الصفحات

الاثنين، 21 تشرين الأول، 2013

(الصحافة المضطهدة في سورية الحرة)

صحيفة الليبراسيون 21 تشرين الأول 2013 بقلم مراسلتها الموقتة في بيروت ماري كوسترز Marie Kostrz

     دخل بعض الرجال المسلحين في شهر حزيران إلى مبنى صحيفة Henta في تل أبيض بشمال سورية، إنهم عناصر المجموعة الجهادية للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التابعة لتنظيم القاعدة، وأمروا بإيقاف نشرها، وهددوا بقصف البناء. انفجر غضب الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بعد نشر مقال ينتقد الخلافة الإسلامية. منذ ذلك الوقت، هرب الصحفيون الثلاثة إلى الخارج. قالت رئيسة تحرير الصحيفة بشرى جود Bochra Jood: "إن بروز الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام جعل عملنا أصعب بكثير. إن توزيع أي صحيفة أصبح معقداً فعلاً في شمال سورية، إلا إذا كانت تدعو إلى وجهة نظر متطرفة للإسلام. في السابق، كان هاجسنا الوحيد هو أن يقوم النظام باعتقال أعضاء الصحيفة في السلمية". وأكدت أن إثنين من عناصر الصحيفة ما زالا معتقلين. في الوقت الحالي، تشعر الصحيفة بالخوف أيضاً من بعض المجموعات التي تقاتل ضد بشار الأسد. بدأت هذه الصحيفة بالصدور في شهر آذار 2012 في مدينة السلمية الواقعة على مسافة خمسين كيلومتراً من حمص، ويتم توزيعها في المناطق المحررة منذ سبعة أشهر.
     تشعر بقية الصحف الموزعة في المنطقة المتمردة بهذا الخوف أيضاً، على الرغم من أن صدورها منذ عام 2011 كان يُعتبر نتيجة إيجابية للثورة. أراد بعض السوريين في جميع  أنحاء البلد توفير مصادر معلومات تتناقض مع الصحف التي تُسيطر عليها السلطة. أدانت هذه الصحف أعمال الترهيب المرتكبة ضد السكان، وكان هدفها حتى الآن بث المزيد من التعددية في الساحة الإعلامية السورية.
     إذا كانت أغلب هذه الصحف منشورة على الأنترنت، فإن الكثير منها أيضاً تنشر نسخة ورقية لكي تكون المعلومات متوفرة للجميع. أدى قمع النظام إلى إيقاف هذه المبادرات. قال (ناطور)، رئيس تحرير صحيفة (عنب بلدي) الموزعة سراً في داريا عام 2012: "من المخاطرة توزيع أعداد الصحيفة عندما يتعرض خمسة من أعضائها للاعتقال، ولذلك قررنا إيقافها". على الرغم من ذلك، يتم توزيع 900 عدد من صحيفة (عنب بلدي) أسبوعياً في المنطقة المحررة. ولكن كما هو الحال بالنسبة لصحيفة Henta، ظهرت بسرعة عقبة أخرى أمام الصحيفة. قال (ناطور): "واجه الموزعون بعض المشاكل مع الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، لأن صحيفتنا تنتقد جميع  أطراف النزاع. طلبوا منا تغيير اللهجة أو التوقف عن توزيعها في المناطق التي يسيطرون عليها". لم يكن ممكناً تجاهل هذه النصيحة، ولم تعد هذه الصحيفة متوفرة في المناطق التي تُسيطر عليها الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. أشار رئيس تحرير الصحيفة إلى أنه لم يكن يعتقد إطلاقاً بأنه سيواجه مثل هذا الخطر، واعترف قائلاً: "ولكن الثورة مختلفة الآن".
     تفرض الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام نفسها أكثر فأكثر، وتدهور الوضع كثيراً في الفترة الأخيرة. قالت مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في منظمة مراسلين بلا حدود سوازيغ دوليه Soazig Dollet: "لاحظنا منذ شهر أيار تزايداً كبيراً جداً في أعمال الترهيب التي ترتكبها المجموعات المسلحة الراديكالية، ولاسيما الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ضد بعض الجهات السورية العاملة في مجال الإعلام". وأشارت هذه المنظمة إلى أن حوالي ستين صحفياً تم اعتقالهم منذ شهر أيار من قبل المجموعات المسلحة المعارضة للنظام السوري أو من قبل حزب الاتحاد الديموقراطي في المناطق الكردية. إن حزب الاتحاد الديموقراطي هو حزب مسلح ومقرب من ميليشيات حزب العمال الكردستاني، ويُدير شمال ـ شرق سورية بيد من حديد منذ رحيل قوات النظام في خريف عام 2012. إن المؤسسات التي حلّت مكان النظام في المنطقة المحررة، تشارك أيضاً في هذه الرقابة. قامت اللجنة التشريعية في حلب خلال شهر أيار بمنع ثلاث مطابع في المدينة من العمل مع صحيفة (بسمة حلب) التي نشرت على الصفحة الأولى من عددها الثاني عشر صورة إحدى المظاهرات الناقدة للتوجه الديني المحافظ لهذه اللجنة.
     إذا كان تداخل الإسلام مع السياسة لا يُسهل مهمة هذه الصحف الجديدة، فإن المشكلة تأتي أيضاً من نقص التجربة الديموقراطية في سورية. بعد ثلاثين عاماً من النظام الدكتاتوري، ما زال الكثير من أطراف الثورة يرفضون أن يكونوا هدفاً لهذه الحرية الناشئة للتعبير. تلقى العاملون في مجلة (الغربال) في قرية كفرنبل بالقرب من إدلب عدة تهديدات بالموت. إنها مجلة ساخرة وناقدة للنظام والقوى السياسية والمسلحة التي تُسيطر على القرية منذ شهر آب 2012. لم يتم قبول هذه الحرية. أدان أحد السكان بتاريخ 9 تموز الماضي نقص فعالية المساعدة الإنسانية  التي توزعها القرية المجاورة، فقام المجلس المحلي باعتقاله، وتم إجباره بعد التعذيب على إجراء مقابلة أخرى يمدح فيها قادة هذا المجلس. قال محمد سلوم مؤسس هذه المجلة: "تعرض الصحفي الذي أجرى هذا اللقاء للاعتقال أيضاً، كما اعتدى عليه المتمردون بالضرب مرتين. يجب أن يعتاد الناس على سماع آراء مختلفة". ولكن عداء السكان بدأ بالتزايد أيضاً، قال محمد سلوم: "إنهم خائفون من الحديث معنا". أصبحت الحماية أمراً ضرورياً لمواجهة هذه الصعوبات، ولكن حرية الصحافة تتعرض للتقييد في أغلب الأحيان. قررت صحيفة (ولات) Welat التي تصدر باللغتين العربية والكردية في القامشلي تجنب بعض المواضيع، واعترف أحد الصحفيين قائلاً: "لا نتحدث إطلاقاً عن حزب الاتحاد الديموقراطي، لأننا نعرف بأن ذلك سيجلب لنا المشاكل".
     تقوم بعض المنظمات التي تدعم هذه الصحف بمساعدة الصحفيين على التقليل من الأخطار. إنه أمر "عاجل" كما قال مدير العلاقات العامة في جمعية دعم وسائل الإعلام الحرة أرمان هورو Armand Hurault. تقوم هذه الجمعية بتمويل ثماني صحف سورية، وتملك فريقاً يعمل في تركيا ويقرأ جميع الصحف قبل طباعتها. قال أرمان هورو: "إذا اعتبرت الجمعية أن أحد المقالات يمكن أن يُعرّض الصحفيين للخطر، فإنها  تقرر عدم نشر العدد في المناطق الأكثر خطراً، أو حذف المقال، أو حتى عدم توزيع الصحيفة في بعض الحالات القصوى".

     بالمقابل، من الصعب تقديم المساعدة في حالة التعرض للهجوم. اعترف أحد المسؤولين في منظمة أوروبية تُقدم الدعم في تدريب الصحفين قائلاً: "نساعد الصحفيين عبر إعطائهم النصائح حول تأمين معلوماتهم إلى أقصى حد، ولكن ليس بإمكاننا حمايتهم". انتقد بعض العاملين في هذا المجال العزلة التي يواجهها الصحفيون، قال أحد المدربين: "إنهم لا يحظوا بدعم كاف من قبل المعارضة السياسية السورية في الخارج. لا تُظهر هذه المعارضة تضامنها مع الصحفيين في أغلب الأحيان، لأنها تُفضل الاستفادة من الانتصارات العسكرية للمجموعات التي تهدد الصحفيين. في الوقت الحالي، لا تُلح أية منظمة على تغيير مضمون وسائل الإعلام  التي تدعمها، ولكن ذلك سيحصل بالتأكيد لأنها لا تتحمل إلا الصحف التي تدافع عن إيديولوجياتها". يجب على المدى الطويل طرح مسألة استقلالية وسائل الإعلام. قامت كل مجموعة سياسية بتأسيس صحيفة لها، كما تلعب التوجهات السياسية لموظفي هذه المنظمات دورها أيضاً. قال المدرب المشار إليه أعلاه: "لقد سبق لي أن شاهدت بعض المدربين وهم يطردون بعض الصحفيين من دروسهم، لأنهم يعتبرونهم ذي ميول دينية متطرفة". في مثل هذا السياق، من المهم مساعدة هؤلاء الصحفيين على تعزيز قوتهم وتمويل نفسهم بأنفسهم. ولكنه أمر صعب أثناء الحروب.