الصفحات

الثلاثاء، 8 تموز، 2014

(الصين المرشح الأوفر حظاً للفوز بكأس البريكس BRICS)

صحيفة اللوموند 8 تموز 2014 بقلم سيلفي كوفمان Sylvie Kauffmann

     ستنتهي كأس العالم في البرازيل قبل تاريخ 15 تموز، ولكن منافسة أخرى ستبدأ في البرازيل، إنها منافسة أكثر سرية وأقل احتفالية، وتتعلق بالقرن الواحد والعشرين. إن مسرح هذه المنافسة هو دول البريكس BRICS (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) التي تتشارك بشكل غير رسمي، وتسير على طريق مأسستها، ويمكن أن تظهر كأول تحدي جدي للنظام العالمي المنبثق عن بريتون وودز Bretton Woods غداة الحرب العالمية الثانية.
     سيجتمع قادة دول البريكس يومي 15 و16 تموز في مدينة فورتالزا Fortaleza البرازيلية ثم في العاصمة برازيليا، ومن المفترض أن يتفقوا على مكان المقر المستقبلي لمصرف التنمية الذي تنوي هذه الدول تأسيسه. يبدو أن شنغهاي هي الدولة المرشحة لاستضافة مقر هذا المصرف. ستساهم الدول الخمس بحصص متساوية في رأسمال المصرف البالغ خمسين مليار دولار، ولكن من المفترض أيضاً أن تتفق دول البريكس على تأسيس صندوق مالي عاجل بقيمة مئة مليار دولار لمواجهة الأزمات المالية. ستساهم بكين بحصة الأسد في هذا الصندوق مع 41 مليار دولار. إذاً، من الطبيعي أن تطالب الصين باستضافة مقر مصرف التنمية نظراً لأنها تملك احتياطياً هائلاً من العملات الأجنبية.
     تخطط الصين لتأسيس مصرف آخر، ولكنه مصرف إقليمي اسمه: المصرف الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية. من الممكن المراهنة على أن هذا المصرف سيرى النور قبل مصرف البريكس، لأنه حتى لو كان الأمر يتعلق بمؤسسة متعددة الأطراف، فإن الصين هي الجهة المنفذة لهذا المصرف، وهي الممول الأول له، الأمر الذي يضمن فعاليته. طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ هذه الفكرة أثناء زيارته لأندونيسيا في شهر تشرين الأول 2013، ثم شقت الفكرة طريقها بقيادة وزير المالية لو جيواي Lou Jiwei ورئيس الصندوق الاستثماري الصيني China International Capital Corp. جين ليكان Jin Liqun. تعتقد الفايننشال تايمز أن رأس المال الأولي لمصرف الاستثمار الآسيوي يبلغ خمسين مليار دولار، وأنه من الممكن مضاعفة هذا المبلغ مرتين.
     ما هو القاسم المشترك بين هذه المشروعين؟ يُنظر إلى المشروعين باعتبارهما بديلين عن المؤسسات التي تشكل الهيكل العظمي للنظام المالي الدولي المنبثق عن بريتون وودز الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. إنهما نواة لنظام موازي إلى حد ما. لا يُخف المعلقون الروس المعادون للغرب علناً منذ الأزمة الأوكرانية تفسيرهم لمصرف البريكس: كتب الموقع الإلكتروني لإذاعة صوت روسيا: "إنه تحدي للهيمنة المالية الأمريكية. ستواصل الدول الخمس جهودها في البرازيل من أجل إصلاح النظام المالي الدولي الذي يعاني من اختلال كبير في التوازن لصالح الغرب". حتى لو كان من غير المحتمل الإعلان عن تأسيس هذا المصرف خلال هذه القمة، فقد أصبح مرجعاً مؤثراً في السياق الحالي.
     إن الصينيين أكثر حذاقة. عندما يتحدث وزير المالية الصيني عن المصرف الآسيوي للاستثمار، وهو يمثل منافساً مباشراً للمصرف الآسيوي للتنمية (BAD) الذي تُهيمن عليه اليابان، فإنه يحرص باستمرار على التأكيد بأن المصرف الجديد سيكون "مُكملاً" للمصرف الآسيوي للتنمية وللمصرف الدولي، وبأنه سيحظى بتمويل أكبر. تؤكد بكين أن المصرف الآسيوي للتنمية والمصرف الدولي يعطيان الأولوية لتمويل المشاريع التي تتمحور حول مكافحة الفقر، أما المصرف الآسيوي للاستثمار فسوف يمول بشكل أساسي البنى التحتية التي تحتاجها آسيا بشكل كبير. إن الميزة الأخيرة المذكورة بشكل متحفظ هي أن قروض  المصرف الآسيوي للاستثمار لن تترافق مع شروط سياسية، تطبيقاً لسياسة بكين بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبدون المطالبة باحترام حقوق الإنسان.
     لا شك أن الاختلاف الحاسم بين مؤسسات بريتون وودز والمشروعين المصرفيين للدول الصاعدة يكمن في توزيع الحصص داخل هذه المصارف. تملك اليابان والولايات المتحدة أكبر حصتين في المصرف الآسيوي للتنمية، وهما على التوالي: 15.7 % و15.6 % من الحصص. تحظى هاتان الدولتان بأكثر من ربع الأصوات، في حين لا تملك الصين إلا 5.47 %.  أشار أحد الاقتصاديين في المصرف الآسيوي للتنمية إلى إن فكرة المصرف الآسيوي للاستثمار الذي تؤسسه الصين أثارت عصبية كبيرة في العاصمة الفيلبينية مانيلا التي يتواجد فيها مقر المصرف الآسيوي للتنمية، وأضاف مطمئناً أن "المنافسة ستجبرهم على أن يكونوا أكثر ابتكاراً".
     يبقى أنه في ظل السياق الجغراسياسي لتأكيد القوة الصينية في آسيا و"الانعطاف" الأمريكي باتجاه آسيا في المحيط الهادي والموقف الدفاعي لليابان، سيشكل المصرف الصيني الغني برؤوس الأموال اللازمة لتمويل البنى التحتية على طول طريق الحرير وسيلة لا يمكن إهمالها لـ "القوة الناعمة" الصينية، ولاشك أنها أكثر إغراء من قوتها البحرية. اقترحت الصين على حوالي عشرين بلداً الانضمام إلى هذا المشروع، ولاسيما ما يُطلق عليه في العالم الصيني "آسيا الغربية"، أي الشرق الأوسط. بالمقابل، لم تتم دعوة اليابان. أشارت صحيفة The Hindu أن الهند تلقت الدعوة قبل فترة قصيرة للانضمام إلى هذا المشروع.
     هل نحن في طور حضور ولادة نظام بديل عن النظام المبني حول الصندوق النقدي الدولي والمصرف الدولي؟ هل قررت الصين إعادة كتابة قواعد اللعبة؟ لم يتم تنفيذ أي شيء حتى الآن. ولكن من الصعب لوم الدول الصاعدة على تفكيرها خارج الهياكل الموجودة. في الحقيقة، إن التردد الغربي ـ ولاسيما تردد الكونغرس الأمريكي الذي يُعرقل إصلاح صندوق النقد الدولي ـ في تطوير المؤسسات الدولية من أجل إعطاء الدول الصاعدة المكانة التي تستحقها هو الذي يشجعها على الخروج من الهياكل الموجودة.