الصفحات

الخميس، 10 تشرين الأول، 2013

(تركيبة التمرد السوري)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 10 تشرين الأول 2013 بقلم كريستوف بولتانسكي Christophe Boltanski

     يشعر الدبلوماسيون والعناصر الأمنية الفرنسية المكلفون بالملف السوري باليأس منذ عدة أشهر. تتمثل إحدى مهماتهم بإحصاء مختلف المجموعات المتمردة وتصنيفها حسب إتجاهاتها السياسية ومعرفة حجمها الحقيقي والتمييز بين المعتدلين والعلمانيين الذين من المناسب مساعدتهم وبين المتطرفين المتدينين. اعترف أحدهم قائلاً: "إن إعداد خارطة لهم أمر معقد جداً". لإظهار صعوبة مهمته، روى هذا الرجل الحادثة التالية: تفاجأ خلال إحدى زياراته الأخيرة إلى سورية باكتشاف رزمة من الدولارات على طاولة رئيس المتمردين الذي قال له: "طلب مني السعوديون عدم الذهاب لرؤية القطريين". هناك معلومة هامة: تدعم قطر الإخوان المسلمين الذين يمثلون العدو اللدود للملكة الوهابية التي تدعم السلفيين والقوميين. ثم أضاف رئيس المتمردين مقهقهاً: "أخذت المال، وأرسلت مساعدي إلى الدوحة". تحصل عصابته المسلحة على التمويل من الدولتين المتنافستين في الخليج.
     هل يكافح المتمردون من أجل دولة ديموقراطية منفتحة على جميع  الطوائف، أم من أجل عودة الخلافة الإسلامية القائمة على الشريعة؟ هل يخضعون لسلطة أم أنهم يفعلون ما يريدون؟ كم هو عدد الجهاديين الأجانب الذين يقاتلون في صفوفهم؟ ما هو النفوذ الذي يتمتع به تنظيم القاعدة على الأرض؟ هناك الكثير من الأسئلة المشابهة لدى الحكومات الغربية والرأي العام الغربي. من الصعب أو حتى من المستحيل معرفة جميع الكتائب التي تدعي الانتماء إلى الثورة ويبلغ عددها ما بين 1500 و2000 كتيبة. تواجه هذه الكتائب انشقاقات وإعادة تجمع مستمرة، ويتغير عددها باستمرار وكذلك الأمر بالنسبة لولاءاتها. وحتى مظاهرها الخارجية يمكن أن تكون خادعة. كتبت الباحثة بسمة قضماني والباحث فيليكس لوغراند Félix Legrand في تقرير صدر في شهر أيلول بعنوان: (تعزيز المقاومة الديموقراطية في سورية): تختار المجموعات الإسلامية أسماء إسلامية أكثر فأكثر، وتتبنى مصطلحات دينية من أجل إرضاء الجهات العربية الغنية التي تمولهم.
     بدأ الجيش السوري الحر بالإزدهار في خريف عام 2011 بعد عدة أشهر من المظاهرات السلمية التي تم قمعها بشكل دامي. إن أول من حمل السلاح هم الجنود والضباط المنشقون والشباب المحتجون الذين يريدون الانتقام من مقتل أحد أقاربهم برصاص النظام. تجمعوا حسب العائلات والقبائل والقرى. إنهم في أغلب الأحيان من سكان القرى المحافظين والسنة كما هو الحال بالنسبة لثمانين بالمئة من السكان. تأسست بعض هذه المجموعات على أساس متعدد الطوائف، وتضم كتائب الوحدة الوطنية في إدلب بعض العلويين. في عام 2012،  قامت العديد من الدول الراعية للجيش السوري الحر وفي مقدمتها الدول الغربية بتأسيس مجلس عسكري أعلى برئاسة جنرال سابق هو سليم إدريس الذي كان يجب عليه الإشراف على الحرب ومراقبة توزيع المال والسلاح.
     انهار هذا الأساس بكامله بعد مضي عام واحد. قال ضابط سابق في الخارج متأسفاً: "تعمل الكتائب داخل الجيش السوري الحر بشكل مستقل عن بعضها البعض. لا توجد قيادة موحدة ولا إستراتيجية". لم ينجح سليم إدريس في فرض نفسه، وهو لا يُدير إلا جزءاً ضئيلاً من التمرد المنقسم أكثر فأكثر، واعترف الناطق  الرسمي باسم الجيش السوري الحر في باريس فهد المصري قائلاً: "إنه لا يسيطر على أكثر من 5 %". تم تهميش المعسكر العلماني في المناطق المحررة، وهيمن الإسلاميون بمختلف انتماءاتهم. أعلن الإسلاميون مؤخراً عن قطع علاقاتهم مع الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة التي تمثل المعارضة في الخارج. والأمر الأكثر خطورة هو أن الجهاديين التابعين لتنظيم القاعدة يتقدمون على الأرض باستمرار. تأسست جبهة النصرة من قبل بعض المعتقلين السابقين الذين أفرج عنهم بشار الأسد عمداً، ثم نشرت نفوذها إلى المناطق الحدودية مع تركيا والحقول النفطية في دير الزور التي تستثمرها بالتعاون مع النظام أحياناً. ثم أزاحتها مجموعة أخرى أكثر راديكالية منذ فصل الربيع هي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي تضم المنشقين والمقاتلين العراقيين. حذر فهد المصري قائلاً: "إن ثورتنا مهددة بخطر الغرق بالفوضى".
     إن خطأ الغرب هو عدم تقديم المساعدات الموعودة إلى حلفائه إلا بالقطارة. قال أحد الخبراء الفرنسيين غاضباً: "قمنا بتعميد سليم إدريس، ولكن لم نقم بأي شيء آخر بعد ذلك. إن دعمنا هو ذر للرماد في العيون! نعطي بعض الأشياء، ثم نشاهد". قال الباحث السياسي في جامعة باريس الأولى جيل دورونسورو Gilles Dorronsoro الذي أجرى تحقيقاً في منطقة حلب مؤخراً (أعده بالتعاون مع أرتور كيسني Arthur Quesnay وآدام بازكو Adam Baczko لصالح مؤسسة كارنيجي): "إن بروز أو انحطاط أية مجموعة إسلامية أو علمانية يتعلق بالدعم الخارجي الذي تحصل عليه. حالما تحصل بعض المجموعات المتطرفة على دعم أكثر من غيرها، فإنها تقوم بتجنيد عدد أكبر من الرجال". من جهته، بذل الدكتاتور السوري كل ما بوسعه لزيادة راديكالية النزاع "لكي يكون الخيار في اللحظة المناسبة بينه وبين تنظيم القاعدة" كما يقول جيل دورونسورو. تستهدف قواته المعتدلين وتتساهل مع الجهاديين، ولاسيما في الرقة التي أصبحت معقل الجهاديين. قال أحد الضباط المنشقين: "كأنها جاءت بالصدفة: إنها آخر مدينة تمردت، وأول مدينة سقطت".
     تعمل السلطة أيضاً بنجاح على الإيقاع بين الطوائف. إن المجزرة التي ارتكبها الشبيحة ضد مئات السنة في بانياس ـ يتحدث البعض عن 1500 قتيل ـ ، أو قصف الغوطة بغاز الساران بتاريخ 21 آب، يدفع بالمتطرفين في الجهة الأخرى إلى إرتكاب أعمال انتقامية تقوم الدعاية الرسمية باستغلالها والترويج لها. عندما عادت الانتقادات تتسع ضد بشار الأسد داخل الطائفة العلوية في بداية شهر آب، قام الجيش النظامي فجأة بإزالة حواجزه في شمال اللاذقية وسمح للمتمردين بالاستيلاء على 11 قرية علوية. ربما تعرض 300 شخص من سكانها للقتل، وهم من الرجال وليسوا نساء أو أطفالاً كما تدعي دمشق. قالت إحدى الشخصيات في الخارج، وهي كانت تنتمي إلى الدائرة الأولى في النظام: "وقع سليم إدريس بالفخ عندما ذهب إلى هناك للإشادة بهذا الانتصار. استطاع بشار بهذه الطريقة توجيه تحذير إلى طائفته وبقية العالم بأن الجيش السوري الحر يشن حرباً طائفية".
     ولكن تنظيم القاعدة لا يُسيطر على التمرد. أشار تشارلز ليستر Charles Lister الذي أعد تحقيقاً لصالح المعهد البريطاني IHS Jane’s، الذي يُستشهد به غالباً لتأكيد انحراف التمرد السوري نحو التطرف، إلى أن عدد عناصر جبهة النصرة والدولة الإسلامية معاً "يتراوح بين سبعة آلاف وعشرة آلاف رجل". أي أقل من 10 % من اجمالي عدد المتمردين. إذا أضفنا إلى هاتين المجموعتين شريحة واسعة من الكتائب السلفية مثل لواء الإسلام، فسوف يصل عددهم إلى الثلث أو حتى 40 % من عدد المتمردين. ولكن العديد من هذه المجموعات مثل أحرار الشام أو صقور الشام ما زالت تتعاون مع الجيش السوري الحر وسليم إدريس. أكد أحد الدبلوماسيين قائلاً: "إن الصورة ليس لها قيمة كبيرة. إنها عملية ديناميكية. يذهب المقاتلون إلى الأكثر عطاء وإلى الذين لديهم السلاح والمال. تجدون داخل الجهة نفسها بعض الراديكاليين والمعتدلين. يتأرجح موقف كل شخص حسب الأمكنة والزعماء".

     هناك نقطة هامة أخرى: لم تغرق المناطق التي يُسيطر عليها التمرد في الفوضى على الرغم من التصرفات السيئة لبعض العصابات المجرمة، وأكد جيل دورونسورو قائلاً: "يقوم الناس بتنظيم أنفسهم، وتعمل البلدية في حلب بشكل جيد، نحن أيضاً في مرحلة إعادة الأمور إلى طبيعتها". يُشاركه في هذا الرأي الأستاذ في معهد العلوم السياسية جان بيير فيليو Jean-Pierre Filiu الذي أقام بدوره في شمال سورية خلال شهر تموز، وعاد منها بكتاب سيصدر قريباً عن دار نشر Denoël بعنوان: (أكتب لكم من حلب). يقول جان بيير فيليو: "وصل الجهاديون إلى ذروتهم خلال فصل الربيع. إنهم يعانون منذ ذلك الوقت بسبب القذائف التي أطلقوها على السكان. تفاجأت في حلب من شدة الرفض الذي يواجهه الجهاديون".