الصفحات

الجمعة، 19 كانون الأول، 2014

(إسرائيل في مواجهة تزايد المخاطر)

صحيفة الفيغارو 18 كانون الأول 2014 بقلم مراسلتها الخاصة في إسرائيل إيزابيل لاسير Isabelle Lasserre

     كانت الحدود في هضبة الجولان عندما كان جيش بشار الأسد يسيطر عليها قبل أربع سنوات هي الأكثر هدوءاً بالمقارنة مع جميع الحدود الإسرائيلية، ولكن العسكريين الإسرائيليين أصبحوا في حالة تأهب منذ سيطرة المعارضين السوريين على هذه المنطقة. قال أحد الضباط الإسرائيليين: "نحن نحصي وجود خمسة ألاف مقاتل معتدل وألفي سلفي وألف متطرف تقريباً". يخشى الجيش الإسرائيلي حالياً أن يؤدي تجدد المعارك إلى تدفق مفاجئ للاجئين على حدوده، كما يخشى أن يُسيطر جهاديو الدولة الإسلامية على بقية المجموعات المتمردة، ويتمركزون على طول الحدود بشكل يهدد المواقع الإسرائيلية.
     تابع الضابط الإسرائيلي قائلاً: "إنهم يكرهوننا، ولديهم برنامج سياسي طموح وزعامة قوية وأسلحة كثيرة. ولكن ليس لدينا نموذج للإنذار ولا نظام استخباراتي فعال ضد الدولة الإسلامية". هذا هو بالتحديد ما يفعله رجاله في الجولان حالياً: أي التعلم والفهم والحصول على المعلومات. وذلك لأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية، نقلاً عن بعض المصادر الدبلوماسية وتقرير حديث للأمم المتحدة، ربما تسللت إلى الجانب السوري من الحدود، وبدأت الاتصال مع بعض مجموعات المعارضة. قال أحد الدبلوماسيين: "نحن نساعد المعتدلين على أمل منع المتطرفين من الاقتراب من حدودنا".
     ارتابت إسرائيل منذ البداية تجاه الربيع العربي بسبب تعدد الأطراف غير الحكومية على حدودها، وأصبحت تواجه اليوم عدداً كبيراً من المخاطر. بالتأكيد، عادت العلاقات الجيدة إلى طبيعتها بين القاهرة وتل أبيب، وما زالت المملكة الأردنية صامدة، وبرزت مصالح جغراسياسية مشتركة بين إسرائيل وبعض الدول السنية في المنطقة مثل قطر والسعودية. قال أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين: "في الوقت الحالي، نجحنا بالبقاء خارج الفوضى الإقليمية، لأننا لسنا طرفاً رئيسياً في هذه النزاعات. ولكن الشرق الأوسط الذي اعتدنا عليه جميعاً قد مات، ونعيش اليوم في العصور الوسطى". في هذه البيئة غير المستقرة، تُعتبر سورية كخطر على إسرائيل، ولكنها بالتأكيد ليست الخطر الرئيسي. قال أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين: "لا تمثل داعش تهديداً وجودياً لإسرائيل. فيما يتعلق ببشار الأسد، إنه شرّ نعرفه".
     ما زال التهديد النووي الإيراني يشكل القلق الأول لدى جميع التيارات السياسية في إسرائيل، ويتفق الجميع مع موقف الحكومة بأنه لا يجب أن تكون هناك قنبلة نووية إيرانية. توقفت حالياً النزعة نحو توجيه ضربات عسكرية ضد إيران، وحلت مكانها من جهة أولى: "الحرب الصامتة" عبر الهجمات المعلوماتية واغتيال العلماء، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ البرنامج النووي السري، ومن جهة ثانية، المفاوضات بين طهران والقوى العظمى. أصبح "الخط الأحمر" الجديد بالنسبة للضباط الإسرائيليين حوالي عام 2016.  قال أحد الدبلوماسيين: "حصلنا على نتيجة معتدلة بعد عشر سنوات من التعبئة الدولية: لم نتمكن من إيقاف البرنامج الإيراني، ولكننا نجحنا في تدويل المسألة. لدينا الآن فترة راحة. يكمن هدفنا في دفع مجموعة الست للاقتراب من موقفنا ما أمكن، ولكننا نخشى أن يفلت الموضوع من أيدينا".
     سمح مشروع "القبة الحديدية" الإسرائيلية منذ نشره عام 2011 بمنع سقوط أكثر من 90 % من القذائف التي أطلقتها حماس على إسرائيل. تتراوح كلفة اعتراض كل قذيفة ما بين ستين وسبعين ألف دولار، ويمكن أن يبدو هذا النظام المضاد للصواريخ باهظاً جداً، ولكن الحياة الاقتصادية ستتوقف بدونه أثناء كل حرب ضد حماس. تعزز شعور الإسرائيليين بالقوة مع الإعلان عن تركيب نظامين أخرين مضادين للصواريخ قريباً: الأول هو نظام David Sling لمواجهة الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى حتى في حال إطلاقها من دول مجاورة ومحملة بأسلحة الدمار الشامل. الثاني هو نظام Arrow لمواجهة الصواريخ البالستية بعيدة المدى لمواجهة التهديد الإيراني.
     ما تزال إسرائيل هشة بانتظار تكريس حلم الحماية المطلقة من قذائف أعدائها. إن إسرائيل في حالة حرب مع حماس كل سنتين، وتشعر بالقلق من التهديد المتزايد من قبل حزب الله اللبناني. بالتأكيد، إن الذراع المسلح لإيران مشغول جداً بالقتال في سورية والعراق لدرجة أنه لا يمثل خطراً آنياً على إسرائيل. ولكن العسكريين والسياسيين الإسرائيليين يُحذرون من الخبرة التي يكتسبها حزب الله حالياً في المعارك، ومن الأسلحة الأكثر فأكثر تطوراً التي يحصل عليها عبر سورية وإيران وروسيا. قصف الطيران الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي قافلة لصواريخ أرض ـ أرض كانت متوجهة إلى حزب الله اللبناني. تؤكد إسرائيل دوماً أن نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله هو خط أحمر.
     يعترف الجيش الإسرائيلي بوجود "نقاط ضعف استراتيجية" في مواجهة تغير البيئة الإقليمية. اعترف أحد الضباط قائلاً: "لقد فقدنا الاتصال مع بعض الحقائق. في غزة لأنه ليس لدينا عناصر استخبارات فيها، وفي سورية لأننا لا نعرف الأطراف الجدد". تواجه إسرائيل صعوبة في مواجهة حرب العصابات. يأتي التهديد الأخير لإسرائيل من الداخل. قال أحد الضباط الإسرائيليين المقربين من الحكومة: "ليست المشكلة الفلسطينية هي التي توجج الفوضى في المنطقة، بل الفوضى الإقليمية هي التي تؤجج التطرف عندنا. من جهة أخرى، إذا كان داعش وتنظيم القاعدة متواجدان في كل مكان، لماذا لا يكونا أيضاً في إسرائيل؟". لم تخترع إسرائيل حتى الآن قبة حديدية لمواجهة التهديد الداخلي.