الصفحات

الجمعة، 19 كانون الأول، 2014

(بشار الأسد، كفى أكاذيباً!)

صحيفة اللوموند 17 كانون الأول 2014 بقلم الكاتب السوري المقيم في باريس نجاتي طيارة. ترجم المقال من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية عبد اللطيف إسرب

     يؤكد المجرم بشار الأسد في المقابلة التي أجراها مع مجلة باري ماتش الأسبوعية يوم السبت 29 تشرين الثاني سمعته بالكذب أيضاً، وذلك منذ الجملة الأولى في جوابه الأول عندما قال: "منذ الأيام الأولى كان هناك شهداء من الجيش والشرطة". لأن المدنيين فقط هم الذين ماتوا في الأيام الأولى للمظاهرات. في درعا، سقط برصاص قوات الأمن يوم الجمعة 18 آذار 2011 الطالب أكرم الجوابرة ثم حسام عبد الوالي عياش وأيهم الحريري وشاب من عائلة عون. لم يتعرض أي رجل من قوات الأمن للجروح في هذا اليوم. منذ بداية الأحداث، استخدمت السلطة العنف ضد المتظاهرين السلميين وغير المسلحين الذين كانوا يطالبون في درعا بالإفراج عن الأطفال ومعاقبة الذين قاموا بتعذيبهم وإقالة المحافظ. في حمص، جرت المظاهرة الثانية يوم 25 آذار 2011، وكانت تدعو إلى إلغاء حالة الطوارئ وإقالة المحافظ والإفراج عن الشابة طل الملوحي (20 عاماً) التي أصبحت رمز الاعتقال التعسفي، وما زالت في السجن.
     كنت شاهداً في أحداث حمص يوم 24 آذار 2011، ورويت ما شاهدته في العديد من المحطات الفضائية. صحيح أنه لم يكن هناك قتلى بالرصاص في ذلك اليوم، ولكن كان هناك العديد من الشباب الجرحى، ومات جندي شاب كان يحرس باب نادي الضباط مجروحاً بالحجارة التي ألقاها المتظاهرون عندما كانوا يدافعون عن أنفسهم هرباً من نيران عناصر الأمن. حطم المتظاهرون باب نادي ضباط السلطة، وهو رمز مكروه، وتسلق اثنين من المتظاهرين جدار البناء المركزي، واقتلعوا صورة الأسد، وأصبح مشهد دعسها بالأقدام رمز الثورة السلمية السورية.
     فيما يتعلق بالدعم القطري والتركي المزعوم للإرهابيين، اندهش الجميع في دمشق من تأخر قطر وتركيا في تقديم الدعم إلى الثورة. كان هذان البلدان أهم أصدقاء وشركاء النظام، وقام وزرائهما بجولات مكوكية مستمرة في الشهرين الأوليين بهدف تقديم النصائح الإصلاحية وحث النظام على الإصغاء للمطالب الشعبية. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر بشار الأسد أن القارئ غبي عندما يتكلم عن "بعض الأخطاء في الممارسة"! كما لو أن قتل آلاف المدنيين ونزوح ملايين السوريين وتدمير درعا وحمص وحلب ودمشق ليس إلا أخطاء صغيرة للاعب مبتدئ في كرة القدم أو لأحد الكشافة.
     قال بشار الأسد في جوابه الثاني: "عندما يهاجمك إرهابي بالسلاح.. كيف تدافع عن نفسك وعن الشعب، بالحوار؟ الجيش يستخدم السلاح عندما يكون هناك استخدام للسلاح من قبل الطرف الآخر. ليس من المنطقي القول بأننا نقصف المدنيين". إنه يناقض تصريحاته في بداية الأحداث عندما اعترف شخصياً بالطبيعة السلمية للمظاهرات خلال الأشهر الستة الأولى. إنه يكرر الخرافة القائلة بأن جميع المظاهرات المعادية لشخصه ليست إلا مؤامرة إرهابية يجب مواجهتها بقوة السلاح، وهي لغة تلقى ترحيباً في الغرب الذي تجتاحه أزمة اقتصادية ويعيش ذعراً كبيراً من الإرهاب الإسلامي. ولكن الأسد هو الذي استخدم إرهاب حزب الله وحرس الثورة وعناصر الأمن الداخلي الإيراني (الباسيجي) والدعم العسكري والمالي الروسي للدفاع عن نظام كان سينهار اليوم بدونهم بشكل يدعو للرثاء.
     يحتج بشار بإدعائه المعتاد على مصادر أرقام الأمم المتحدة، كما لو أنه يُخفي أرقاماً أفضل. إن الأمر الذي فاته، كما فات أولئك الذين أعدوا أجوبته، أن الضحايا الأكثر عدداً ليسوا في صفوفه! في الحقيقة، إن هذا  "العدد الأكبر" كما رأى الجميع على جميع الشاشات تقريباً هو من المتمردين وسكان المدن المدمرة عبر القصف والصواريخ والمدافع والدبابات وبراميل البارود، واستخدام جميع الأسلحة الممنوعة من قبل الغرب منذ البداية ضد المتمردين والجيش الحر.
     إن كذبته الأكبر والأكثر خزياً وإدعاءاً هي استخدامه المتكرر لصيغة (الدولة) عندما قال: "في سورية، لدينا دولة وليس نظاماً"، على الرغم من انتخابه بنسبة 99 % ووراثته السلطة عن والده، ويصيح بأنه سيحكم إلى الأبد ويقتل شعبه! إن دولته المزعومة ليست إلا مافيا عائلية وطائفية وعنيفة، وهي تشبه الدول التي كان يترأسها ميلوزيفيتش ونظام التمييز العنصري والنازيين. إنه يريد إظهار نفسه كرجل واقعي عندما يعترف بأنه لا يستطيع تحديد تاريخ لنهاية الحرب، وذلك بشكل يتناقض مع تصريحاته السابقة حول "الانتصارات المنتظرة" المزعومة. بالنسبة للجزء الكوميدي من المقابلة، إنه يتعلق بـ "الإجراءات الدستورية" لانتخاب الرئيس بالنظر إلى الطريقة المعروفة التي يتم خلالها تزوير نتائج الانتخابات في سورية منذ خمسين عاماً.
     يتعلق الجزء الثاني من المقابلة بالدولة الإسلامية. يجد بشار الأسد صعوبة في الإشارة إلى وجود وجود تنسيق بين طائرات التحالف الدولي وطائراته التي تشترك في تحقيق المهمة نفسها. ولكن الذي لم يقله هو أن غاراته المكثفة ضد الدولة الإسلامية أدت إلى مقتل 305 مدنياً في الرقة يومي 25 و26 تشرين الثاني 2014! بالإضافة إلى ذلك، يتجنب بشار الأسد أن يقول للصحفي كيف أفرج عن سبعمائة متطرف من سجن صيدنايا في شهر أيار 2011 وفي مقدمتهم زهران علوش وحسن عبود وأبو محمد الجولاني الذين سيصبحون بعد عدة أسابيع قادة الجيوش الإسلامية المسلحة التي ستمارس هيمنتها على الثورة السورية السلمية بهدف عسكرتها وأسلمتها.
     لا يمكن الانتهاء من تعداد القائمة الطويلة والمملة لهذه الأكاذيب. أنهي حديثي بهذا الإدعاء المؤسف عندما يُقدم نفسه كقبطان لا يفكر بحياته، بل في حياة ركابه! يشير كل شيء إلى أن السفينة السورية على وشك الغرق في مأساة غير مسبوقة بسبب هذا القبطان المزعوم. إن مسؤوليته واضحة في هذا الغرق، وبالتالي، إن أي حل لإنقاذ الغارقين سواء كان حلاً سياسياً أو عسكرياً، لا يمكن نجاحه إلا عبر إبعاد هذا المجرم بشار الأسد.