الصفحات

الجمعة، 25 تشرين الأول، 2013

(تركيا في مواجهة تمرد الأقلية العلوية)

صحيفة الفيغارو 14 تشرين الأول 2013 بقلم مراسلتها في استانبول لور مارشاند Laure Marchand

     يقع حي Gülsuyu (ماء الزهر باللغة العربية) على الضفة الآسيوية من مدينة استانبول. تمثل الأقلية العلوية التركية (فرع ليبرالي منشق عن الإسلام) أغلبية سكان هذا الحي الذي يقف في خط المواجهة الأول ضد رجب طيب أردوغان. قال أحد المتعاطفين الثوار عابدين ساري Abidin Sari: "نحن قلب المعارضة، ولهذا السبب نحن موجودون بكثرة في المظاهرات في Gezi".
     تعرض العلويون الأتراك للاضطهاد في عهد الإمبراطورية العثمانية ومنذ تأسيس الجمهورية عام 1923. يتمرد العلويون الأتراك ضد سياسة الحكومة التي يعتبرونها مؤيدة للسنة بشكل مفرط. قُتِل ستة متظاهرين منذ بداية التمرد: ثلاثة من العلويين الأتراك (Alévis) وثلاثة من العلويين العرب (Alaouites). هناك بعض التشابه بين هاتين الطائفتين، ولكن القرابة بينهما بعيدة في الحقيقة. تعود أصول العلويين الأتراك إلى جبال الأناضول، بينما يتركز العلويون العرب في منطقة هاتاي التي تتكلم اللغة العربية وتشكل جزءاً من العائلة العلوية السورية. ولكن الطائفتين تتعرضان للتمييز الديني من قبل أنقرة. حذر الأستاذ في جامعة استانبول أحمد ألتان Ahmet Altan قائلاً: "هناك توتر كبير جداً، نحن ننزلق نفسياً نحو مناخ الحرب الأهلية".
     اعتبر المتظاهرون أن قيام أردوغان بوضع حجر الأساس لجسر على البوسفور بتاريخ 29 أيار يمثل استخفافاً بهم من قبل الإسلاميين المحافظين في السلطة. تم إطلاق اسم السلطان سليم الأول على هذا الجسر، أي باسم الحاكم الذي أمر بارتكاب المجازر الكبرى ضد العلويين الأتراك في القرن السادس عشر. لم يمنحهم رئيس الوزراء إلا اسم إحدى الجامعات في إطار مجموعة "الإجراءات الديموقراطية" التي تم الإعلان عنها في نهاية شهر أيلول لتلبية الطلبات المتزايدة من قبل العلويين الأتراك، أعرب الأستاذ في مركز تجمع العلويين في حي Gülsuyu (Cemevi) حسن سيليك Hasan Selik عن سخطه قائلاً: "يهدف هذا الإجراء إلى التمويه على الإصلاحات الموجهة إلى ناخبيه السنة".
     تقوم الطائفة العلوية كل يوم خميس بتنظيم بعض الاحتفالات الدينية في المركز (Cemevi) التابع لها في هذا الحي، ويرقص فيها الرجال والنساء، ويتحدثون فيها عن الإسلام والشعر وبعض الابتهالات الشامانية. إن هذه الشعائر جعلتهم مُعتبرين كهراطقة في أغلب الأحيان حتى الآن. ترفض السلطات التركية إعطاء صفة مكان العبادة لأماكن اجتماع العلويين (Cemevi). كما ازادت انتقادات هذه الأقلية بسبب زيادة دروس الديانة السنية في المدرسة مؤخراً وعدم وجود موظفين كبار أو وزراء علويين.
     تتنافس صور مؤسس الجمهورية التركية أتاتورك مع الصور التي تمثل (علي) على جدران مراكز اجتماع العلويين (Cemevi). شهدت الحقبة الجمهورية بعض الاضطهاد وتخللتها بعض المجازر. في عام 1993، مات 35 مثقفاً علوياً تركياً في حريق داخل أحد الفنادق افتعله بعض المسلمين المتعصبين في مدينة Sivas في الأناضول. ولكن نائب رئيس مركز اجتماع العلويين Ergin Yilmaz قال: "حملت الإيديولوجية الكمالية معها النظام العلماني الذي كان يحمينا".
     تفاقم هذا الرهان الداخلي التركي بسبب تداعيات النزاع السوري. يعتبر البعض أن البعد الطائفي لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم تجاه سورية هو أمر خطير على تماسك المجتمع، قال أحمد ألتان: "إذا تصرفت الدولة باعتبارها دولة سنية في الخارج، فهناك خطر بانفجار المجتمع في الداخل". لم يتردد بعض رجال السياسة بتشبيه العلويين الأتراك بالعلويين العرب. في الشهر الماضي، قام رئيس بلدية أنقرة من حزب العدالة والتنمية Melih Gökçek بوصف العلويين الأتراك في المدينة الذين يواجهون قوات حفظ النظام بسبب بناء مجمع ديني بأنهم "جنود الأسد". نشرت محطة Halk TV مقابلة مع الرئيس السوري الذي وعد فيها بأن "تركيا ستدفع ثمناً باهظاً" بسبب قيامها بتسهيل مرور الجهاديين إلى سورية. يشعر العلويون الأتراك بأن الحكومة وضعتهم في خط المواجهة الأول، قال عابدين ساري: "نحن خائفون بالتأكيد من أن يهجموا علينا يوماً ما".

     يتراوح عدد العلويين الأتراك ما بين عشرة وخمس عشرة مليون نسمة، أي حوالي 20 % من السكان. يشرب هؤلاء المسلمين النبيذ ولا يصوموا رمضان، وتعرضوا للمجازر تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. لقد اندمجوا في الإيديولوجيا الكمالية التي كانت تضمن لهم بعض الأمن على الرغم من التمييز الديني المستمر ضدهم في الحقبة الجمهورية (سنوات 1930 و1970 و1990). لقد تحطم هذا الميثاق مع السلطة اليوم.