الصفحات

الخميس، 6 شباط، 2014

(لماذا تكره إسرائيل جون كيري؟)

صحيفة الفيغارو 6 شباط 2014 بقلم بيير روسلان Pierre Rousselin

     أصبح جون كيري عدو اليمين الإسرائيلي، وذلك قبل عدة أسابيع من موعد تقديم خطته للسلام. لقد تجرأ جون كيري على التطرق إلى أخطار المقاطعة التي يمكن أن تتعرض لها الدولة العبرية في حال رفضها للاقتراحات التي سيقدمها لاحقاً. تحقق الهدف من التلميح إلى العزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل، لأن حكومة نتنياهو لم تنتظر كلام وزير الخارجية الأمريكي لكي تعرب عن قلقها من حملة لـ "نزع الشرعية" عن دولة إسرائيل.
     لقد اتسعت هذه الحملة خلال الأسابيع الأخيرة بشكل مخيف، وتزايد الحديث حولها أكثر من أي وقت مضى. اضطرت الممثلة سكارليت جوهانسون إلى إلغاء عقدها مع منظمة أوكسفام (OXFAM) غير الحكومية، لأنها قامت بالترويج لشركة مقرها في إحدى مستوطنات الضفة الغربية. كما اضطر صندوق التمويل الهولندي PGGM للتوقف عن الاستثمار في خمسة مصارف إسرائيلية تستثمر أموالها في مستوطنات الضفة الغربية. كما قررت المنظمة الجامعية الأمريكية American Studies Association مقاطعة إسرائيل على الصعيد الأكاديمي. فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، فإنه يطبق "خطوط التوجه العامة" التي تستبعد التعاون مع إسرائيل عبر المؤسسات والشركات العاملة في الأراضي المحتلة.
     يقود هذه الحملة الدولية منظمة اسمها BDS (مقاطعة، التوقف عن الاستثمار، عقوبات)، وتملك هذه المنظمة وسائل هامة، وتحرص على تركيز عملها حول سياسة الاستيطان التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. ترتكز مواجهة هذه الحملة على تشبيه مثل هذه الإجراءات والمظاهرات بالعداء ضد السامية، ولكن هذا الأسلوب لمواجهة الحملة في طريقه نحو فقدان الكثير من قوته في الردع.
     أوضحت هذه الظاهرة تزايد قوة بعض المنظمات غير الحكومية في هذه المعركة لكسب الرأي العام الدولي، وقدرتها المتزايدة في فرض أهدافها الخاصة على الدبلوماسيين في الدول. تترافق هذه الظاهرة بتطور آخر يبعث على القلق أيضاً في إسرائيل هو: تراجع نفوذ المؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة. لقد فشل لوبي الأيباك القوي مؤخراً في فرض التصويت على عقوبات جديدة ضد إيران على الرغم من الحملة التي قادها الأيباك لدى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، لأن هذا التصويت كان سيؤدي إلى إفشال المفاوضات الجارية مع إيران.
     يقلق المسؤولون الإسرائيليون من تعاقب الأجيال وتغير رؤية الناخب اليهودي الأمريكي الذي يبتعد عن الدولة العبرية وخياراتها السياسية. تزايدت قوة إحدى المنظمات المنافسة للأيباك هي منظمة J Street التي تؤيد التوصل إلى تسوية حول الملف الفلسطيني، وتساهم هذه المنظمة الجديدة بالتخفيف من تأثير اليمين الإسرائيلي على الكونغرس والبيت الأبيض.
     تجد إسرائيل نفسها في مواجهة مع مشكلة جدية تتعلق بـ "القوة الناعمة"، أي هذه القدرة على النفوذ غير العسكري التي تزداد ضرورتها أكثر فأكثر في هذه الأيام، وذلك في هذه اللحظة الحاسمة التي تتميز بزعزعة الاستقرار العامة في الشرق الأوسط، وباحتمال إعادة دمج إيران في النظام الإقليمي بعد وصولها إلى العتبة النووية. إنه تحدي عاجل، ويجب مواجهته بالنسبة لبلد يعتمد أمنه منذ وقت طويل على عقيدة "الجدار الفولاذي" التي ترتكز على التفوق الساحق للقوات المسلحة.
     كانت عملية "الرصاص المصبوب" في غزة خلال شهر كانون الأول 2008 بمثابة التحذير الأول. تمكن الجيش الإسرائيلي حينها من تحقيق انتصار حاسم على الأرض، وقضى على قدرة المجموعات الإسلامية الراديكالية في إطلاق القذائف الصاروخية ضد إسرائيل. ولكن الكلفة على الصعيد الدبلوماسي والصور المنشورة في العالم بأسره كانت كارثية. بدأت القطيعة مع تركيا، الحليف الإقليمي الأساسي للدولة العبرية ولقدرتها على العمل خارج حدودها، منذ هذه الحرب، ولم يتم تجاوز هذه القطيعة حتى الآن. في القرن الواحد والعشرين، لا يكفي أن تكون الأكثر قوة من أجل الانتصار.

     يعرف جون كيري أن بنيامين نتنياهو غير متحمس لتقديم التنازلات حول الملف الفلسطيني. لماذا المخاطرة في الوقت الذي ما زالت فيه إيران تمثل تهديداً، وتراجع فيه استقرار مصر والأردن اللتين وقعتا على اتفاق للسلام مع إسرائيل؟ تصف إسرائيل عناد وزير الخارجية الأمريكي بأنه "خارق للعادة" (Messianique)، ولذلك يعمل جون كيري على الجانب الآخر من المعادلة: أي كلفة العزلة التي يجب أن تتحملها إسرائيل في حال رفضها للدخول في المجهول. تُظهر ردود الفعل الإسرائيلية الحادة جداً أن تفكير جون كيري يتمتع ببعض التأثير.