الصفحات

السبت، 27 أيلول، 2014

(الذهب الأسود، السلاح الاستراتيجي للدولة الإسلامية)

صحيفة اللوموند 27 أيلول 2014 بقلم جاك فولورو Jacques Follorou ومراسلها في بيروت بنجامان بارت Benjamin Barthe

     أوضحت الضربات الأمريكية يوم الأربعاء 24 أيلول ضد إثني عشرة مصفاة نفطية تحت سيطرة الدولة الإسلامية في شرق سورية الطابع الاستراتيجي لبيع النفط من أجل تمويل هذه الحركة الإسلامية الراديكالية. تكشف هذه المحاولات لقطع الدخول النفطية عن حقيقة معقدة لا تتوافق فيها الاعتبارات التجارية إلا نادراً مع  التحالفات السياسية ـ العسكرية. إن شبكات تهريب النفط التي تنقل نفط الدولة الإسلامية هي نفسها التي تعمل في المنطقة منذ منتصف سنوات التسعينيات. استفادت هذه الشبكات من مصالح غير منتظرة ومرتبطة بدول مثل تركيا وإسرائيل، كما استخدمت الولايات المتحدة أيضاً هذه الشبكات الخفية في العراق من أجل تحقيق مصالحها بين عامي 2003 و2011.
     يتمحور التهريب حول شبكة من الوسطاء والطرقات البديلة التي توصل إلى المصافي السرية في كردستان وتركيا. إن هذه الشبكات موجودة منذ وقت طويل: كان سوق الذهب الأسود مزدهراً خلال سنوات التسعينيات عندما كان الحظر مفروضاً على العراق. يشير عدد من الوسطاء المنخرطين إلى أن سعر برميل النفط الخام القادم من المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية يتراوح بين عشرين وستين دولار، أي أقل من سعر السوق الذي يبلغ مئة دولار تقريباً، الأمر الذي يضمن بيعه. أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان في شهر تموز إلى أن الجهاديين كانوا يبيعون برميل النفط الخام بسعر ثمانية عشر دولار إلى السكان الخاضعين لسيطرتهم من أجل تحسين صورتهم.
     إن إبعاد الوسطاء الذين يبيعون نفط الدولة الإسلامية يعني حرمان أجهزة الاستخبارات من مصادر معلومات نادرة تملك اتصالات مع مركز نظام الدولة الإسلامية. يشهد على ذلك الصور التي تلتقطها الطائرات بدون طيار أو الأقمار الصناعية، وتتبادلها أجهزة الاستخبارات الفرنسية والأمريكية. جاءت الصهاريج المسجلة في العراق وتركيا وكردستان العراق إلى موقع دير الزور بين شهري تموز وأيلول. أشار مسؤول رفيع المستوى في الاستخبارات الفرنسية إلى أنه تمت رؤية الصهاريج تحمل النفط المستخرج من الحقول النفطية في بداية الصيف تحت رقابة الدولة الإسلامية. إذا كانت الصهاريج معروفة الهوية، يبدو أن معرفة الطريق الذي تسلكه أكثر صعوبة. أكد رئيس مركز استراتيجيات وسياسات الطاقة فرانسيس بيران Françis Perrin الذي يدير أيضاً مجلة (النفط والغاز العربي) قائلاً: "من المعقد معرفة الطريق الذي تسلكه الشاحنات، لأنه ارتجالي. تستخدم الدولة الإسلامية جزءاً من النفط لتلبية احتياجاتها، وتبيع جزءاً آخراً في محيطها القريب، وتصدر الباقي عن طريق تركيا".
     ربما لن يستمر هذا الوضع. أشار باتريك أوزغود Patrick Osgood من الموقع الإخباري  المتخصص بالنفط العراقي Iraq Oil Report إلى أن السلطات في كركوك وفي كردستان العراق كثفوا رقابتهم خلال الصيف، وأكد بقوله: "أصبح مهربو الدولة الإسلامية يحصلون على نفط أقل، وأصبحت الطرقات التي يسلكونها أقل، وتراجع عدد زبائنهم عما كان عليه الوضع قبل شهرين". هذا هو السبب الذي يُفسّر الهجوم الذي شنته الدولة الإسلامية في شمال سورية من أجل الحفاظ على ممر يتجه نحو الشمال وتركيا. اضطر الجهاديون إلى الانسحاب من الحقل النفطي في عين زالة الواقع في شمال ـ غرب الموصل في نهاية شهر آب بسبب الهجوم المضاد لقوات البشمركة بمساعدة الضربات الجوية الأمريكية.
     أشار مسؤول رفيع المستوى في الاستخبارات الفرنسية إلى أن ضباطاً عراقيين بعثيين سابقين يقومون بدور مركزي في تنظيم بيع نفط الدولة الإسلامية. تشير بعض المعلومات المشتركة بين الأجهزة السرية الفرنسية والأمريكية إلى أن  أحد أهم مسؤولي النظام العراقي السابق عزت إبراهيم الدوري كان متواجداً في دير الزور خلال فصل الصيف. لقد تمكن عزت إبراهيم الدوري خلال سنوات التسعينيات من إقامة التحالفات مع البعثيين في سورية أثناء حكم الرئيس السابق حافظ الأسد. تشير المصادر الأمريكية إلى أنه كان يقوم بتهريب النفط على الحدود السورية العراقية مع الشقيقين باسل وماهر الأسد.
     أشارت المعارضة السورية إلى أن الدولة الإسلامية تركت بعض الآبار ذات العوائد المنخفضة إلى العشائر المحلية لشراء ولائها. تذهب بعض الصهاريج إلى مدينة منبج، شرق حلب، التي أصبحت سوقاً محلية لتبادل مختلف المنتجات النفطية. تعبر الصهاريج الأخرى الحدود العراقية مباشرة وتذهب باتجاه تركيا عبر كردستان العراق. من الممكن تسليم هذه الحمولات على الطريق إلى زبائن لا يحرصون على معرفة مصدرها نظراً لأسعار المهربين التي لا يمكن منافستها. أخيراً، يمكن خلط إنتاج الدولة الإسلامية في نهاية طريقه مع النفط الكردي القادم من حقول كركوك ويصب في ميناء سيحان عبر أنبوب النفط التركي.
     يكمن رهان المهربين في إخفاء مصدر نفط الدولة الإسلامية من أجل التهرب من الرقابة. ولكن المسؤول في الاستخبارات الفرنسية المذكور أعلاه قال: "في الحقيقة، يملك الأمريكيون الوسائل لمعرفة ذلك. عندما كانوا يحتلون العراق، كانوا يغطون على تهريب النفط بين مصفاة باجي في جنوب الموصل وميناء العقبة في الأردن، ويستخدمون أموال التهريب من أجل شراء ولاء العشائر السنية". إن جزءا من مالكي قوافل الشاحنات اليوم هم نفسهم الذين كانوا يملكونها في ذلك الوقت، وهم يحملون الجنسيات التركية والعراقية والكردية ـ العراقية. أكد التاجر الدولي في مجال النفط كزافييه هوزل Xavier Houzel الذي كان رئيس شركة Carbonaphta، إحدى أكبر الشركات المشترية للنفط السوري منذ عام 1974 إلى عام 1990، قائلاً: "هناك أيضاً بعض الأردنيين الذين يعملون بشكل خفي مع بعض المستثمرين الإسرائيليين بالمشاركة".
 أخيراً، لم يتم تأكيد الشكوك المتعلقة ببيع نفط الدولة الإسلامية إلى نظام دمشق بشكل مؤكد. ولكن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أكد في إذاعة فرانس أنفو France Info يوم الخميس 25 أيلول قائلاً: "كل شيء يدعو للاعتقاد بأن آبار النفط الواقعة تحت سيطرة داعش تُستخدم من أجل تزويد السيد بشار الأسد".