الصفحات

الثلاثاء، 22 تموز، 2014

(فرنسا تفتقد خطاباً جامعاً)

صحيفة الليبراسيون بتاريخ 21 تموز 2014 ـ مقابلة مع الباحث المختص بالإسلام والعالم العربي جيل كيبيل Gilles Kepel ـ أجرت المقابلة ألكسندرا شوارتزبرود Alexandra Schwartzbrod

سؤال: كيف تحللون الغزو البري الإسرائيلي لغزة؟
جيل كيبيل: إنه نتيجة المأزق الذي وصل إليه الخصمان: لا يمكن لأي طرف أن يظهر منتصراً في الوقت الحالي، وليس أمامهما إلا خيار المجازفة بكل شيء. يواجه نتنياهو ضغوطاً كبيرة من الأحزاب اليمينية في تحالفه ومن المستوطنين وسكان جنوب إسرائيل الأكثر تعرضاً للصواريخ، أي في المنطقة التي نجحت فيها حماس بحفر الأنفاق من أجل تسلل المقاتلين. لم يحقق نتنياهو هدفه من الحرب المُعلنة: لم يتم القضاء على ترسانة الأسلحة في غزة، ووصلت شعبية حماس إلى ذروتها كرمز للمقاومة البطولية للشعب الفلسطيني، بل وتجمع تحت رايتها جميع القضايا العربية ـ الإسلامية في الشرق الأوسط وضواحي المدن الأوروبية، وذلك بعد أن كانت شعبيتها في أدنى مستوياتها قبل المواجهة. إن رفض حماس للهدنة المصرية أعطى الانطباع بأن المبادرة في يدها بشكل يتجاوز قدرة أقوى الجيوش في المنطقة، ولكن هذه المزاودة على المدى القصير لن تُخف ضعفها البنيوي: انفصلت حماس عن نظام الأسد الذي كان يحميها وعن إيران منذ بداية الثورات العربية، ويكرهها الماريشال السيسي الذي أغلق أغلب أنفاق التموين بين غزة ومصر، كما أن حماس منهارة ومعزولة عن عرابيها التقليديين. ما زال مخزون حماس من الأسلحة هاماً، ولكنه سينضب. إذا تمكنت حماس من منع إسرائيل أن تعلن الانتصار، وإذا أجبرت الجيش الإسرائيلي على التورط في المستنقع البشري في غزة الذي يضم 1.7 مليون نسمة محتشدين داخل 360 كيلومتر مربع مع بعض الخسائر البشرية وصور المدنيين القتلى، فسوف يكون ثمن ذلك لا يُحتمل بالنسبة لنتنياهو، وستحقق حماس تقدماً سياسياً حاسماً على حساب السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس.
سؤال: هل هناك خطر باستيراد هذا النزاع إلى فرنسا؟
جيل كيبيل: يندرج هذا السباق الدامي مع الزمن في إطار إعادة توزيع الأوراق في المنطقة بين المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية والحروب المدنية في سورية والعراق مع سيطرة الجهادية السنية في الدولة الإسلامية على التمرد في هاتين الدولتين. ولكن هذا النزاع يتضمن بالتأكيد مخاطر زعزعة استقرار مجتمعاتنا الأوروبية. إن أسوأ السيناريوهات هو الذي يسمح بعودة بعض الجهاديين من سورية والعراق، ما زال تأثير ذلك محدوداً في الوقت الحالي على الرغم من الإنذار المتمثل بقضية مهدي نيموش باعتبارها الأكثر إثارة للقلق، وقيامهم بأعمال ترهيب ضد اليهود بحجة الانتقام من ضحايا غزة. لا يستفيد الإرهاب الجهادي على أرضنا من أي دعم شعبي هام حتى الآن. يتغير المناخ عندما نشاهد بعض المجموعات  الشبابية في بعض الأحياء الشعبية تُقلد الإشارة المشهورة للممثل ديودونيه Dieudonné المعادية للسامية (La Quenelle) ـ تتمثل هذه الإشارة بوضع اليد اليمنى على أعلى الذراع اليسرى الممدودة إلى الأسفل ـ ، ولكن هؤلاء الشباب يقلدونها مع أحد صواريخ القسام المصنوعة من الكرتون. يُلاحظ تغير المناخ أيضاً عندما تتفاقم إحدى المظاهرات بالقرب من كنيس يهودي بين بعض هؤلاء المتظاهرين وأعضاء رابطة الدفاع اليهودية.
سؤال: هل تمثل الجهادية تهديداً لفرنسا؟
جيل كيبيل: لم يصل الجهاد في الصحراء الإفريقية إلى هنا، لأن الجالية المالية في فرنسا تتحدر من جنوب مالي، وهي معادية للجهاديين. لم يكن هناك قضية مشابهة لقضية خالد قلقال، هذا الجزائري الذي كان عضواً في الجماعة الإسلامية المسلحة والمسؤول الأكبر عن موجة التفجيرات في فرنسا خلال صيف عام 1995. لم تحصل عمليات تفجير في فرنسا منذ خالد قلقال حتى محمد المراح لسببين: قامت الشرطة خلال سنوات التسعينيات بتفكيك الشبكات الإسلامية، وكانت العائلات راغبة جداً بالابتعاد عن مثيري القلاقل لأنها ترغب بالنجاح في علمية الاندماج بالمجتمع الفرنسي. كانت إستراتيجية الارتقاء الاجتماعي هي العنصر الأساسي لرفض الإرهاب المستورد من الجزائر.
تغير الوضع بسبب الفقر وتهميش جزء كبير من الشباب المهاجرين، حتى ولو كنا نشهد بروز بعض التجار المسلمين الذين ينجحون مالياً ويصوتون لصالح أحزاب اليمين ويلعبون دوراً هاماً في القضاء على التصويت المنهجي لصالح أحزاب اليسار، وهذا ما حصل خلال الانتخابات البلدية الأخيرة في شهر آذار 2014. أصبحت السلفية مرئية جداً في الأحياء الشعبية بصفتها علامة للأراضي الموجودة فيها، لأن قيمها الأساسية تتعارض مع قيم المجتمع الفرنسي. تتوجه السلفية إلى الشباب المُضطربين، وتوفر لهم حلولاً بديلة ورموزاً أخلاقية كانت السلطات الفرنسية لا تعتبرها إشكالية حتى الآن، بل تعتبرها نوعاً من الانغلاق الذاتي داخل أماكن خاصة بها (autoghettoïsation). اعتبر البعض بروز هذا التيار السلفي كوسيلة للسيطرة على مرتكبي الجنح ومدمني المخدرات مثل المسلمين السود Black Muslims في الولايات المتحدة. لا يوجد خطاب وطني يفرض نفسه لمواجهة النموذج الذي يقترحه السلفيون. لا يوجد في فرنسا خطاب جامع وقادر على دمج الجميع في بوتقة واحدة بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي توجد فيها أسطورة حقيقية للأمة التي ينصهر فيها الجميع. كانت العلمانية تقوم بهذا الدور في فرنسا، ولكن الضواحي المزدحمة لا تعتبر العلمانية فضاءا حيادياً يمكن للجميع أن يجد مكانه فيها بل يعتبرها أداة للتمييز ضد الإسلام. ساهم التجار الإسلامويون بتفاقم هذا الشعور، ويمثلون العلمانية كأداة لكراهية الإسلام، واقترحوا في الوقت نفسه بعض البدائل الإسلاموية القائمة على اعتبار الطعام الحلال كهوية مغلقة.
سؤال: هل هناك إسلام فرنسي؟
جيل كيبيل: كانت الدول الذي يهاجر منها المسلمون هي التي تسيطر على المسلمين في فرنسا حتى عام 1988. ثم جرت محاولات سياسية لإبراز إسلام فرنسي، ولكن أطفال المهاجرين لم ينضموا إلى هذا الإسلام. إن أولئك الذين سيديرون الإسلام الفرنسي بين عامي 1989 و2005 هم الإخوان المسلمين القادمين من دولهم الأصلية في المغرب العربي والمشرق، وكانوا وراء القطيعة على صعيد القيم باسم تأكيد الثقافة الإسلامية التي يُلقنوننها إلى أطفال العمال المهاجرين. لم تعد هناك نخبة سياسية متحدرة من المهاجرين قادرة على تقديم نموذج للاندماج بعد مسيرة المهاجرين العرب عام 1983 برعاية منظمة SOS Rasime لمكافحة العنصرية. هذا هو سبب الفراغ الكبير واليأس على خلفية  البؤس الاجتماعي والاقتصادي. وهذا هو السبب في صعود الإسلامويين الذين ظهروا كالمنقذين عندما اختفت مؤسسات الجمهورية من الساحة. لم يبدأ دخول أبناء المهاجرين إلى الساحة السياسية إلا بعد حركات التمرد في مدينة كليشي ـ مونتفيرمي Chichy-Montfermeil الفرنسية عام 2005. ندفع اليوم ثمن عشرين عاماً من العجز السياسي. نشهد اليوم وللمرة الأولى تصويتاً إسلامياً في بعض المدن الشعبية يقف وراءه بعض رجال الأعمال المتعصبين لهويتهم. لم نعد في مواجهة بين السكان المستفيدين من المساعدات والسلطات، إنهم ناخبون يُعبرون عن رأيهم ويُسمعون صوتهم. إن هذه الظاهرة جديدة حتى ولو لم تكن واسعة. في الحقيقة، هناك نموذج آخر يقف على الجهة المقابلة لهذه الجهات الداعية لإعادة الأسلمة هو نموذج الحركات اليهودية المتشددة مثل موقع لوبافيتش Loubavich الإلكتروني، وهو الظاهرة الأكثر مرئية في الأحياء الشعبية. يقول العديد من المغاربة عندما نتحدث معهم: "قمنا بالمراهنة على الاندماج والانصهار في المجتمع الفرنسي، ولكننا خُدعنا. لقد حدد اليهود بقوة أبعاداً محددة جداً لتعاليمهم الغذائية بشكل يحافظ على الفرد داخل الطائفة اليهودية، وفرضوا احترامهم على الدولة". لقد اقتدى تجار الطعام الحلال بنموذج طعام الكاشير Casher اليهودي.
سؤال: كيف يمكن تفسير العدد الكبير للذين ذهبوا إلى سورية؟
جيل كيبيل: يعتبر الذين يغادرون إلى سورية أنه لم يعد هناك أي شيء للقيام به في هذا البلد الملحد أي فرنسا، وأنه يجب القتال ضد  المسلمين السيئين لكي ينتصر إسلام الحق ضد نظام دكتاتوري. في البداية، لم يكن يعضهم يعتبر نفسه ضمن منطق العداء لسياسة الحكومة الفرنسية التي تعارض نظام الأسد أيضاً. على الرغم من ذلك، عندما ذهبوا إلى الكتائب الجهادية للدولة الإسلامية، تعرضوا إلى تعليم إيديولوجي معادي للغرب، وواجهوا تجربة المعركة، وقتلوا "الكفار" بشكل وحشي، وأصبح الوضع يبعث على القلق عند عودتهم. إنه نموذج محمد المراح ومهدي نيموش. يتحدر هذا الأخير من إحدى العائلات التي تطوعت في الجيش الفرنسي بشمال أفريقيا (Harki)، وتعيش في مدينة روبيه Roubaix الفرنسية التي ذهب منها الكثيرون للجهاد في سورية، وتملك الحركة السلفية في هذه المدينة بعض نقاط الاتصال في الجوامع الهامة التي تنظر السلطات إليها بعين الرضى لأنها تعمل في مجال الرقابة الاجتماعية. لا تتعلق المسألة السورية إلا بعدد محدود من الأفراد، أي حوالي ثمانمائة شخص حسب أرقام الشرطة، ولكن هذا العدد أكبر بعشر مرات من عدد الذين ذهبوا إلى أفغانستان والبوسنة والجزائر.
سؤال: هل يختلف الخطر الإرهابي عن خطر تنظيم القاعدة سابقاً؟
جيل كيبيل: نعم، لقد تغير نموذج التجارة الإسلامية للجهاد الإرهابي: تهدف الدولة الإسلامية لأبو بكر البغدادي، الخليفة المُزيف إبراهيم، إلى إعادة الاستقلالية للفرد. كان تنظيم القاعدة يدفع ثمن بطاقات الطائرة، ويحدد الأهداف، وكان انتحاريو 11 أيلول ينفذون الأوامر. إن الذي يقوم بالتنظير لهذه المعطيات الجديدة هو أبو مصعب السوري الذي كان أحد معاوني بن لادن سابقاً. لقد اعتقله الأمريكيون، وسلّموه إلى سورية، ثم أفرج عنه بشار الأسد عام 2011 لكي ينقل الجهاد إلى التمرد من أجل تفتيته؛ أدى ذلك في النهاية إلى تأسيس الدولة الإسلامية التي قضت على بقية المعارضين الأقل راديكالية، وسمحت للأسد بتقديم نفسه كحصن ضد الوحشية الجهادية. عندما نقرأ "نداء  المقاومة الإسلامية العالمية" التي كتبه  أبو مصعب السوري ـ وقمت بترجمة بعض مقاطعه في كتابي:  الرعب والشهادة Terreur et Martyre ـ ، يشرح أنه يجب استهداف ثلاثة أنواع من الأهداف في الغرب هي: اليهود وليس الكنائس اليهودية، ومن الأفضل المراكز الاجتماعية، ثم المسلمون "المرتدون" الذين يخدمون تحت رداء "الكفار"، ثم المهرجانات الرياضية. انظروا إلى محمد المراح والأخوين تسارناييف Tsarnaïv في بوسطن والمتحف اليهودي في بروكسل: إنه تطبيق حرفي لطريقة العمل. تكمن الفكرة في أن مثل هذه العمليات لا تُكلّف كثيراً، ولكنها تُثير ردود فعل مرعبة في أوروبا، ثم تثير الأعمال الكارهة للإسلام التي سينجم عنها تضامن المسلمين مع تجار الإسلام الأكثر راديكالية من أجل الوصول إلى الحرب الأهلية في أوروبا كمقدمة لانتصار الجهاد العالمي. ما زال كل ذلك في المرحلة الجنينية لتكونه حتى الآن.
سؤال: إذاً، يمكن أن يكون استخدام عودة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني كفتيل...
جيل كيبيل: نعم، إن صور مجازر المدنيين الفلسطينيين في هذا السياق المتفجر تراكمت مع شعور الكثير من الشباب المتحدرين من المهاجرين بوجود خطاب مزدوج لدى وسائل الإعلام الفرنسية لصالح إسرائيل. إننا داخل المنطق الذي يتمناه جهاديو الجيل الثالث الذين تأثروا بمنطق أبو مصعب السوري والدولة الإسلامية: ما زالت القضية الجهادية السورية ـ العراقية غير قادرة على تعبئة أعداد كبيرة، ولكن القضية الفلسطينية تُثير تعاطفاً أكبر. إن أساليب العمل للتعبئة معدة بعناية، ولهذا السبب يأملون بتشجيع الانحرافات. من جهة أخرى، شهر رمضان هو شهر مقدس ويتجمع فيه المسلمون بحماس. ولكن السكان المسلمين في غزة مُنهكون من الصيام والحر الشديد والقصف. وصل شعور الانتماء والسخط إلى ذروته. نلاحظ جيداً القلق الناجم عن اختلاط هاتين القضيتين، وأن يستفيد الجهاديون الذين تدربوا في سورية من هذه الأرضية الخصبة.
سؤال: هل كان يجب منع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في فرنسا؟
جيل كيبيل: يجب أن يكون لدينا الحق في التعبير عن رأينا في فرنسا تجاه تدهور الوضع في المنطقة. ولكن يجب توفير إشراف أكبر لأن تجاوز إطار هذه المظاهرات أمر غير مقبول. المظاهرة هي تعبير اجتماعي مؤطر بالحرمان من الحقوق. إن حرية التظاهر هي حق ديموقراطي وضروري. إن منع التظاهر إذا كان سلمياً يعني المخاطرة باللجوء إلى استخدام وسائل سرية وغير مؤطرة. من المشروع الشعور بالقلق من تزايد العداء للسامية ومن معاناة المدنيين في غزة أيضاً. إن عدم وجود إرادة لمعالجة المشكلة، يعني تحقيق رهان تجار التعصب للهويات الضيقة وبعض الناس مثل آلان سورال Alain Soral وديودونيه Dieudonné.