الصفحات

الجمعة، 14 شباط، 2014

(حرب داخل الحرب المقدسة في سورية)

صحيفة الليبراسيون 13 شباط 2014 بقلم لوك ماتيو Luc Mathieu

     هل سيؤدي تطرفهم إلى هزيمتهم؟ تتراكم هزائم جهاديي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام المنبثقة عن تنظيم القاعدة، إنهم راديكاليون بين الراديكاليين ومتهمين بعمليات خطف واغتيالات وذبح المدنيين، وهم غير قادرين على التحالف مع بقية المجموعات الجهادية باعتبارها "كافرة". لقد طُردوا في بداية العام من حلب وأغلب القرى المحاذية للقرى التركية، وتم إجبارهم هذا الأسبوع على الانسحاب من دير الزور المنطقة الاستراتيجية الغنية بالحقول النفطية. تم طردهم من قبل مجموعة جهادية أخرى تابعة لتنظيم القاعدة هي جبهة النصرة التي تتحالف في الظروف الحالية مع حوالي عشر مجموعات متمردة. كانت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد  الشام قد فرضت نفسها خلال عدة أشهر في شمال وشرق سورية، ولكنها تتحصن حالياً في مديني الرقة والحسكة. قال أستاذ الإسلام المعاصر في جامعة إديمبورغ Edimbourg الاسكتلندية توما بييريه Thomas Pierret المختص بالشؤون السورية: "إنها حسابات استراتيجية. أدركت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام أنها لا تملك الوسائل الكافية للاحتفاظ بجميع مواقعها، وأنه يجب عليها التراجع نحو بعض معاقلها القوية".
     تضم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام عدة آلاف من الرجال، ولكن تراجعها لا يمثل نهاية للجهادية في سورية، بل يُعبّر فقط عن انتقال المقاتلين نحو المجموعة الراديكالية الرئيسية الأخرى جبهة النصرة، وهي الوحيدة التي أعلنت عن ولائها رسمياً لأيمن الظواهري خليفة بن لادن. قال أحد الناشطين في أطمة على الحدود التركية: "استسلم مئات المقاتلين من الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام أو تعرضوا للأسر في شهري كانون الثاني وشباط. تركت جبهة النصرة الخيار لهم بين الانضمام إليها أو الرحيل إلى تركيا. اختار أغلبيتهم القتال مع جبهة النصرة".
     هناك بعض الاختلافات الدقيقة بين المجموعتين. تعمل كلاهما ضمن منطق الجهاد العالمي الذي لا يقتصر على سقوط بشار الأسد وحدود سورية. ولكن أسلوبهما مختلف مهما كانت راديكاليتهما وخطورتهما. ظهرت جبهة النصرة في شهر كانون الثاني 2012 مع تبني العمليات الأولى لتفجير السيارات المفخخة ضد مواقع الجيش السوري، وحاولت الحصول على قبول السكان عبر تنظيم توزيع الخبز وجمع النفايات في حلب على سبيل المثال. كما فتحت صفوفها أمام أغلبية السوريين، ومن ضمنهم بعض المقاتلين في المجموعات المعتدلة المرتبطة بالجيش السوري الحر، فقد سئم هؤلاء المقاتلين من عدم دفع أجورهم واضطرارهم إلى إحصاء عدد طلقات بنادقهم. قال توما بييريه: "يتصف قادة جبهة النصرة بالبراغماتية. لقد أعطوا الأولوية إلى معركة الكفاح ضد الأسد، الأمر الذي دفعهم إلى قبول التعاون مع بقية المجموعات المتمردة".
     يختلف الوضع بالنسبة للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي دخلت الحرب ضد بقية الفصائل حالما تسنى لها ذلك. قام "أمراؤها" بقتل أو اعتقال مئات المعارضين في المدن التي سيطروا عليها خلال ربيع وصيف عام 2013. يتألف أغلب أعضاءها من الأجانب، من الطائفة السنية حصراً، وفرض مقاتلوها نمطاً متشدداً جداً للحياة على السوريين الذين اعتادوا على إسلام معتدل. إن الذين يرفضون ذلك، ومنهم بعض الناشطين الذين بدؤوا التمرد في شهر آذار 2011، كانوا يعرضون أنفسهم للاعتقال والتعذيب وحتى الموت. تؤيد الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام إقامة "خلافة إسلامية" تضم العراق وبلاد الشام، كما جعلت من استئصال الشيعة أحد أهدافها الأولى، ووصل بها الأمر إلى قطع رؤوس بعض الجنود العلويين في الساحات العامة.
     تضايق السكان بسرعة من هذا التطرف المتعصب. بالإضافة إلى ذلك، بقيت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بمنأى عن المعارك ضد جيش النظام الذي كان يتجنبها. لاحظ أحد الدبلوماسيين الغربيين قائلاً: "ظهر سريعاً وبوضوح أن طائرات الجيش السوري كانت تحلق فوق القواعد التي يعرف الجميع أنها تابعة للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام دون أن تقصفها، ثم تقصف مواقع المتمردين على بعد عدة كيلومترات". أدت استراتيجية التجنب إلى إثارة الشكوك بوجود تواطؤ أو تلاعب بالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام من قبل أجهزة الاستخبارات السورية.
     انزعجت عدة مجموعات متمردة، ومن ضمنهم جهاديو جبهة النصرة، وقرروا التحرك في نهاية العام الماضي عندما أدركوا أن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام كانت تحاول إغلاق الحدود مع تركيا وقطع الطرق الرئيسية المؤدية إليها بشكل يهدد باستيلائها على قوافل التموين. اندلعت المواجهات أولاً في إعزاز. تراجعت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ولكن المعارك أدت إلى مقتل حوالي 1800 شخص خلال أقل من شهرين، وأغلبهم من المتمردين.

     حاول جيش النظام الاستفادة من هذه الحرب داخل الحرب لاستعادة تقدمه على الأرض في محيط حلب دون تحقيق نتيجة فعلية حتى الآن. بإمكان الجيش أيضاً الاعتماد على بعض المقاتلين الأجانب مثل عناصر حزب الله اللبناني أو الميليشيات العراقية أو الرجال الذين يرسلهم النظام الإيراني. أشار الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط آرون زيلان Aaron Zelin إلى أن عددهم الإجمالي يبلغ  حوالي عشرة آلاف، مقابل ما بين خمسة وعشرة آلاف جهادي أجنبي إلى جانب المتمردين.