الصفحات

الاثنين، 21 تشرين الأول، 2013

(في سورية، إنها جائزة نوبل للاستخفاف)

صحيفة اللوموند 19 تشرين الأول 2013 ـ مقابلة مع الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود (MSF) جان إيرفيه برادول Jean-Hervé Bradol الذي عاد من سورية مؤخراً بعد أن أمضى شهرين في مدينة الباب بالقرب من حلب ـ أجرى المقابلة كريستوف عياد Christophe Ayad

     كان جان إيرفيه برادول رئيساً لمنظمة أطباء بلا حدود بين عامي 2000 و2008، ويدير اليوم مركز دراسات غير حكومي اسمه CRASH. عاد مؤخراً من سورية بعد أن أمضى شهرين في مدينة الباب الواقعة على مسافة ثلاثين كيلومتر من مدينة حلب. تقوم منظمة أطباء بلا حدود بإدارة مستشفى في حلب، وتدعم المعدات الطبية في المنطقة.
سؤال: ما هو الوضع في منطقة الباب؟
جان إيرفيه برادول: إنها تعيش جميع المشاكل التي يمكن ملاحظتها أثناء النزاعات، ولاسيما عندما نقترب من خط الجبهة مثل السفيرة التي نقدم فيها دعماً للنازحين (توزيع الخيام والطعام وأدوات الطبخ). شاهدنا إطلاق النيران والقصف خلال مدة شهر في كل مرة ذهبنا فيها لتنظيم المساعدة. في بعض الأحيان، تستهدف القذائف المركز الطبي المتقدم ـ لم يعد هناك مستشفى حكومي ـ في لحظة وصول الجرحى. لم يبق في السفيرة إلا نصف عدد سكانها الذي كان يبلغ مئة وعشرين ألف نسمة. أصبح القصف أقل على الباب بالمقارنة مع بداية العام، ولكن هناك طائرة تحلق ليلاً بشكل يومي فوق المدينة. تعرضت المدينة مرتين لقصف بصواريخ سكود خلال فترة إقامتي. دمرت إحدى الطائرات مستشفانا للمرة الثالثة في منتصف شهر أيلول، وقتلت 11 شخصاً منهم طبيب وأحد الفنيين في المخبر وثمانية مرضى أغلبهم من جرحى الحرب.
سؤال: هل تأثرتم بانعدام الأمن؟
جان إيرفيه برادول: هناك عدم استقرار كبير وتوترات بين المجموعات المسلحة وعصابات وأخطار بالخطف. في بداية شهر أيلول، أصبح عبور الحدود التركية أكثر صعوبة بسبب المواجهات بين مجموعات المعارضة في إعزاز. من الآن فصاعداً، أصبحت جميع المعابر الحدودية في الشمال غير مؤكدة، الأمر الذي يزيد عزلة السوريين والصعوبات التي يواجهونها. تعرض بعض عناصر منظمة أطباء بلا حدود إلى الاعتقال لمدة ثلاثة أسابيع في شمال غرب سورية خلال الشهرين الأخيرين، كما تم خطف وقتل أحد الأطباء الجراحين المعارضين للمجموعات الإسلامية. كما تعرض أحد زملائي إلى إطلاق النار. في جميع الحالات، كان الضحايا من السوريين. لا يوجد استقرار. يتغير كل شيء بشكل مستمر.
سؤال: من يقوم بإدارة المدن المحررة؟
جان إيرفيه برادول: هناك مجالس بلدية مدنية منتخبة، وتملك وسائل محدودة جداً. ولكن المحاكم الإسلامية تفرض نفسها أكثر فأكثر كمركز للسلطة في الجزء الشرقي من منطقة حلب، وتقوم بدور قضائي وإداري. على سبيل المثال، إن هذه المحاكم هي التي سمحت لنا بالعمل.
سؤال: هناك حديث كثير حول تصاعد قوة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام.
جان إيرفيه برادول: إنها ظاهرة واقعية جداً، وتطورت بسرعة كبيرة منذ فصل الربيع. السوريون منقسمون. تملك هذه الحركة قاعدة اجتماعية حقيقية، وتتمتع بشعبية حقيقية لدى جزء من الشباب، ولكن هناك جزء آخر ينتقدها بشدة. تضم هذه الحركة بعض الأجانب، ولكن هناك أيضاً الكثير من السوريين. يعتمد كل شيء على وضع هذه المجموعة في حال كونها في السلطة لوحدها أو أنها مجبرة على التحالف مع الآخرين. تشكل الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام جزءاً من نظام  التحالفات داخل المعارضة. تريد هذه المجموعة مثل بقية المجموعات إظهار إنها قادرة على تقديم خدمات مفيدة إلى السكان مثل توزيع الطحين والخبز والمازوت والغاز ومكافحة الجريمة واعادة فتح المدارس.
سؤال: هل تسعى الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام إلى فرض أهداف أصولية؟
جان إيرفيه برادول: نعم، وهي ليست الوحيدة. هناك مجموعات أخرى تعمل ضمن المنطق نفسه مثل لواء التوحيد ولواء الإسلام وأحرار الشام. ولكن تطبيق الممنوعات (مثل بيع السجائر وإغلاق المحلات أثناء صلاة الجمعة) لا يمثل أولوية بالنسبة لهذه المجموعات الإسلامية.
سؤال: كيف يجري التعامل مع المنظمات الأجنبية غير الحكومية؟
جان إيرفيه برادول: إنه أمر قابل للتغير. لا يُسمح للأجانب بالإقامة في جرابلس، ولكنهم يستطيعون زيارتها لفترة قصيرة انطلاقاً من تركيا التي تشرف على برامجهم. هناك حذر متبادل وبعض العلاقات الضرورية. تشك المجموعات الأصولية بأننا نتجسس عليها وبأننا نقوم بتبشير ديني، ولكنها تعترف بضرورة تقديم شكل من المساعدة والخبرة الغربية على الصعيد الطبي مثلاً.
سؤال: ما هو الوضع العام للسكان؟
جان إيرفيه برادول: هناك انطباع بأن نصف السوريين نازحون. غادر سكان السفيرة باتجاه الحدود، وهناك بعض الناس الذين جاؤوا من دمشق بدلاً عنهم، وهم يتحدرون من هذه المنطقة، ولكنهم لا يستطيعوا العيش أو العودة إلى منازلهم. أصبح كل شيء أكثر صعوبة. المدارس مليئة بالنازحين، وهناك إرادة باستئناف النشاطات المدرسية، إنها معضلة حقيقية. كما يبدو أن الأفراد والمؤسسات استنفذت مدخراتها. يبقى نظام التضامن المحلي التي يجعل الناس يأكلون بشكل سيء، ولكن ليس هناك مجاعة حتى الآن باستثناء بعض ضواحي دمشق بسبب تعرضها للحصار. هناك شبكة ضمان صغيرة أخرى هي إمكانية حصول بعض موظفي الدولة على رواتبهم بشرط أن يُخاطروا بالذهاب إلى المنطقة الحكومية للحصول عليها.

سؤال: وعلى الصعيد الطبي؟

جان إيرفيه برادول: لم تعد المستشفيات تعمل في هذه المنطقة. لم يكن بالإمكان تجديد مخزون الأدوية، وهناك انهيار للنظام الصحي. يمكن أن يموت الناس اليوم بسبب حادث سيارة أو قصور قلبي أو ولادة صعبة بسبب نقص الأدوية والمعالجة. النظام الصحي الخاص باهظ الثمن في أغلب الأحيان وبنوعية سيئة. هناك أوبئة محلية مثل الحصبة واللايشمانيا والتيفوئيد. إن الأمر المثير للاستغراب في أزمة بهذا الحجم هو غياب المنظمات الإنسانية الكبيرة المعتادة مثل: الأمم المتحدة والصليب الأحمر أو الهلال الأحمر. إنها تعمل انطلاقاً من المناطق الحكومية ولا تستطيع عبور خطوط الجبهة. إذاً،  تذهب جميع مساعدتها إلى دمشق والنظام. على سبيل المثال، تقوم وزارة الصحة بتوزيع الأدوية. لا تذهب وكالات الأمم المتحدة إلى المناطق الأكثر حاجة لأسباب قضائية وإدارية تتعلق باحترام سيادة الدولة السورية. تتواجد منظمة أطباء بلا حدود في هذه المناطق بشكل سري، لقد طلبنا من دمشق الحصول على إذن بالعمل منذ سنتين بدون جدوى. نجح قرار في الأمم المتحدة بفرض دخول مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مواقع الأسلحة الكيميائية، ولكن دون أن يتغير شيء بالنسبة لسكان الغوطة الذين تعرضوا للغاز، وما زالوا تحت الحصار والقصف ومحرومين من الطعام والدواء. إنها جائزة نوبل للاستخفاف.