الصفحات

الثلاثاء، 8 تشرين الأول، 2013

(لماذا تريد إيران التفاوض)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 3 تشرين الأول 2013 ـ مقابلة مع بيير رازو Pierre Razoux، الباحث في معهد الأبحاث الإستراتيجية بالمدرسة العسكرية (IRSEM) ـ أجرى المقابلة جيل أنكيتيل Gilles Anquetil

سؤال: صدر لكم مؤخراً كتاب بعنوان: الحرب بين إيران والعراق ـ حرب الخليج الأولى 1980 ـ 1988. فيما يتعلق بهذه الحرب الطويلة التي كان صدام حسين يحلم بالبداية أن تكون "خاطفة"، هل تحولت إلى "أم" بقية الحروب في الخليج مثل حربي عام 1990 وعام 2003؟
بيير رازو: إن الحرب بين إيران والعراق هي فعلاً "أم" جميع الحروب في الخليج. كانت أطول الحروب في القرن العشرين وأكثرها دموية في الشرق الأوسط مع مقتل واختفاء 680.000 شخص (180.000 من الجانب العراقي، و500.000 من الجانب الإيراني) وأكثر من 1.8 مليون جريح ومُعاق. أدت هذه الحرب إلى بروز معطيات جيوسياسية جديدة كانت السبب في أغلب الأزمات في المنطقة. بعد نهاية هذه الحرب، عادت الدول الغربية إلى الخليج بعد أن انسحبت منها سابقاً. وسنشاهد عودة الاتحاد السوفييتي (ثم روسيا) والصين، بالإضافة إلى تعزيز الوجود العسكري الغربي والأمريكي بشكل خاص. خرج العراق من هذه الحرب معزولاً وضعيفاً جداً، حتى ولو كان العراق هو الذي انتصر رسمياً في هذه الحرب. كانت إيران معزولة تماماً على الساحة الدولية، وبدأت الممالك النفطية تحلم بالقيام بدور إقليمي كبير.
سؤال: يتحدث الإيرانيون دوماً عن حرب "مفروضة"، ولكنكم تشيرون أيضاً إلى أنها كانت حرباً تجاوزت كل التوقعات بالنسبة للنظام الإسلامي الشاب.
بيير رازو: نعم، لم يخطىء آية الله الخميني عندما صرح بأن "هذه الحرب نعمة غير متوقعة"، لأنها ستسمح للنظام الإسلامي بإعداد نفسه لمواجهة الاعتداء الخارجي، وبتبني إيديولوجية راديكالية وبإبعاد جميع خصومه السياسيين في الداخل سواء كانوا علمانيين أم ماركسيين أم ليبراليين أو حتى رجال الدين المعتدلين. اضطرت السلطة الخمينية  الجديدة منذ بداية الحرب إلى مواجهة ثلاثة حروب بشكل مباشر. كانت الحرب الأكثر أهمية بنظرها هي بقاء النظام في مواجهة مجاهدي الشعب الذين ارتكبوا الكثير من عمليات التفجير وقتلوا الكثير من قادته. كانت الحرب الثانية تستهدف الأقليات في أطراف البلد مثل: الأذريين والبالوتش والعرب وبشكل خاص الأكراد الذين استفادوا من الفوضى التي أعقبت الثورة لكي يحاولوا الحصول على المزيد من الحكم الذاتي أو حتى على الاستقلال. بالنسبة للخميني، إن الحرب الحاسمة كانت ضد المعارضين في الداخل وليس ضد العراق. لقد انتظر الخميني تحقيق الانتصار أولاً في المعركة الداخلية ثم في المعركة ضد الأكراد الإيرانيين، لكي يبذل قصارى جهده بمساعدة خامنئي ورافسنجاني من أجل معاقبة صدام وصد هجماته.
سؤال: سمحت هذه الحرب ضد العراق للنظام بإبراز حرس الثورة وميليشيات الباسيدجي من أجل التعويض عن دور الجيش النظامي الذي تم تشكيله في عصر الشاه، ولم يكن الخميني يثق بالجيش النظامي.
بيير رازو: ولكن الجيش النظامي هو الذي سمح للنظام بالصمود تجاه العراق وتجاه الاستقلاليين الأكراد. تم استخدام حرس الثورة والباسيدجي في الهجمات الكبيرة الدامية جداً دون أن تحقق في النهاية إلا تقدماً بسيطاً على الأرض بالنسبة لإيران. إن الجيش النظامي هو الذي تحمل صدمة جميع المعارك الدفاعية، ولكن التاريخ الرسمي يقول أن حرس الثورة هو الذي انتصر في الحرب. إن أي مؤرخ إيراني يكتب عكس ذلك، يمكن أن يتعرض للاعتقال.
سؤال: هل يمكن القول أن النزاع بين إيران والعراق كان الحرب الأولى بين الشيعة والسنة، هذه الحرب التي تحتدم اليوم في العراق وسورية؟
بيير رازو: لا أعتقد ذلك، حتى ولو كان الخميني يتمنى بشدة أن يقف الشيعة العراقيون في وجه صدام الذي كان يأمل من السنة العرب في جنوب إيران أن يستقبلوا جنوده كالفاتحين. ولكن ذلك لم يحصل. كان نصف جيش صدام حسين يتألف من الشيعة، ومنهم عدد كبير من الضباط والجنرالات. لقد ساد المنطق القومي وليس الديني لدى الجانبين على خلفية النزاع القديم بين العرب والفرس.
سؤال: إن الوحشية التي اتصفت بها هذه الحرب هي استخدام العراقيين للأسلحة الكيميائية، وليس فقط ضد الأكراد.
بيير رازو: استخدم العراقيون السلاح الكيميائي على الجبهة اعتباراً من عام 1983 ضد الإيرانيين بشكل أساسي والأكراد بشكل متقطع لمعاقبتهم على دورهم في تسهيل تقدم القوات الإيرانية في كردستان العراق. استخدم صدام حسين الأسلحة الكيميائية على الجبهة بشكل واسع حتى عام 1988 في ظل عدم مبالاة المجتمع الدولي الذي أغلق عيونه. كان الأمريكيون والأوروبيون يعرفون ذلك!
سؤال: هل كان انتصار صدام انتصاراً باهظ التكاليف دون تحقيق النتائج المرجوة؟
بيير رازو: نعم. خرج صدام حسين ضعيفاً جداً من هذه الحرب التي "انتصر" بها. إن هذا "الانتصار" وطموحه الجنوني سيجعلانه أعمى البصيرة، ودفعاه إلى غزو الكويت عام 1990 بشكل أكد فيه بداية نهايته. من سخرية القدر أن جورج بوش الابن سيمنح الإيرانيين على طبق من فضة، بفضل حرب الخليج الثالثة، الانتصار الذي كانوا يحلمون به خلال ثماني سنوات. وهكذا، شاهد رجال الدين الإيرانيين إقامة دولة عراقية ضعيفة ومقسمة وخاضعة لسيطرة الطائفة الشيعية الخاضعة لنفوذ الجمهورية الإسلامية.
سؤال: كان زعيما الحرب الإيرانية آنذاك علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني. إنهما في السلطة اليوم.
بيير رازو: إن التنافس الشديد بين هذين الرجلين كان المحور الأساسي لكتابي، ويسمح بفهم عمل السلطة الإيرانية على صعيد السياسة الخارجية بشكل خاص. كان هذان الرجلان من المرشحين لخلافة المرشد الأعلى الذي كان مريضاً وكبيراً بالسن. منذ نهاية عام 1981، كان خامنئي ورفسنجاني ينظران إلى الحرب بين إيران والعراق كوسيلة لكي يفرض كل منهما زعامته. كان بإمكان رفسنجاني إيقاف الحرب عدة مرات، ولكنه بذل كل ما بوسعه لاستمرارها من أجل تعزيزسلطته. الأمر الأكثر غرابة هو استمرار هذا الصراع بين الرجلين حتى الآن. إن انتخاب حسن روحاني ليس إلا حلقة جديدة في هذه المواجهة بينهما. إنها تسوية تسمح للرجلين بإنقاذ ماء الوجه عبر انتخاب رجل دين مُقرّب من المرشد الأعلى ومن رفسنجاني. تسمح هذه الرعاية المزدوجة لروحاني بالحفاظ على ما هو أساسي في النظام بالإضافة إلى الانفتاح على العالم الخارجي مع احتمال القيام بتقديم تنازلات حول الملف النووي. لأنه يبدو أن السلطة الإيرانية مقتنعة اليوم بأن الوقت لا يمضي لصالحها، وأنه يجب عليها تطبيع علاقاتها مع الغرب من أجل الحصول على رفع العقوبات وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. تعلم المرشد الأعلى خامنئي الدرس من الحرب بين إيران والعراق، إنه يفضل التفاوض مع الدول الغربية قبل أن تُصبح نتائج العقوبات الاقتصادية قاضية على النظام. هذا هو معنى سياسة الانفتاح للرئيس روحاني.
سؤال: إذاً، هل يمكن فهم نتائج الحرب بين إيران والعراق عبر ما يحصل اليوم؟

بيير رازو: بالتأكيد. يكفي التذكير بتهميش العراق وبعزلة وراديكالية إيران التي دفعت طهران نحو استئناف برنامجها النووي منذ عام 1980. تسمح دراسة هذه الحرب بإظهار أن السلطة الإيرانية عقلانية، وأنها لا تقبل التسوية إلا إذا كانت تحقق مصلحتها وعندما تكون صناديق الدولة فارغة ـ كما كان عليه الحال عام 1988 ـ ، أو أن تدرك وجود تهديد حقيقي بتدخل عسكري خارجي. في الوضع الحالي، أدركت السلطة الإيرانية أنه من مصلحتها التفاوض مع الدول الغربية من أجل إنقاذ اقتصادها وتجنب الاضطرابات الاجتماعية. تعرف السلطة الإيرانية أيضاً أن العقوبات الاقتصادية أضرتها جداً، وأن التدخل العسكري ما زال ممكناً. في هذا الخصوص، من المحتمل أن الملف السوري سيكون بالنسبة للقادة الإيرانيين امتحاناً لمعرفة تصميم الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.