الصفحات

الأحد، 14 كانون الأول، 2014

(المقابلة مع بشار الأسد هي مجرد جهد دعائي)

 صحيفة اللوموند 13 كانون الأول 2014 ـ مقابلة مع المؤرخ جان نويل جانوني Jean-Noël Jeanneney أجرت المقابلة رافاييل ريرول Raphaëlle Rérolle

      يجازف الصحفي دائماً بخطر أن يكون دمية في مشروع دعائي مضلل عندما يُجري مقابلة مع شخصيات سياسية مكروهة. هذا ما تُظهره المقابلة التي أجرتها مجلة باري ماتش في دمشق بتاريخ 29 كانون الأول مع بشار الأسد. يشير المؤرخ جان نويل جانوني إلى وجود عدة سوابق تاريخية مثل المقابلة التي أجراها برتراند دو جوفينيل Bertrand de Jouvenel مع هتلر عام 1936.
سؤال: يبدو أن إجراء مقابلة مع دكتاتور في إحدى المجلات هو أمر يتعلق بحرية الصحافة في الأنظمة الديموقراطية. ما هي التناقضات في هذا الأمر؟
جان نويل جانوني: يوجد توتر بين الفائدة من تنوير الرأي العام، وهذا ما تحتاجه جميع الديموقراطيات، وبين حرية السماح للدعاية المضللة وأكاذيب الطغاة. يجب على جميع الصحفيين أن يسألوا أنفسهم في مثل هذه الأوضاع: "هل أنا لسان حال هذا الكلام الذي يجب أن يضيء رأي قرائي، أم وسيلة لدعاية مضللة لصالح تصرفات بربرية؟".
سؤال: هل تعتقدون أنه كان من الملائم إجراء المقابلة مع بشار الأسد من قبل مجلة باري ماتش؟
جان نويل جانوني: أنا لا أعارض من حيث المبدأ نشر مثل هذه المقابلة. في ظل المأساة البشعة التي تشهدها هذه المنطقة من العالم، إن تنبؤات بشار الأسد المجنونة يمكن أن تشكل جزء إضافياً في الملف حول الأحداث في سورية. ولكن هذه المقابلة كما قرأناها، تطرح السؤال حول قوتها الرمزية.لا أستطيع تصور كيف تمكنت هذه المجلة اختيار تقديم هذه المقابلة بشكل خام، الأمر الذي يجعلها مجرد جهد دعائي. كان يجب أن تترافق هذه المقابلة مع مجموعة من المعلومات. أولاً، حول ظروف إنتاجها: لم تقل المجلة لنا شيئاً حول ظروف الحصول على المقابلة. ثانياً، لا نعرف فيما إذا النص قد تمت إعادة قراءته (نحن لا نشك بذلك، ولكن كان من الأفضل تأكيده!). الأمر الوحيد الذي نعرفه بفضل فيلم فيديو على الأنترنت، هو أن الصحفي اندهش من لباقة الدكتاتور بقوله: "إنه ودود واستقبله بحفاوة، وهو ليس سيء الأخلاق على الإطلاق"، وأنه رافقه حتى المدخل: يا له من رجل لطيف!
سؤال: مهما كانت التحذيرات، ألا تعطي المقابلة دوماً الوسيلة إلى الدكتاتور لكي يمارس خطابه الدعائي المضلل؟
جان نويل جانوني: من أجل نشر هذه الدعاية المضللة، كان من الضروري التعليق على كل كلمة من حديث الشخص، وإضفاء الطابع النسبي على تأكيداته، ونفي أكاذيبه ـ على سبيل المثال، عندما يدعي أنه لم يستخدم الأسلحة الكيميائية، على الرغم من أن كل شيء يبدو أنه يؤكد استخدامه لها. بلعت مجلة باري ماتش ذلك دون أن تقول كلمة واحدة. أضيف أنه لو أن المجلة أعطت الكلام إلى زعيم للمعارضة الديموقراطية في سورية، فإن التأثير سيكون مختلفاً تماماً. فيما يتعلق بالصور، هناك صورة صغيرة جداً تُذكر بـ "مدينة مسيحية مدمرة" ـ من دمّرها؟ إن صور الدمار الذي تسبب به بشار الأسد شخصياً كان من الممكن أن تكون أكثر بلاغة من الصورة الكبيرة التي تُظهره في غرفة الاستقبال: إنه مظهر حضاري يدعو للاطمئنان.
سؤال: بصفتكم مؤرخاً، هل بإمكانكم الإشارة إلى مثل هذه السابقة في إجراء المقابلات مع بعض الشخصيات المكروهة؟
جان نويل جانوني:  يخطر على بالي فوراً المقابلة  التي أجراها برتراند دو جوفينيل مع هتلر عام 1936. جرت المقابلة في برلين بتاريخ 21 شباط قبل فترة قصيرة من المصادقة على الميثاق الفرنسي ـ السوفييتي، وقبل عدة أيام من إعادة عسكرة الضفة اليسارية من نهر الراين بتاريخ 7 آذار 1936 بشكل ينتهك المعاهدات السابقة. كان برتراند دو جوفينيل صحفياً معروفاً، وأرسله مدير صحيفة فرانس سوار France-Soir بيير لازاريف Pierre Lazareff. كانت الصحيفة تريد نشر المقابلة في عددها الصادر يوم الأحد 1 آذار. روى برتراند دو جوفينيل أن هتلر جاء ليصحبه بلطف في غرفة الانتظار، وأنه كان متحضرا جداً عندما ترك مكتبه لكي يستقبل ضيفه حول طاولة منخفضة... شاهدوا الصدى اليوم...
سؤال: ماذا قال له هتلر؟
جان نويل جانوني: أكد أننا نقلنا موقفه تجاهنا بشكل كاريكاتوري، وأنه حان الوقت لكي تنتهي فرنسا وألمانيا من هذا العداوة المستمرة، وقال: "ليس جيداً أن تستخدم الشعوب قوتها النفسية عبر حقد عقيم". رد عليه برتراند دو جوفينيل بالإشارة إلى كتاب "كفاحي" الذي أظهر فيه هتلر عنفا كبيراً تجاه فرنسا الديموقراطية، ولكن الفوهرر رد بأنه كتب هذه الانتقادات في السجن عندما قام الرئيس الفرنسي ريموند بوانكاريه Raymond Poincaré بغزو منطقة الرور Rhur الألمانية. كانت فكرته بأن الأمر يقع على عاتق الرأي العام الفرنسي بالتقرب من ألمانيا التي كانت أغلبيتها الساحقة تثق بزعيمها الذي كان يقول لفرنسا: "لنصبح أصدقاء".
سؤال: هل تتغير المعطيات إذا كان البلد في حالة حرب؟
جان نويل جانوني: بالتأكيد. حتى لو كان هتلر ووزير خارجيته يتلاعبان بالإعلام الفرنسي، لم يكن عبثاً الاستماع إلى ما كان الفوهرر يريد قوله إلى فرنسا، ولكن بشرط أخذ جميع الاحتياطات التي لم يتم اتخاذها في ذلك الوقت، ولم تتخذها مجلة باري ماتش اليوم. عندما أجرى المذيع باتريك بوافر دارفور Patrick Poivre d’Arvor مقابلة مع صدام حسين في شهر آب 1990 لصالح القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي TF1، كان غزو الكويت قد حصل فعلاً، ولكن الحرب الفعلية لم تكن قد بدأت آنذاك، ولم تبدأ إلا في شهر كانون الثاني اللاحق. أثار بث هذه المقابلة العديد من ردود الفعل في ذلك الوقت، ودعا رئيس الوزراء ميشيل روكار Michel Rocard الصحفيين إلى التساؤل حول دورهم في تغطية الأحداث في الخليج قائلاً: "إذا كانت حرية الصحافة هي شرف الديموقراطيات، فإنها أيضاً وسيلة للدكتاتوريات في بعض الأحيان". في تلك اللحظة، كان العديد من الفرنسيين ما زالوا يذهبون إلى بغداد على أمل التوصل إلى حل سلمي. عندما بدأت الحرب، كانت يجب تغيير القاعدة: إنها قضية تتعلق بالمبادىء الأولية للوطنية. ولكن على الرغم من ذلك، بثت المحطة الإخبارية CNN مقابلة مع طاغية بغداد في نهاية شهر كانون الثاني في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تواجه العراق على الأرض. اليوم، نحن لسنا في حرب مع بشار الأسد حتى لو أنها كانت على وشك الحدوث. عندما تبدأ الأعمال العدائية يجد الصحفيون أنفسهم أمام ذروة التناقض في عملهم، يتمثل هذا التناقض في البحث عن الحقيقة والتنازلات المشروعة أمام المصلحة الوطنية. فيما يتعلق بالحالة التي تشغلنا اليوم، فإننا لم نصل إلى هذه المرحلة تماماً. إنه سبب إضافي لكي نأسف أن التوازن بين فرادة المعلومات وملائمة تقديمها لم يتحقق على الرغم من أن تحقيقه أقل صعوبة."