الصفحات

الأربعاء، 17 أيلول، 2014

(التمييز بين العدو والخصم)

صحيفة الفيغارو 16 أيلول 2014  بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     دعا وزير الدفاع الفرنسي في لقاء أجرته معه صحيفة الفيغارو بتاريخ 9 أيلول إلى تدخل عسكري غربي في ليبيا. يجب أن يدفعنا ذلك إلى التفكير. ألم نتدخل سابقاً في هذا البلد قبل ثلاث سنوات، وبدعم من الحزب الاشتراكي لمبادرة نيكولا ساركوزي التي اقترحها برنار هنري ليفي؟ أليس من المُحزن أنه يجب إصلاح الفوضى التي تسببت بها العملية العسكرية الأولى بعملية عسكرية ثانية؟ ما زالت حرب عام 2011 ضد القذافي إحدى أكبر الأخطاء الاستراتيجية الخطيرة التي ارتكبتها الجمهورية الفرنسية الخامسة في سياستها الخارجية. لأن القذافي، حتى لو كان لا يتمتع بالود والعقلانية اللازمة، فإنه لم يكن عدونا في ذلك الوقت. لقد تخلى عن الإرهاب، وقام بتعويض الضحايا الفرنسيين، وتخلى عن الأسلحة النووية، وكشف عن الصفقات الخطيرة لعبد القادر خان، وأوقف التجارة بالبشر بين الدول الإفريقية والبحر المتوسط.
     هل لدينا نحن الفرنسيين عدو؟ نعم، وهو عدو لا يُخفِ نفسه. إنه العدو التي زرع القنابل في محطة القطارات في باريس، وقتل أطفالنا وجنودنا في تولوز، وقطع رؤوس الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني في سورية، إنه الإسلاموية العالمية. إن جميع الوسائل مشروعة للقضاء على طائفة القتلة. تُخطئ الدول الغربية في تصرفها واستخفافها بالتعاون مع الحكومتين السورية والإيراني، على الأقل من الناحية الاستخباراتية. هل هما خصومنا على الصعيد الإيديولوجي؟ بالتأكيد. رفض بشار الأسد نشر الديموقراطية في بلده، ولكن يعود له الفضل بحماية الحرية الدينية في بلده. لقد فشلت الحكومة الدينية الإيرانية اجتماعياً واقتصادياً. ولكن سورية وإيران ليستا عدوين لنا، ولا تريدان قتل الفرنسيين ولا حتى الإضرار بمصالحنا الجغراسياسية والاقتصادية. عندما نقاتل عدواً يريد قتلنا، يجب معرفة كيفية التعامل مع جميع الحلفاء الممكنين، وحتى مع الحلفاء الذين يشكلون خصوماً على صعيد الأفكار.
     إنه شيء لم تفهمه فرنسا خلال سنوات الثلاثينيات. أعلن هتلر في كتابه "كفاحي" عن هدفه بتدمير فرنسا. عندما أرسلت ألمانيا قواتها في شهر آذار 1936 إلى منطقة الرين غرب ألمانيا، أخطأ الفرنسيون عندما تخلوا عن مهاجمة ألمانيا النازية بعد أن تخلت بريطانيا عن فرنسا، ودفعت الولايات المتحدة البريطانيين نحو الانتظار. كان الخطأ الثاني للحكومة الفرنسية آنذاك بعدم بذل كل ما بوسعها من أجل التحالف مع روسيا ضد ألمانيا. إن هذا التحالف هو الذي أنقذنا في اللحظة الأخيرة عام 1914، وكان بإمكانه أن يُنقذنا عام 1940. لاشك أن النظام الشيوعي الروسي كان خصماً إيديولوجياً للاشتراكية الراديكالية الفرنسية، ولكن ستالين تخلى عن تصدير الشيوعية إلى العالم، واستعاض عنها بـ "نظام شيوعي في بلد واحد"، ولم يكن ستالين عدواً لفرنسا.
     أخطأ وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه عام 2012 عندما أغلق سفارتنا في دمشق من جانب واحد، لأن الفائدة من الدبلوماسية هي الحديث مع الأصدقاء والخصوم أيضاً. نحن لا نتفق مع السياسة الصينية والروسية في العديد من الجوانب، ولكن الحمد لله أننا ما زلنا نتحدث معهم عبر سفاراتنا. نحن لا نرى شيئاً من تدفق الجهاديين بين الأراضي الفرنسية والسورية، لأننا تخلينا عن أي تعاون مع أجهزة الاستخبارات السورية بعد إغلاق سفارتنا في دمشق.
     من المفترض أن يساهم المثالان العراقي والليبي في فتح عيوننا: إن "تغيير الأنظمة"، كما يقول الأمريكيون، لم ينجح. لقد فشل أسلوب تغيير الأنظمة بالقوة وسياسة المدافع خلال الحقبة الاستعمارية، ولم يبرهن عن فعاليته على المدى الطويل. اليوم، لم نعد قادرين على القيام بذلك بعد أن فقدنا الخبرة البشرية في إدارة المستعمرات. إن الجحيم الأفريقي والشرق أوسطي مليء بالنوايا الحسنة للدول الغربية. عَمِلَت الدول الغربية بنشاط من أجل استقلال جنوب السودان، ونجحت بذلك، وتم تنظيم احتفال كبير للاستقلال عام 2011، وانهالت الإعانات على هذا البلد الجديد. ولكن، بعد مرور عام ونصف، وقع جنوب السودان فريسة حرب أهلية مرعبة، وأصبح الكارثة الأولى في أفريقيا إلى جانب فيروس إيبولا Ebola.
     كنا على حق عندما أشركنا السعودية في الصراع ضد برابرة الدولة الإسلامية. إذاً، لقد سامحنا السعودية على قيامها بتمويل المجموعات الإسلامية. ولكن يجب علينا أيضاً توسيع هذا العفو ليشمل سورية وإيران اللتين لم تصل مناوراتهما المعادية لقيمنا إلى مستوى عداء مناورات الممالك النفطية السنية.