الصفحات

الاثنين، 21 تشرين الأول، 2013

(الدول الغربية تبحث عن متمردين معتدلين في سورية)

صحيفة الفيغارو 14 تشرين الأول 2013 بقلم جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     تسعى أجهزة الاستخبارات منذ عدة أشهر إلى تحديد هوية القادة الإسلاميين "المعتدلين" الذين يمكن أن تعتمد عليهم باريس للإشراف على تسليم الأسلحة إلى المتمردين الذين يقاتلون ضد جيش بشار الأسد وميليشياته. في الحقيقة، اضطرت أجهزة الاستخبارات إلى التسليم بالأمر الواقع: تتراجع سيطرة المتمردين على الأحداث أكثر فأكثر تجاه الراديكاليين الإسلاميين. ظهر بوضوح أن البحث عن المقاتلين "المعتدلين" لم يكن مثمراً. لم تكن وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA أكثر حظاً، فقد استطاعت العثور على حوالي خمسين متمرداً "يمكن الوثوق بهم" من حيث المبدأ، وأرادت إرسالهم إلى الأردن من أجل تدريبهم. ولكنها واجهت مشاكل جدية، ولم ينجح إلا نصفهم في عبور الحدود. قال أحد الضباط الفرنسيين: "في النهاية، تم اعتبار عشرة منهم فقط جديرين بالثقة من أجل تلقي التدريب".
     بالنسبة للسعودية التي تقف في مقدمة الدول الداعمة للعمليات السرية ضد الأسد، فإنها تواجه أيضاً صعوبات كبيرة في تدريب "المتمردين الجيدين" الذين سيحلون مكان الجيش السوري الحر الذي بدأ يتفكك تجاه منافسيه الجهاديين والسلفيين. تقوم السعودية منذ أكثر من ستة أشهر بتدريب حوالي أربعمائة عنصر كل ثلاثة أشهر للإشراف على "الجيش الوطني" الجديد، ثم يتسلل هؤلاء العناصر إلى سورية لدعم المتمردين. ولكن الضابط الفرنسي اعترف قائلاً: "ولكنهم لا يشكلون إلا قطرة ماء تجاه ثمانين أو مئة ألف جندي لدى النظام للدفاع عنه. تم تدريب 1600 رجل خلال عام. بهذه الوتيرة، سنكون بحاجة إلى عدة سنوات إضافية قبل تغيير موازين القوى".
     باختصار، من الضروري الإسراع بالتوصل إلى حل سياسي للنزاع تجاه سلطة ما زالت تحصل على دعم عسكري من روسيا وإيران وحزب الله. كما أن هذه المشاكل تزيد من تعقيد المعادلة الصعبة في إرسال السلاح إلى المتمردين. أظهرت التجارب الأخيرة لإرسال السلاح أنها لم تكن مُقنعة، ولاسيما فيما يتعلق بسفينة الأسلحة التي انطلقت من كرواتيا، وأفرغت حمولتها على الشواطىء التركية، ثم واجهت خيبات جدية بعد عبور الأسلحة للحدود السورية. اعترف أحد الدبلوماسيين الذين تابعوا إرسال هذه الأسلحة قائلاً: "إنها قصة مختلفة تماماً. بعد وصول هذه الأسلحة بأسبوع تقريباً، أدركنا أن الصواريخ المضادة للدبابات الممولة من السعودية والموجهة إلى الجيش السوري الحر قد تم استخدامها من قبل تنظيم القاعدة في الهجمات في شمال سورية". وأشار هذا الدبلوماسي إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية المتواجدة على الحدود التركية "تزعزعت بسبب وقوعها بالفخ". وهذا هو السبب في التحذير الذي وجهه فرانسوا هولاند عندما طالب بمراقبة عمليات إرسال الأسلحة.
     ماذا حصل عندما وصلت شحنة الأسلحة إلى الأراضي السورية؟ في البداية، استلم الجيش السوري الحر الأسلحة عبر نقاط اتصاله على الأرض، أي القادة الذين انشقوا عن الجيش النظامي وليس لديهم علاقة مع الإسلاميين. ولكن هؤلاء القادة في موقف ضعيف اليوم، أكد أحد المعارضين قائلاً: "قامت مجموعات أخرى بمهاجمة قوافل الأسلحة التي حصل عليها  الجيش السوري الحر. إن هذه المجموعات ليست جهادية بالضرورة، ولكنها قالت للجيش السوري الحر أن حصوله على هذه الأسلحة هو بفضلهم".
     يُفضل قادة الجيش السوري الحر في أغلب الأحيان التوصل إلى اتفاق مع بقية المتمردين من أجل تجنب معارك جديدة بين المتمردين، وتم بيع بعض الأسلحة لهم خلال عملية تقاسم الذخيرة على الرغم من أن ذلك لم يكن متوقعاً من قبل الذين أصدروا الأوامر. وهكذا وصلت بعض هذه الأسلحة إلى الجهاديين في الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التابعة لتنظيم القاعدة من خلال عمليات البيع وإعادة البيع. لقد أعلن تنظيم القاعدة على موقعه الإلكتروني أن مجموعته عثرت على بعض الأسلحة في الصحراء لكي لا تُحرج مجموعات  الجيش السوري الحر التي زودتها بالاسلحة.
     إن هذا العجز في الرقابة على تدفق الأسلحة أثار غضب العديد من الدول الغربية الراعية للمتمردين، ومنهم فرنسا. ولكنها ليست الجهة الوحيدة الغاضبة. لم تقم واشنطن حتى الآن بدعوة الجنرال سليم إدريس الذي يترأس الجيش السوري الحر منذ عشرة أشهر. هناك مصاعب في العثور على دعائم قوية، وعجز عن  العثور على مصادر للمعلومات... لاحظ الضابط الفرنسي المشار إليها أعلاه: "هناك اجتماع دوري بين رؤساء أجهزة الاستخبارات الغربية والعربية في تركيا. ولكنهم يعودون في أغلب الأحيان بدون معرفة ما يجري داخل سورية".
  .