهم من العودة يعني إلقاء عبء مسؤولياتنا على دول أخرى. كما يعني ذلك تكرار خطأ سنوات التسعينيات: منعت الدول العربية عودة الجهاديين من أفغانستان، وشكل هؤلاء الجهاديين نوعاً من الكتائب الجهادية العالمية التي انتشرت في جميع جبهات الإرهاب في البوسنة والشيشان، وارتكبت تفجيرات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة.