الصفحات

الأربعاء، 27 تشرين الثاني، 2013

(العمل الإنساني داخل الرعب)

صحيفة الليبراسيون 27 تشرين الثاني 2013 بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     ربما يكون هذا الشخص تجسيداً للإنسانية في سورية، ولبصيص الأمل المستمر في الوقت الذي انهار فيه كل شيء في الظلام، وضاع كل شيء في الوقت الذي تسرح فيه الكلاب الشاردة بروائحها الكريهة حول القبور التي كانت في أحد الأيام شارعاً أو حياً أو مدينة. كان الصيدلاني حذيفة إدريس (42 عاماً) في حي باب عمرو في حمص يدعو الزوار لتناول الشاي في مكتبه ويصطحبهم خارج حي باب عمرو وحمص وسورية وخارج الرعب لكي يروي لهم إعجابه بالعائلة الملكية البريطانية في أصعب اللحظات أثناء العاصفة الفولاذية في شهر شباط 2012.
     أجهشت إحدى الممرضات بالبكاء في المستوصف الصغير بتاريخ 16 شباط 2012. لقد أخفق الطبيب محمد المحمد، أحد الأطباء النادرين في الحي المحاصر منذ سبعة أشهر، عندما كان ينتزع بعنف بواسطة ملقطه الجراحي شظية من عين أحد الجرحى. لاحظ الطبيب أن المريض توقف عن التنفس، فرمى الشظية والملقط الجراحي في وسط الغرفة صارخاً وهو يلعن بحقد وحشي ضد بشار الأسد. كان يوجد إلى جانبه بعض الجرحى الذي لا نعرف فيما إذا كانوا على قيد الحياة، ثم بدأت إحدى الأمهات بالصراخ. في الخارج، اقترب القصف من مركز المعالجة الصغير الموجود في شقة صغيرة داخل قبو أحد الأبنية الذي انهار الطابق الثاني فيه بسبب قذيفة أدت إلى تدمير خزان المياه. على الرغم من هذه الكارثة العامة، وهذا الشعور بالغرق المطلق المخيم على حي باب عمرو الذي كان القلب النابض للثورة السورية أنذاك، وكون هذا الحي على وشك السقوط، كان هذا الصيدلاني ومدير المستوصف يتحدث بصوت هادىء لا يمكن سماعه إلا بصعوبة داخل العاصفة الفولاذية، وكان يحرص على الحديث عن إعجابه بالعائلة الملكية البريطانية. إنه معجب بكل شي: الحفلات الباذخة وعربات الخيل وقصر بكنغهام والحكايات وديانا... "ولكنني معجب بالملكة بشكل خاص". فجأة، يقوم بإخراج علكة قائلاً: "خذها، إنها آخر علكة في باب عمرو".
    سقط الحي بأيدي القوات النظامية بعد مضي عشرة أيام. ثم اختفى هذا الصيدلاني الصغير منذ ذلك الوقت. هل تعرض للقتل أو الاعتقال أو التعذيب؟ لا، لقد استطاع النجاة مع عائلته، وذهب إلى طرابلس في لبنان، وبدأ يتعلم في أحد المستشفيات إجراء العمليات الجراحية أثناء الحرب. قال حذيفة إدريس: "عبرنا خطوط الجنود مع خمس ممرضات في المركز. ارتدينا جميعاً الرداء الأسود. مشينا من منتصف الليل حتى الساعة الخامسة فجراً دون إصدار أي ضجيج. كنا منهكين. ربما سمعنا الجنود، ولكنهم لم يطلقوا النار. خرج حوالي ثلاثة ألاف شخص من الحي بهذه الطريقة. لولا خروجهم، كانوا سيتعرضون للذبح من الشبيحة الذين وصولوا للحي بعد الجنود. الآن، تم تدمير حي باب عمرو بالكامل، ولم يبق فيه إلا الكبار بالسن". خسر هذا الصيدلاني كل شيء باستثناء عائلته القريبة، وقال: "تعرض والدي للذبح، شاهد أحد الشيوخ جثته في أحد الجوامع إلى جانب الكثير من الجثث الأخرى. كما قُتِل أخي أسامة بقنبلة بعد أن كان سائقاً لسيارة إسعاف. كما مات شقيق أمي. بحث الشبيحة عن  صيدليتي ومنزلي لنهبهما وحرقهما. شوهدت قمصاني وأحذيتي في أسواق الأحياء المؤيدة للنظام، هذه الأسواق  التي تبيع كل ما هو مسروق".
     لجأ حذيفة إدريس إلى أحد البيوت بالقرب من دمشق بعد هروبه من باب عمرو، وقال: "عندما شاهدتني أمي، غابت عن الوعي لأنها كانت تعتقد أنني ميت". لم يكن ينوي مغادرة بلده، ولكنه اكتشف على التلفزيون "ما لم يقال لكم حول باب عمرو" وجود برنامج للوشاية أعده النظام، وأنه كان مطلوباً للعدالة في هذا البرنامج بتهمة تقديمه المساعدة للجرحى. إن عينيه باللون الأزرق الغامض في الصورة تثيران الانتباه فوراً. قال حذيفة إدريس: "عندها، ارتديت ثياباً أنيقة قدر الإمكان، وذهبت إلى لبنان بالسيارة. لم يتخيل الجنود أن رجلاً بهذه الأناقة مع عائلته يمكن أن يكون ملاحقاً".
    كان حذيفة إدريس صيدلانياً عادياً يكسب رزقه بشكل جيد حتى اندلاع التمرد في حمص. كان عضواً في حزب البعث الحاكم وفي اتحاد الصيادلة. إذاً، كان أحد الوجهاء. إن القمع العنيف هو الذي جعله ينضم إلى التمرد لإدارة أحد مركزي المعالجة الإسعافية في باب عمرو، القلب النابض للثورة. لم يكن يتمتع بأية كفاءة متميزة، وقال: "باستثناء الدكتور محمد، إن جميع الذين يعملون في هذا المستوصف لم يسبق لهم العمل في مجال الطب". بدأ بارتداء بنطال الجينز للمرة الأولى، وقال: "كان ذلك أكثر عملية للمرور بين نيران القناصة". لأنه إذا كانت الممرضات و والطبيب ينامون في المستوصف للحد من الأخطار، فإن حذيفة إدريس الرجل الهادىء يرفض النوم في سرير ميداني. كان يحرص على العودة إلى عائلته مساء كل يوم مهما كلف الثمن للتأكد من أن كل شيء على ما يرام، وطمأنتهم حتى ولو كان ذلك يعرضه للركض وراء الجدران. قال حذيفة إدريس: "في المنزل، عندما تسقط القذائف، كان يجب عليّ أن أضحك أمام ابنتي رغد التي يبلغ عمرها اليوم أربع سنوات. ولكنها تعرف من قتل جدها. وتعرف ما هي القذيفة عيار 12.7 أو الأربيجي 7. هكذا أصبح أطفالنا".
     في الوقت الحالي، يتحدث حذيفة إدريس عن الأيام الأخيرة في باب عمرو، وقال: "قيل لنا أن مستوصفنا هو أكثر ما كان يكرهه النظام، وأنه كان يسعى إلى تدميره بالقنابل مهما كان الثمن. إذا تعرض أحد المقاتلين للاعتقال، من الممكن أن يبقى على قيد الحياة في السجن. إذا تعرض طبيب أو صحفي للاعتقال، فليست أمامه أية فرصة للنجاة". كان هذا الصيدلاني يأمل بعد الهجوم الكيميائي الأخير على ضواحي دمشق أن تقوم الولايات المتحدة وفرنسا بقصف النظام، ولكنها كانت خيبة كبيرة له. قال حذيفة إدريس: "يعتقد الشعب السوري من الآن فصاعداً أنكم تستخدمون سورية كمسرح. يجب أن تقصفوا لكي نقتنع بالعكس، ولكي تُظهروا لنا أنكم دول حرّة فعلاً. نحن على وشك الموت مع الغاز أو بدونه. تقولون أنكم أصدقاء السوريين، ولكن الأصدقاء يظهرون عندما نكون بحاجة لهم". ولكنه ما زال معجباً بالملكة إليزابيت التي تمثل بالنسبة له تجسيداً لحلم الديموقراطية، وقال: "تخيلوا أن البريطانيين يستطيعون أن يطلبوا منها تقديم حساب حول الأموال التي تنفقها على ثيابها. أما بشار، فإنه يستطيع قتل من يشاء، ولا أحد يستطيع أن يطلب منه شيئاً. إن الحرية بالنسبة لنا هي أن نتمكن من العيش مثلكم أنتم الغربيين، هذه الحياة التي نراها على التلفزيون".

     ولكن سورية التي يحلم بها ما زالت بعيدة المنال، وهي محاصرة بين قوات النظام والأحزاب الجهادية التي تزداد قوتها شيئاً فشيئاً. وافق الصيدلاني على ذلك قائلاً: "نحن لا نقبل بمجيء الأجانب لممارسة السياسة عندنا. لا شك أنه يجب علينا بعد الثورة القيام بثورة أخرى لطردهم". إنه يفكر بالعودة إلى بلده بعد تعلمه إجراء العمليات الجراحية أثناء الحرب. لقد ترك قطته الصغيرة التي يحبها في حمص، وقال: "إذا عثر عليها بشار، فسوف يقتلها. إنه قادر على اتهامها بأنها مسؤولة عن الثورة".