الصفحات

الخميس، 18 كانون الأول، 2014

(سورية: العلويون في مأزق)

صحيفة الفيغارو 17 كانون الأول 2014 بقلم مراسلها الخاص في قرية بستان الباشا جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     قال العسكري المتقاعد أبو رامي: "مات ابني رامي (26 عاماً) دفاعاً عن أرضه التي يريد إرهابيو داعش سرقتها منا. سنقاتل حتى الموت، ليس أمامنا خيار آخر، وإلا سنموت جميعاً". إنه الانطباع السائد لدى الأقلية العلوية التي تعيش في القرى المبعثرة على الهضبة المطلة على الساحل المتوسطي. يرغب الإسلاميون الراديكاليون بالسيطرة على هذه المنطقة التي يسكنها أعداؤهم الأزليون.
     تسيطر الأقلية العلوية (12 % من السكان) على قمة القوات الأمنية وبنسبة أكبر بكثير من عددها، الأمر الذي يؤجج انتقادات المعارضين. رامي هو أحد الشهداء الستة عشر في قرية بستان الباشا العلوية (2000 نسمة) التي تقع على بعد خمسة عشرة كيلومتراً شمال اللاذقية. هذه القرية هي معقل عائلة أنيسة مخلوف، والدة بشار الأسد. إن الثمن الواجب دفعه للدفاع عن النظام مرتفع سواء في هذه القرية أو في أي مكان آخر. هناك العشرات أو حتى المئات من القتلى في كل قرية بسبب المعارك، وتصل جثثهم بشكل شبه يومي إلى مطار اللاذقية والمستشفى العسكري القريب منه. أصبحت صور الشهيد تطغى على صور بشار الأسد في كل مكان بهذه المنطقة.
     هل ماتوا دفاعاً عن النظام؟ أم عن منازلهم؟ إنه سؤال صعب في مجتمع تعلم إسكات أفكاره، ولكن الحرب الأهلية أطلقت الألسنة. قال أحد العسكريين في القرداحة: "هناك النظام، وهناك المؤسسات، أي المستشفيات والمدراس. تريد الدول الخارجية تدمير كل شيء، ولكنني أريد حماية منزلي وأرضي وأطفالي وبلدي. إن العلويين يحمون النظام قبل بشار، وربما بعده". هذا هو ترتيب الأولويات الذي كرره أحد جيرانه في بستان الباشا. إنهم يدركون جيداً أنهم يدافعون عن السلطة التي تحميهم من انتقام داعش وبقية المتمردين الإسلاميين. ولكنهم يعرفون أيضاً أنه بعد أربع سنوات من التضحيات أصبح مصيرهم مرتبطاً جداً بالسلطة. إن العلويين في مأزق، ولا يريدوا العودة إلى هيمنة تجار البورجوزاية السنية الذين كانوا يُشغلون بناتهم في أعمال شبه عبودية خلال سنوات الستينيات. إن معنوياتهم متقلبة دوماً. قال الوزير العلوي السابق محمد سلمان الذي يعيش تحت المراقبة حالياً: "تظاهر بعض العلويين ضد السلطة في بداية الثورة، ثم تم اعتقالهم. ولكن مع أسلمة التمرد وعجز إدارته عن طمأنة الأقليات، أحس العلويون بالخوف من بعض الشعارات مثل: المسيحيون إلى بيروت والعلويون إلى التابوت".
     تسلل المتمردون ليلاً إلى العديد من القرى العلوية في شهر آب 2013، وقتلوا بوحشية حوالي مئتي شخص، أغلبهم من الكبار في السن غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم. إنها صدمة عنيفة لهذه القرى المعزولة التي تحميها قوات الدفاع الوطني. تأسست بعد هذه المأساة ميلشيا جديدة اسمها (صقور الصحراء) بتمويل من أحد رجال الأعمال في اللاذقية اسمه أيمن جابر. يرتدي رجال هذه الميليشيا الزي الأزرق ويحظون بتقدير أكبر بالمقارنة مع وقوات الدفاع الوطني التي تُتهم دوماً بالسرقة في المدن المختلطة مثل اللاذقية.
     إن توفير الطمأنينة للأقلية العلوية هو أحد الأهداف الأساسية للسلطة. في بستان الباشا، يدفع رامي مخلوف رواتب عناصر الميليشيات وتعويضات عائلات الشهداء ويرسل الطعام إلى الفقراء. قال أبو رامي: "أعطانا رامي مخلوف ألفي ليرة من أجل جنازة ابني، ويدفع لنا خمس عشرة ألف ليرة شهرياً". لا أحد يدّعي أن رامي مخلوف يسعى إلى التوقف عن الأعمال السيئة. قال رجل أعمال لا يريد الكشف عن اسمه: "بدأ الناس يشعرون بالتقدير تجاه رامي مخلوف. عندما تدفعون، تكسبون القلوب. ولكن لا تعتقدوا أن جميع العلويين مثل رامي مخلوف، نحن فقراء! انظروا إلى قرانا".
     ينقسم المجتمع التقليدي العلوي إلى عشائر. لا تتسامح السلطة مع المعارضة داخل هذا المجتمع. تم اعتقال المعارض لؤي حسين في دمشق قبل شهر، واختفى عبد العزيز الخير قبل أكثر من سنتين. تظهر بعض الانتقادات السرية وراء الإجماع الظاهري. قال أحد سكان القرداحة: "عندما يذهب الكبار في السن لزيارة ضريح حافظ الأسد، إنهم يبكون أحياناً، ويصلون قائلين: كان من الممكن أن تكون الأمور معك مختلفة. لقد أدركوا أن بشار أدار الأزمة بشكل سيء". احتج العلويون في حمص مؤخراً ضد المحافظ غير القادر برأيهم على حمايتهم. إن مراسيم الدفن في أغلب الأحيان هي مكان للاعتراضات الصامتة، وحتى من قبل المسؤولين السابقين في النظام مثل قائد القوات الخاصة خلال الثمانينيات اللواء علي حيدر الذي انتقد بشار الأسد خلال جنازة أحد الجنود الشباب في قريته بيت ياشوط من بين مئتي جندي قُتلوا منذ عام 2011.
     قال رجل الأعمال الذي لم يرغب بذكر اسمه: "عاد أحد أقاربي المتطوعين في الجيش بإدلب بعد موت أخي. لم يتمكن من رؤية زوجته وأطفاله منذ ثلاثة أشهر. اضطر إلى تغيير سيارته ثلاث مرات، واللجوء إلى الحيلة. أخبرنا ببعض المعلومات الجديدة عن الجبهة. إن الجيش صامد، ولكن ينقصه الرجال، ولا يستطيع الحفاظ على المواقع التي يسيطر عليها. وصل قريب آخر لي من حلب التي يتمركز بها في أحد مواقع الحرس الجمهوري بالقرب من المطار، قال أن الأمور جيدة، ولكن الوضع صعب جداً في الشمال والشرق، واشتكى من أن قائده العسكري هو إيراني. ولكن الجميع يؤكدون بأنهم لن يتركوا البلد أبداً للإرهابيين، حتى ولو أن بعضهم سيطلبون محاسبة بشار". قال أحد المعلمين السنة الذين يتواصلون مع جيرانه العلويين: "إذا عاد الهدوء يوماً ما، يجب على بشار أن يحذر من العلويين الذين سيطالبون ببعض التغييرات، ولاسيما ضد أولئك الذين اغتنوا من حوله، لأن العلويين هم الذين دفعوا ثمن بقائه".
     ما زالت الأقلية العلوية تتحمل الألم دون كلام على الرغم من الصعوبات، ويبدو أن احتمال حصول انقلاب دولة داخلي ما زال مستبعداً بعكس التوقعات المستمرة من قبل قادة المعارضة. لم تغادر إلا بعض العائلات القليلة من هذه المنطقة إلى لبنان، ويسود شعور عام في هذه المنطقة الجبلية بأنهم يعيشون اليوم استراحة مؤقتة. ساهم التقدم الذي حققه الجيش عام 2014، ولاسيما إغلاق المدخل الشمالي إلى المنطقة العلوية، في بعث الطمأنينة. قال المُعلم السني المشار إليه أعلاه: "لقد أدركوا أن الولايات المتحدة لا تريد مهاجمة النظام. وعندما يشاهدون الفوضى في ليبيا ومصر، يقولون لأنفسهم أن جاذبية الثورة تضاءلت لدى جيرانهم السنة المعتدلين".
     استقبلت المنطقة العلوية عشرات آلاف اللاجئين من حلب وحمص وحماة، وأغلبهم من السنة، الأمر الذي غيّر التوازنات السكانية. قال أحد الصحفيين في طرطوس هامساً: "ليس من المعتاد رؤية النساء اللواتي يرتدين الحجاب". ما زال رجال الأعمال يستطيعون الذهاب إلى موسكو والسعودية بفضل مطار اللاذقية، وأعرب أحد الشباب المصرفيين عن سروره بأن الطريق إلى دمشق آمن، ويسمح له برؤية عائلته في العاصمة كل أسبوعين. على الرغم من ذلك، هناك قناعة لدى الكثيرين بأنه "لا يمكن ردم الهوة قبل عدة عقود" مع الإسلاميين السنة على الأقل. حصل العلويون على الأسلحة منذ بداية التمرد، وازدادت المراقبة على السنة. قال أحد عناصر قوات الدفاع الوطني: "إذا وصلت سلطة سنية راديكالية إلى دمشق يوماً ما، فإن العلويين سيواصلون الحرب انطلاقاً من جبالهم"، مشيراً إلى إقامة منشآت عسكرية استراتيجية بعيداً عن أعين الفضوليين في بعض القرى الجبلية. إنه لا يريد سماع أي حديث عن دولة للعلويين فقط في حال تدهور الوضع بالنسبة لبشار الأسد، ويقول: "نحن ضد تقسيم البلد. إن سورية ليست اللاذقية أو دمشق فقط، بل حلب وحمص ودرعا أيضاً".