الصفحات

الجمعة، 4 تموز، 2014

(العراق انقسم إلى ثلاثة مناطق اقتصادية)

صحيفة الفيغارو بتاريخ 4 تموز 2014 ـ مقابلة مع الباحث إيمانويل دو دينشان Emmaunel de Dinechin الذي أسس بالمشاركة مركز الاستشارات Altai Consulting، وهو مركز يعمل في العراق منذ عام 2008 مع الشركات العراقية والعالمية الكبيرة ـأجرى المقابلة أدريان جولمز Adrien Jaulmes

     تحمل التغيرات الجارية حالياً في التحالفات داخل الشرق الأوسط تغيرات اقتصادية هامة. سوف تتغير المعطيات في جميع القطاعات وليس في القطاع النفطي فقط، سواء فيما يتعلق باندماج إيران في الاقتصاد الدولي أو نهاية التحالف "الأبدي" بين واشنطن والرياض.
سؤال: ما هي النتائج الاقتصادية الدولية للأزمة العراقية؟
إيمانويل دو دينشان: إن إحدى أهم الظواهر المتعلقة بالحرب الخاطفة التي شنتها الدولة الإسلامية في منتصف شهر حزيران هي أنه لم يكن لها أي تأثير فعلي على سعر برميل النفط الذي ارتفع سعره بشكل بسيط جداً. إن حصول مثل هذا الزلزال السياسي قبل عشرة أو عشرين عاماً كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في سعر الذهب الأسود. أصبح فهم الأسواق الدولية لهذه المنطقة أكثر دقة: إنها تعرف أن الحقول النفطية العراقية الرئيسية تتواجد في المنطقة الشيعية بجنوب العراق، وأنه ليس هناك خطر بوقوعها تحت سيطرة الدولة الإسلامية. لا شك أن الجهاديين يستطيعون تخريب أنابيب نقل النفط، وقاموا بذلك فعلاً، باعتبار أن الأنابيب الواصلة إلى تركيا لا تعمل منذ بداية شهر آذار، ولكن تأثير ذلك ضئيل جداً على حجم السوق النفطي الدولي حالياً. إن عدم وجود ردة فعل مفاجئة في الأسواق النفطية يُعبّر أيضاً عن الوزن الاقتصادي الضعيف للعراق وعن وزنه الضعيف في الانتاج العالمي للنفط (4 % تقريباً). بالمحصلة، تعتبر الأسواق النفطية أن المشاكل المتعلقة بطاقة الميناء النفطي في البصرة واختناقه هي أكثر إثارة للقلق بكثير من تصرفات الدولة الإسلامية.
سؤال: هل ينطبق ذلك على العراق؟
إيمانول دو دينشان: إن النتائج أكثر خطورة بكثير بالنسبة للاقتصاد العراقي. أولاً، لأن البلد منقسم فعلياً في الوقت الحالي إلى ثلاثة مناطق شبه مفصولة عن بعضها البعض من وجهة النظر اللوجستية والاقتصادية. أقول "شبه مفصولة" لأنه ما زال هناك بعض سائقي الشاحنات الكبيرة الذين يتحلون بقدر كافي من الشجاعة لكي يحاولوا التحايل على خطوط الجبهة عبر الجانب الشرقي من العراق، ويقومون بوصل كردستان مع جنوب العراق. إن هذا الشلل في وسائل النقل يخنق عدداً كبيراً من الشركات التي يحتاج عملها إلى بيع منتجاتها النهائية أو الحصول على المواد الأولية في جميع أنحاء العراق. ثانياً، لأن الغموض السائد حول مستقبل العراق وصل إلى درجة أن جميع الشركات تقريباً تُجمد مشاريعها الاستثمارية بانتظار اتضاح الوضع. إن الاستراتيجية ليست نفسها عندما يتعلق الأمر ببلد يبلغ عدد سكانه ثلاثين مليون نسمة أو عندما يتعلق بثلاث دول يبلغ عدد سكان كل دولة على حدة خمسة ملايين وسبعة ملايين وثمانية عشر مليون نسمة، ومن المحتمل جداً أن تكون هذه الدول الثلاثة في حالة نزاع مع بعضها البعض. أخيراً، على المدى القصير، إن المعارك الدائرة حول أكبر المصافي النفطية العراقية في باجي يتسبب بنقص كبير في البنزين في جميع أنحاء العراق. تُغلق محطات بيع البنزين أبوابها واحدة تلو الأخرى، والمحطات النادرة الباقية تعاني من ازدحام شديد. في كردستان على سبيل المثال، يصطف الناس في الطوابير يوماً كاملاً على الرغم من إجراءات التقنين التي اتخذتها السلطات الكردية لتجنب ظاهرة التخزين. في العراق، يتم توليد جزء من الكهرباء عبر مولدات تعمل على الفيول، ولهذا السبب سيكون نقص البنزين مؤلماً جداً ولاسيما خلال الصيف. يساهم كل ذلك في تراجع النشاط الاقتصادي بأكمله.
سؤال: هل ستكون كردستان المستقلة قابلة للبقاء اقتصادياً؟
إيمانويل دو دينشان: لم تعد هناك شكوك كثيرة لدى الأكراد حول الاستقلال المستقبلي لكردستان العراق، وأصبح الموضوع الرئيسي للحديث في شوارع أربيل والسليمانية. لم تعد هناك شكوك كثيرة لدى العديد من المحللين في المنطقة أيضاً حول هذا الموضوع، ما دامت الظروف مواتية جداً لكي يقوم مسعود البارزاني بإطلاق الآلية التي ستؤدي إلى الاستقلال (الاستفتاء والنتيجة الساحقة لصالح الاستقلال وطلب الاعتراف الدولي... الخ). ولكن السؤال الكبير يبقى المستقبل الاقتصادي لكردستان العراق. كان هذا المستقبل يبدو قاتماً قبل خمس سنوات بدون موارد طبيعية هامة وبدون منفذ على البحر، ولم يكن بإمكان كردستان العراق آنذاك دخول الاقتصاد العالمي بنجاح. اختلف الوضع كثيراً اليوم: تم العثور على بعض الحقول النفطية من الفئة الأولى في كردستان مثل حقل Tawke، وبدأ استثماره فعلياً. دشن الأكراد في نهاية العام الماضي أنبوباً نفطياً يمر عبر تركيا من أجل التخلص من تبعيتهم لبغداد عند تصدير النفط. وفي الشهر الماضي، غادرت أول ناقلة نفط "كردية" ميناء سيحان، الأمر الذي أثار غضب حكومة المالكي العاجزة عن منع ذلك.
من جهة أخرى، برهنت حكومة إقليم كردستان على ذكاء كبير في فهمها لرهانات الاقتصاد العالمي: أصبحت هذه المنطقة الكردية خلال عدة سنوات أكثر الأماكن ديناميكية وجذباً للشركات الأجنبية، كما أن البيئة المتوفرة فيها هي الأكثر ملاءمة للصفقات التجارية في الشرق الأوسط. ساهم ذلك في جذب الكثير من الشركات الكبرى، إذا اقتصرنا على ذكر الشركات الفرنسية: هناك شركة أورانج Orange ولافارج Lafarge وكارفور Carrefour التي أصبت تملك مصالح هامة في كردستان. بالتأكيد، ستبقى فرضية كردستان المستقل سوقاً صغيراً يضم ما بين أربع أو ست ملايين نسمة في حال ضم كركوك أو عدم ضمها. ولكن هذا البلد الصغير غني بالموارد، ورسخ علاقاته مع تركيا، وتديره حكومة عصرية، ومن المفترض أن يكون قادراً على متابعة نموه بقوة.