الصفحات

الخميس، 25 أيلول، 2014

(دمشق تريد الاستفادة من الضربات ضد الجهاديين)

صحيفة اللوموند 25 أيلول 2014 بقلم مراسلها في بيروت بنجامان بارت Benjamin Barthe

     ينظر الدكتاتور السوري ومعارضيه عاجزين أمام التدخل الأمريكي ـ الفرنسي (مع انضمام حلفائهم العرب) ضد عدوهم المشترك الدولة الإسلامية، وذلك بعد أن أنهكتهم ثلاث سنوات ونصف من الحرب الأهلية. إنها المرة الأولى التي صفق فيها الطرفان معاً يوم الثلاثاء 23 أيلول مع بداية الضربات الجوية في سورية، وأعرب كل طرف عن قناعته بأن إضعاف الجهاديين سيصب في مصلحته. ولكن هذه الموافقة الظاهرية تُخفي الكثير من الأفكار الخفية. إنه السباق من أجل الاستفادة من المعطيات الجديدة الناجمة عن بداية الهجوم ضد الدولة الإسلامية.
     ظهرت ردة فعل بشار الأسد في بيان صادر عبر وكالة سانا الرسمية، وصرح الرئيس السوري أنه يدعم "أي جهد دولي ضد الإرهاب" بدون الإشارة إلى القصف الجوي بشكل خاص. لقد قرر نظام دمشق محاربة الجهاديين اعتباراً من شهر آب عندما أصبحوا العدو الأول للمجتمع الدولي، وذلك بعد تساهل معهم لفترة طويلة، لأن تطرفهم يضرّ بصورة الثورة. إن الحرب على الدولة الإسلامية أعطت دفعة جديدة للدعاية الإعلامية للنظام الذي سعى دوماً إلى وصف المتمردين بأنهم إسلاميين متعطشين للدم.
     أعرب رئيس تحرير إحدى الصحف اليومية المقربة من النظام عن سروره قائلاً: "نجح صاروخ توماهوك واحد بسحق مركز قيادة داعش في الرقة، بعد أن أنهكت طائراتنا نفسها لتدميره منذ عدة أيام. إنه أمر جيد للإنسانية وللدولة السورية". يحرص الرئيس السوري على الظهور كشريك للتحالف الذي تقوده واشنطن والخروج من العزلة التي يفرضها الغرب عليه، وكلف وزارة الخارجية بمهمة تأكيد أنه تم إعلام سورية بقرب بدء الضربات.  تؤكد دمشق أن مندوبها في الأمم المتحدة بشار الجعفري تم إعلامه بذلك، وأن وزير الخارجية العراقي  نقل له رسائل من الولايات المتحدة.
     قال الصحفي السوري المذكور أعلاه مؤكداً: "لا يوجد اتصال على الصعيد السياسي، وليس من مصلحة السلطة السورية استئناف العلاقة مع واشنطن. ولكن هناك شراكة حقيقية على صعيد أجهزة الاستخبارات. لا يوجد حوار، ولكن رادارات هذا الطرف وذلك ترى بعضها البعض". تهدف هذه الحجة أيضاً إلى التخفيف من الإهانة التي يمثلها انتهاك المجال الجوي السوري من قبل الطائرات "الإمبريالية" الأمريكية، وتبرير عدم تحرك وسائل الدفاع الجوي السوري بعكس التهديدات الموجهة قبل عدة أسابيع.
     ولكن واشنطن نفت جميع هذه الجهود الكلامية، وقالت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية جنيفر بساكي Jennifer Psaki: "لم نطلب الإذن من النظام. لم ننسق عملنا مع الحكومة السورية. لم نرسل تبليغات مقدماً إلى السوريين، ولم نعط أية مؤشرات حول تاريخ الضربات ولا حول الأهداف". وأكدت جنيفر بساكي أنه إذا تم الاتصال بالسيد بشار جعفري، فإنه من أجل ردع سورية عن "مهاجمة الطائرات الأمريكية". أكد مصدر مطلع على الملف السوري بعد عودته من واشنطن قائلاً: "لا أحد في الولايات المتحدة ينوي أن يتناقش مع هذا النظام. تقرّبت بعض أجهزة الاستخبارات الغربية من نظيرتها السورية خلال الأشهر الأخيرة، ولكنهم شاهدوا أن ذلك لم ينفع بشيء. لا يمكن إنقاذ هذا النظام، إنه يدمر نفسه بنفسه مهما فعل. كيف يمكنه تقديم حل لراديكالية السنة؟".
     أعربت المعارضة عن ارتياحها تجاه توضيحات وزارة الخارجية الأمريكية. أعرب الائتلاف الوطني السوري عن سروره من أن المجتمع الدولي "انضم إلى معركتنا ضد داعش"، وقال أحد قادة الائتلاف منذر أقبيق: "إنه تطور أساسي. استفاد النظام لفترة طويلة من وجود الجهاديين من أجل تلويت قضيتنا". على الصعيد الميداني، يسود الشك. أكدت حركة حزم Hazm، المجموعة المسلحة الأكثر اعتدالاً والتي حصلت على صواريخ مضادة للدبابات من الولايات المتحدة، أن الضربات الجوية "ستضر بالثورة السورية". كما أكدت هذه المجموعة التابعة للجيش السوري الحر على حسابها في تويتر أن "المستفيد الوحيد من هذا التدخل الأجنبي في سورية هو النظام، ولاسيما مع غياب استراتيجية حقيقية لإسقاطه".
     يخشى مقاتلو الجيش السوري الحر من تأثير الأخطاء غير المقصودة التي سترتكبها حتماً الطائرات الأمريكية على الرأي العام السوري. ربما قُتِلَ عشرات المدنيين في القصف يوم الثلاثاء 23 أيلول بالإضافة إلى ما يتراوح بين سبعين ومئة وعشرين جهادياً حسب المصدر. يخشى المتمردون أيضا من توسيع هامش الضربات ليشمل المجموعات القريبة من الدولة الإسلامية بشكل يؤدي إلى دفع العديد من الكتائب إلى أحضان الدولة الإسلامية. قصفت الولايات المتحدة أيضاً مواقع مجموعة خوراسان التابعة لجبهة النصرة ـ الجناح السوري لتنظيم القاعدة. قال دبلوماسي غربي على اتصال مع أوساط المعارضة: "هناك خوف حقيقي مذهل بين المتمردين الذين يخشون أن يجدوا أنفسهم مستهدفين من قبل الولايات المتحدة".
     يستعد الطرفان من الآن فصاعداً للجولة القادمة: أي استعادة الأراضي التي كانت تسيطر عليها الدولة الإسلامية. قام رجال الدولة الإسلامية بتوزيع قواتهم تحسباً للضربات الأمريكية، وأخلوا قواعدهم الأكثر مرئية، وربما يضطرون إلى الاختفاء خلال الأيام القادمة، وبالتالي التخفيف من سيطرتهم على الأرض. هل سيعرف الجيش السوري الحر كيف يستفيد من هذه الفرصة لكي يتقدم؟ إن بقاء الثورة على قيد الحياة يعتمد على ذلك.